الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / أنطولوجيا الأدب العربي لجبران مسعود ..الثبات ام المجازفة

أنطولوجيا الأدب العربي لجبران مسعود ..الثبات ام المجازفة

يمكن إضافة موسوعة الأدب العربيّ التي صدرت مؤخراً عن دار نوفل للدكتور جبران مسعود (مواليد 1930)، إلى تلك المصنّفات التي تكون فائدتها الاساسية في كونها، في وجه من الوجوه، محاولاتٍ كتابية بأبعاد تأصيليًّة. نتحدّث عن التأصيل، في هذا الحيّز، بما هو حاجة حيويّة لراهن الثقافة والآداب والعلوم العربية بمختلف فروعها المكرّسة. حاجةٌ لا تقتصر أهميتها، على عمليات مدرسيّة تجميعيّة مكرورة لهذا التراث الأدبي العربي القديم أو المحدث بل هي حاجة تفترض الرؤية إلى التأصيل باعتباره من المفاهيم المركّبة المتحوّلة بحيث تتفاوت وتتغير دلالات هذه العملية من حقبة لأخرى. والحال، إن تأصيل الموروث الأدبيّ، الآن وراهناً، أو إعادة تقديمه هو فعلٌ، على جذريته، يختلف، بدلالاته وتماساته وتأثيراته الثفافية واللغوية بالضرورة عن مجمل العمليات السابقة التي مرّت في سياق التفتّح الحديث المتجدّد للتراث الأدبي نثراً أو شعراً.
لا نقول إن جهد صاحب معجم «الرائد» اللغويّ الشهير، يأتي بجديد من جهة التعريف بأعلام شعرية أو نثرية تراثية، بل يبدو هاجس مسعود الأساسي هو الانخراط في همّ الرهان الدائم على اللسان العربيّ لجهة الانشغال بالمدوّنة العربية الضخمة بمفهومها العملانيّ الأوسع. نعني تلك المدوّنة التي تظل في جانب منها أثراً إبداعياً من آثار الحضارة البشرية. الرهان، هنا، لا يكون في التجميعِ المتاح، بطبيعة الحال، بل يكون، أساساً، في نوع التجميع وفي اختيار المكرَّس الفارق والملائم، في آن، من الشعر أو النثر. إنّه، بوجه آخر، رهانٌ مستدام يطرح، في العمق، مآزق اللغة العربية الفصيحة وعلاقتها بالأصل القرآني، (لسان قريش)، باعتبارها ليست محكية في حاضرنا بل هي لغة الكتابة التي، من نافل القول، إنها تواجه مآزق جمّة.
تحيل جهود جبران مسعود، بشكل موازٍ أيضاً إلى تلك الانشغالات بالتراث الأدبيّ العربيّ النهضويّ. ونعني، مثالاً حصراً، أعمال بطرس البستاني (1819-1883)، ناقل الإنجيل إلى العربية من لغته الأصلية وصاحب الأثر الشهير دائرة المعارف التي عرّفها بقوله «إنها قاموس عام لكل فنّ ومطلب». وقد صدر منها في حياته ستة أجزاء، وصدر منها بعد وفاته خمسة أجزاء، وهو صاحب أول معجم عصريّ للضّاد، «معجم محيط المحيط». الإحالة هنا، لا تعكس، بطبيعة الحال، منزعاً مقارناً بين المجهودين إذ يؤخذ بالاعتبار فارق الوقت وأسئلة التفكير المتاحة وفروقات ذاتية وموضوعية جمّة ليس أقلها تراكيب الثقافة وطبيعة عمليات التثاقف بين زمنين. بل نقول إنّ الإحالة الذهنية البدهيّة إلى البستاني ربما تنبع من سمات مشتركة بين المجهودين، لعل أبرزها إتاحة التراث العربي عموماً والأدبي/ اللغوي تحديداً على نحو مبوّب تسهيليّ له سمة الشمول والحداثة ويجهد في أن يلائم تشريطات المعاصرة ثقافياً وأكاديمياً من دون أن يفتئت في الوقت نفسه على مناخات التراث الأصيلة.
من نافلة القول إنّ ثلاثة آلاف صفحة في ثمانية مجلّدات، باشتمالها على مختلف أعلام الشعراء وفنون القول فضلاً عن اللغويين والنقاد وأبواب علوم الفصاحة والبيان وسوى ذلك..، لا تحيط بمجمل آثار العرب الأدبية، إذ إن المطموس فقط من المخطوطات والكتب والتراجم التي تُخبرنا الفهارس عناوينها، هو قدر ضخم من العلم والثقافة قد يفوق حتى الوارد إلينا. يعطينا هذا تصوّرات واضحة حول المشاكل الجدية الراهنة للمهتمين بالثقافة في التعامل أو الرؤية إلى تراث ضخم بهذا الحجم. في حين تسعف مدوّنة مسعود، بالضرورة، الأكاديميين والباحثين والطلّاب، بدرجة أولى، في الرجوع إلى هذا العمل للإفادة منه. إنه بهذا الإخراج وأسلوب الشروح المعجميّة والهوامش ذو مغزى تيسيريّ أيضاً. التيسير، هنا، يسلّط الضوء على مشاكل المدوّنات التراثيّة القديمة الضخمة بطبعاتها المكرورة التي تكاد تستعصي على سلوك سبيل لشريحة واسعة من الجمهورالعربي القارئ الذي يبدو، بتأثيرات الحداثة التقنوية منفصلاً عن هموم إقامة أرضية مفهومية مشتركة مع هذا التراث. إن تلك المدوّنات، تقترب من حدّ كونها، حكراً على حفظة التراث الجامدين بسبب انشغالاتهم الثبوتية حصراً بلغة النصّ. زد على ذلك إنّها تفتقد سمات أخرى منها الجاذبية الهيكلية للمنتج القرائيّ الادبيّ الحديث إذ تظل تعكس في العمق وفي أذهان المقبلين، ذلك الماضي المتباطئ الذي لا يناسب مزاجات المتلقّي.

مجازفة؟
نقول، إذاً، وفي إطار كهذا، إن «أنطولوجيا» جبران مسعود، تغدو، بهذا المعنى، نوعاً من أنواع المجازفة إذ لا ينفذ الشعر العربيّ وتلك النثريات البليغة، بتلك السهولة، بدءاً من الجاهليّ وصولاً إلى العباسيّ والأندلسيّ في مجمل مزاجات المتلقي العربي الحاضر. يعود ذلك لانزياحات مفاهيمية في ميادين كثيرة ليست هذه المساحة مجال بحثها. تكفي الإشارة إلى مشكلة كون هذه النقليات ذاتَ نبر متعالٍ مغاير، وهي تُخضِعُ نفسها، مراراً وتكراراً، لاختباراتٍ بدهية أو قصدية. اختباراتٌ من قبيل قدرتها على الإقامة الراسخة في البنية الذوقية لهذا المتلقّي. البنية الذوقية التي تجد صعوبة في إدراج هذه الفصاحة السحرية داخل أسئلة التثاقف اليومي المدينيّ المعاصر التي هي أسئلة تهدف في العمق إلى التفاعل مع اللغة باعتبارها منتجاً سيّالاً متجدّداً لا يفترض به أن يقيم في الثبات.
وإلى ذلك، فإنّ عمل مسعود، يحيلنا بدرجةٍ، إلى كلّ الأسئلة التفكيرية التي تخصّ التراث. نقصد الأسئلة التي أعيدَ طرحُها في العقود الأخيرة على العقل العربيّ. نذكر مثلاً لا حصراً جدالات أدونيس في مفاهيم الثبات والتحّول (الثابت والمتحوّل، 4 أجزاء)، وقيمة إعادة طرح التراث جَمالياً وإقامة عمليات مقارنة بين بعض شذراته وبعض تيارات المعاصرة، فضلاً عن الإحالات الأدونيسية المفترضة على حداثة مفترضة للعرب في ذورة الحضارة (العصر العباسي). على أنّ الثبات عند مسعود، هو في الإحالة إلى فكرة كون هذه اللغة، لغة النصّ، هي، إلى مآزقها، داخلة بالضرورة في سؤال المُعاصرة. نعني سؤال المغزى المعرفيّ الراهن وسُبل تفتيح تلك الجماليات على النقد الحديث. محاولات طرح التراث، بهذا الشكل، لا تخرج، في الظاهر، عن كونها ثباتاً أيضاً وتستدرج، في العمق، حاجة التراث الذاتية إلى التعاطي مع تحوّلات العقل والذوق العربيّين. نتكلّم عن ذوقٍ ما فتئ محافظاً، في غالبه، ولا يزال مرتهناً لآيات التقديس وهو يستقبل البلاغة بدرجة فائقة من التقريظ باعتبارها نسيجَ المقدّس العربي الاول. ويستدرج طرح التراث، على هذا النحو، كل تلك التفكيرات التي تسعى حثيثاً لاستخراج الحداثيّ من قلب التراثيّ. أو لاستخراج الحداثيّ بتفتيح التراثيّ على ذوق الحداثة. نتكلّم عن الحاجة إلى ذوقية بلاغية متجدّدة يحسن بالأعمال والانطولوجيات التي يُعاد طرحها على المتلقي أن تحيل إليها تصديراً أو ابتكاراً بطريقة أو بأخرى.

حداثة الذوق
عملياً، لا يكون الحديث، في نتيجته، عن عملٍ بحجم هذه الانطولوجيا إلا استدراجاً مبطّناً لكل التمفصلات والتعليقات الجدليّة على هذا التراث جمالياً ومعرفيّاً. راهن الرؤية إلى هذا التراث تفرض على المتلقي أخذ مجمل التشكيكات النسبية بهذا التراث. تكمن أهمية هذا الجانب في تأثيرها، المعرفيّ أوّلاً والذّوقيّ تالياً، على المتلقي لناحية نوعية التفاعل مع هذا الشعر التراثيّ أو ذاك الشاعر ومع هذا النثر أو ذاك الناثر. في هذا السياق، تكون تأثيرات النهضة والحداثة وما بعد الحداثة على أيّ منتَج من هذا النوع جذريّة وحاسمة في تحوير الذوق الثقافي الأدبيّ وفي تبيان أو تظهير التشابكات الخفية بين هذا الذوق من جهة وبين التراث من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال ليس التعاطي الذوقيّ نقدياً مع شعر قيل في العصر العبّاسي أو في ما يُسمّى «الجاهليّة» بالدرجة والمستوى نفسهما ما قبل طروحاتِ طه حسين في كتابه الإشكالي التشكيكيّ (في الشعر الجاهليّ) وما بعد هذه الطروحات. وليست النظرة إلى التراث الصوفيّ، مثالاً لا حصراً، (وهو مدرج ببعض إعلامه في الموسوعة) هو ذاته قبل دراسات أدونيس (كتاب الصوفية والسوريالية تحديداً) وما بعدها. نتكلّم، إذن، عن حداثة ذوقية حيويّة من المفترض أنها سوف تمارِس، بالضرورة، على منتَج من هذا النوع سلطتها. إنّها السلطة التي تفرض تحوّلات تحتية على كل ثباتٍ ظاهريّ. في هذا الحيز، تفترق موسوعات كهذه، بالضرورة، ومن خلال منحاها ومنهجيتها، عن كل المحركات والهواجس المفاهيمية الاولى التي بها بوشرت مجمل المحاولات العربية الاولى في تأليف وتجميع وتدوين الشعر والنثر العربيين (حماسة الطائي/ أصمعيات الأصمعيّ/ مفضليات المفضّل الضبي/ أغاني الأصفهاني/ مؤلفات أبي عثمان الجاحظ..)، إذ إنّ تلك الإنجازات الحضارية الأولى لم تكن، بحال من الأحوال، إلا النتاج الطبيعي اليوميّ الهويّاتي الذي يوازي ويلائم مجمل حاجات الامبرطورية العربية في الاستجابة لمتطلبات تلك الحقب التأسيسيّة الأولى.

مآزق
في المجمل، يضعنا شغلُ جبران مسعود الأدبي واللغويّ عموماً، لا سيّما معجم الرائد الذي نال جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان (1965)، نقول يضعنا مجدّداً أمام الأسئلة الكبرى التي تتصّل بواقع الرؤية إلى لغة العرب لا سيما رهاناتها الحاضرة ومجالاتها المستقبلية في ما بعد الحداثة. ولا نتحدث عن الأسئلة الاسترجاعية التي سيقت وكثر الجدل حولها في حقبة التجديد الشعري (الستينيات والسبعينيات) وما رافقها من جدليات حول سبل إدخال هذا اللسان في المعاصرة بل نتحدث تحديداً عن أسئلة تجذّر الجدل في ما يتصّل بالتجديد المعجميّ. ونقصد الانخراط الحقيقي الملموس والعملانيّ في ورشات دورية لتزخيم المعجم بألفاظ معرّبة تلائم هذا الانفلاش المفهومي المصطلحيّ الراهن في الثقافة والعلوم والتقنية. نتحدّث تحديداً عن معايير تتجاوز تلك التي تواضعت عليها مجامع اللغة العربية التقليدية إذ لا تزال معايير هذه المجاميع ملزمة ضمنياً بتقريراتٍ يشوبها رقيبُ التصنيم والتقديس الذاتيّ تارة ويشتمل عليها، طوراً، البطء البيروقراطي المؤسسيّ. المسألة تتجاوز، أيضاً، كل المحاولات الفردية المعجمية الاشتقاقية في هذا الإطار، على أهميتها وحيويتها. إننا نحتاج في العمق إلى تأسيسأت دولتية تربوية تفتتح هذه الورشات وتكون وثيقة الصلة بمناهج الدراسة جيلاً بعد جيل. إنه شغل يدفع في العمق إلى إعادة تكوين علاقة حديثة باللغة العربية تكون تفاعلية أكثر وحاضرة ويومية وتستثمر ذاتها واشتقاقاتها في العقل التقني الذي يغزو المساحات الافتراضية والواقعية العربية من خارج دوائر الثقافة التقليدية.

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …