الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / الشاعر المغربي عندما تفوق قوة الصورة البسيطة على أي نموذج يقصد انعكاسها !

الشاعر المغربي عندما تفوق قوة الصورة البسيطة على أي نموذج يقصد انعكاسها !

شادية حامد

شعرية من مدى آخر طاعنة في البهاء.. شعرية روح تنهمل نبلا، وأثر يستقطب الوقار، كيفما سرى، وحيثما سار، يفوح من دواته: طيبُ ترياق إذا مسّدته الأبجدية على كلومها، اخضرّت عساليجها وأزهرت أعذاقاً مذللّة من سحر الكلام، يذود عن لاعج صبابته، بمداده المُمَسَّك بخلاصات من فراديس المعنى، فَيْكَرُ، تُفشي عن تبصُّرِه: قصيدته الموشحة بزبرجد الأسر: أسر بين يدي عاشقة لا خلاص لرؤاه من مفاتنها…. اللغة!
شاعر تعتكف عند حرفه العجائب سُجَّداً، بانتظار دورها، كلما مسَّ جبينَها نداهُ، أدركت بمحوِها ما (هرقه فوق الأرض من قوارير المعنى).
هذا الشاعر المتدلي من مدارج عُلى، المتبرج بوميض من سموات الخيال ابتكر له عالمَه المتفرد، مستقصياً في مفازاته الشاسعة عن اقتناص بديع الرؤى، ناحِتاً قدودَها بأهلَّة الفتنة، وتراكيب الجمال.
عالَم يكتنز بالشعر، وبالاستعارات الباذخة والصور المدهشة والتأليف العجيب، بصناعة بالغة الدقة، أين منها صناعة كيميائي منهمك في تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب.
«عالم مقلوب» يكشف من خلاله عن شعرية لا تخلو من التغريب موقناً أن ما يمنح الفن معناه هي قدرته على إسقاط الألفة عن الأشياء، بهدف تغريبها محضراً إياها بطريقة جديدة غير متوقعة ومحققاً هدف الفن السامي بنقل الأحاسيس الموقظة لإدراك الجماليات.
إبداع يقلب من خلاله كل معايير الواقع رأساً على عقب فيجعل من الثابت متحولا، ومن السلبي إيجابيا، ومن الجامد حيّا، حتى الفوضوي يصبح منتظما.
تحولاتٌ سواء في واقعه المتخيل أم في اللغة التي يصممها، عادة ما تتجلى كمتماثلة أو ذات اتجاهين، فتراه يؤنسن المدن يجعلها تقشعر ويبعثها حية ترزق، ويُبكي الطرقات. ويخلق للحجارة مشاعر:
ما للمدينة تضرب كفاً بكف
حين اغرورق الطريق
يئن الحجر وفي ورق الكروم يدنو هديل الحريق
ساكنا يحرك المنازل والقبور، يجعلها تمر من أمامه، يغير اتجاهات سيرها كما يحلو له، ويشوش أزمنة التقويم جاعلا من أنظمة الكون والطبيعة لعبته، بانزياحات بصرية سمعية ودلالية تحتفظ بإخلاصها للجمالية ولأناقة الأسلوب. مكرسا لِجاجاً قصية للشعرية الأوكسيمورونية (الإرداف الخلفي) كانعكاس حقيقي لرؤى حداثية عدمية إيمانا منه ألا حقيقة مطلقة لأي شيء إنما نسبية منوطة بفروقات التلقي والتقدير. كيف لا وهو دائم الترديد أن أعلى مراتب الحقيقة، الكذب.
بنطلحة كمفكر صاحب موسوعية نادرة، ومعرفة خصيبة وكيميائي وفيزيائي قصيد ومهندس معماري للورقة وكاتب محو وماحٍ بالمعنى، كل هذا قبل كونه شاعرا حداثيا، لا يتوقف في نصوصه عند نظام القيم الماضي الثابت المترسخ، إنما دائم الزعزعة لدواخلها كلما قدح شرارة عبقريته:
عما قليل، سوف تتحرك المنازل
والحانات
والقبور
نحو ماضِ سحيق، لا قرار له
ولم يسبق له مثيل
ألم ترَ البخار؟
ألم تسمع الصفير؟
المنازل والحانات والقبور الثابتة هي التي سوف تتحرك، في المستقبل القريب لكن بنطلحة يوجهها كما يروق له، نحو ماض قلما يوجد له مثيل لقد جعل مما نراه في عملية بسيطة مألوفة كاستقلال القطار، ظاهرة مغايرة غير مألوفة بواسطة خرق التلقائية، أو ما يسمى باللاآلية، متدخلا في أنظمة الكون قالبا للاتجاهات والأزمان والأمكنة بلمسة سريالية من عالمه المرئي أو المتخيل، يقلب معايير الملموس والمحسوس يغيَّر اتجاه الحركة، يقلب اتجاه الزمان فيصير المكان هو الذي يتحرك باتجاه الزمان ليجد المتلقي نفسه أمام زمان ثابت ومكان متحرك. قد يبدو المشهد للقارئ العادي عبارة عن كارثة طبيعية، زلزال أو وصف ليوم الحشر، حيث تصير البحار بخاراً ويعلو الصفير أي الصيحة، لكن عين القارئ المتمرس حتما ستفكك التشفير لتدرك أن المبدع المتفرد قد حوّل مشهدا مألوفاً إلى حالة لافتة للدهشة وأرخى على الواقع جماليات لا يمكن تجاهلها،
أليس هذا ما يرمي إليه الشعر؟ يضع مرآته (المقلوبة) أمام العالم ويقتنص له صورة يجمدها ليضمن عدم سقوطه في ثرثرة الوصف، إيمانا منه بأن قوة الصورة البسيطة في الواقع أقوى من أي وصف يحاول الإخلاص لانعكاسها.
لا غرو، فغالــــبا ما تنتـــــمي قصائد بنطلحة إلى الـ (POETIC ARS) أو الشعر في مرآة ذاته فهو يدوّن انشغال شعره بشعره، وبكل ما يتعلق به من مخاض وكتابة ورؤى، يتوجه من خلاله نحو ذاته وفنه مؤثثا إياه بكل ما يتعلق بالعملية الإبداعية كدوافع الكتابة، التقنيات المواضيع متناولا ذاته أكثر من باقي المواضيع وقد لا يلتقي بالكائنات، إنما بصور أثيرية تطفو على سطح وعيه بأسمائها أو إشاراتها اللغوية، كل ذلك من ابتكار أفكاره وتداعيات خياله فيمنح نفسه فرصة جمع الأسماء والناس والأشياء والأحداث مستخدما تقنيات بلاغية ( كالإرداف الخلفي) (والإرداف المختلف) وهو إرداف يلحق بالفعل مركب من كلمتين مختلفتين
حين أدلجت بي ( الوهاد، والرؤى)
الوهاد = ملموس/ الرؤى = مطلق
الوهاد هي التي تمر به بدل أن يمر بها ؟ لقد خلق بواسطة هذا الارداف المختلف-
– تناقضا منطقيا
– شدة وقع دلالي
– بالإضافة إلى تشويش بصري
صحيح أن مرور الوهاد بمثابة أنسنة لها لكن انضمام الرؤى لهذا الموكب يقلب بين وظائف الواقع الثابت والواقع المتحرك ويشوش المنطق:
«نحن نمشي بعينين مغمضتين
ومن تحتنا الغيم
من تحتنا سفن تبحر
من قمم الهملايا
بنا
ثم ترسو.
أو من خلال النصوص الميتاشعرية كما في النص الآتي:
«اطفئ يديك
واطفئ الألفاظ
قد كذب النحاة علي، منذ بداية التاريخ
فادن الآن
واجلس هاهنا
تحت العظام هنيهة
ثم من خلال تغيير المحاور الدياكتيكية ها هنا، الآن
«حجر ها هنا
وهنا عشتروت
فمن قلبه حجر
ومن لا يموت؟
وعرَض الظواهر بواسطة متناقضاتها «في مقبرة ولدت وفي حانة أموت»، حتى عناوين الدواوين: «أخسر السماء وأربح الأرض»، «الجسر والهاوية»، «قليلا أكثر»، «غيمة أو حجر»، فإن بنطلحة يحضرها بصورة مبتكرة لها أسلوبها المتفرد مازجا – بقوة التضاد الأوكسيموروني- الكون وكائناته في خريطة جغرافية حديثة للكلمات على الورق:
«لا بأس أن تختل نفطة ارتكاز الأرض كي أبحث
في خريطة الرفض
عن المدار
والحقيقة
هنا سَفر الأشياء يمتد في دواخلي بين نطفتين:
نطفة الردى
ونطفة الخليقة.
ما الفرق؟
لا فرق إذن، وانما هو بصيص شبهة
أو أنه فقط سديم
أو متاه.
هذا الشاعر الرحالة الذي لا يكف عن السفر يدعونا للتجدد عبر سفره السريالي في عالم الفكر والشعر، للترحال في عوالم الكون، ما بين العالم المادي والمفازات اللانهائية لعالم الروح الممتد إلى ما بعد الحياة. ولن يصعب على شاعر العناصر الأربعة (النار الهواء التراب الماء) وهو المتمكن من أدواته ألا يبعث القصيدة المعاصرة من برزخها، وهو الذي يمتح من آبار لا قرار لها في الخيال، سواء بتنافر الأزمنة أو الفجوات البصرية، بالحوارات المنطقية واللغوية، بالتضادات أو بالمشاهد المدهشة اللامفسرة، كيف لا وهي معجونة في مختبره الفيزيائي تعج بالرموز الهندسية والفراغات والمسطحات والدوائر والكسور:
«خذ بيتين مكسورين
برجا مائلا
غزلا آشوريا
وموسيقى فراغ هندسي هائل
(دم فوق المائدة
خيط من السماء
عينان بين الماء والناء
وتحت النافذة
دواة
وماندولين
الباب موارب
وخلف الباب جؤذر لم يجئ
لا من الصحراء
ولا من الغابة
جاء من ثغرة في السرد)
ماذا لدينا هنا؟
مائدة = مربع مستطيل
عينان= دائرة
نافذة = مربع
دواة= دائرة
ماندولين= بيضاوي
باب = مستطيل
موارب= مائل
صحراء= مسطح
غابة = كثيف .
إنها عملية تجريد للكائنات والطبيعة بتقنية حداثية، ثم هذا الدمج بين الأشكال الهندسية في القصيدة، كفيل بأن يخلق لها انطباعا عصريا حديثا مصبوغا بألوان الاغتراب واللاإنسانية، حيث تجرّد الأشياء دون حجب ماهيتها مستعينة بالصمت المعبر والإضاءة على البؤرة التكثيف واختزال الكلمات، إضافة إلى استخدام سلم ألوان مختصر للأبيض والأسود والأحمر، حِيَل من شأنها أن تمنح الصور تعبيرا قويا، وتجعل من المألوف غريبا. وللحقيقة: فما هو هدف المبدع إن لم يكن إزالة الوشاح السميك والمسمى «عادة « ثم نزعه عن النظر وإلباسه لغزية مبهرة؟
باختصار شديد، فإنّ محمد بنطلحة، وهو يسعى لخلق هذه المدارج الشعرية الرفيعة، يتحلى بحساسية الكائن ورؤيته للعالم، بفلسفته وعتاده الذي منه «النبال والحبال والأقواس والعين الذكية»، ناهيك عن البصمة الخاصة والإيقاع المختلف.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …