متابعات ثقافية و فنية

المأساتان الأرمينية والفلسطينية على شاشة السينما… ما بين التأريخ والواقع

سليمان الشيخ

مجازر وتهجير طالت كل من الأرمن والفلسطينيين، والأجيال التي نجت عاشت هذا الشتات حتى الآن. المقارنة بين الحالتين ليست بالبعيدة، ومن خلال التناول السينمائي لهما نجد أن هذه القضايا الشائكة لا يمكن أن تموت. ما بين أجيال جديدة تتوارث حكي ما حدث، وما بين الحفاظ على لقطات أرشيفية تكشف أهوال الوقائع، بل ويمكن إعادة إنتاجها من خلال عمل سينمائي جديد، أو عدة أعمال تعيد إنتاج التاريخ وتجعله دوماً يتنفس اللحظة الآنية.

إحنا المصريين الأرمن

«أنا مصرية 100٪ وأرمنية 100٪ إزاي معرفش بس مفيش مستحيل في الحساب أكيد هيخترعوا لها معادلة وتدى النتيجة دي». كان هذا كلام إحدى المصريات الأرمن، بينما يقول آخر «بيقولولي يا خواجة، بسيهبهم .. ماشي أنا خواجة بس أنا عارف نفسي كويس أنا مصري من جوه من قلبي، احنا مصريين واحنا أرمن مش أرمن بس ولا مصريين بس إحنا المصريين الأرمن».
(إحنا المصريين الأرمن) عنوان فيلم وثائقي مصري، يحكي عن مأساة الهجرة التي عاشها الشعب الأرميني قبل وبعد عام 1915. لتبدو مشكلة المجازر والتهجير التي وقعت للأرمن في المناطق التي كانوا يعيشون فيها في تركيا، حيث طرد مئات الآلاف من هذا الشعب وتوزعوا على بلاد الشام والعراق ومصر وغيرها. وروى أفراد من الجيل الثاني والثالث والرابع ممن واكبوا وعايشوا أعدادا من جيل المأساة الأول عن الجرائم والمآسي والموت المجاني على الطرق، والنجاة من الموت، التي تمت بشق الأنفس. جاء الفيلم في 90 دقيقة، وشخصياته أغلبهم من أجيال متلاحقة من نساء ورجال من الأرمن. حاول الفيلم قدر الإمكان الانتصار لقضية هؤلاء، سواء بالمشاركة في العرض بعدة مهرجانات سينمائية، والحصول على جوائز، وبالتالي التفاعل الأكثر من جمهور متنوّع، تعاطف مع القضية وضحاياها حتى الآن. يذكر أن الفيلم اشترك في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وكان الإقبال الشديد على حضور حفلاته محل نظر ولفتا للانتباه. فهذه القضايا لن تموت أو تنتهي. الفيلم من إخراج: وحيد صبحي، إيفا دادريان، وحنان عزت، كتب السيناريو: إيفا دادريان، حنان عزت، تصوير ومونتاج: وحيد صبحي، تعليق صوتي: شنودة فهمي، واشترك في الإنتاج: وحيد صبحي، حنان عزت، وشريف مندور.

فلسطين وأرشيفها السينمائي

إذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن المأساة الأرمينية تستدعي التذكير بالمأساة الفلسطينية التي بدأت وقائعها تسجل قبل وبعد عام 1948، أو لنقل منذ وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني عام 1917، لإقامة «وطن قومي لليهود في فلسطين»، لتستمر المآسي بعد ذلك.

مشروع قيس الزبيدي

في مبادرة مهمة من قِبل المخرج السينمائي قيس الزبيدي، الذي التفت إلى ما يمكن أن تحتويه أرشيفات الأفلام السينمائية عن فلسطين وتاريخها وجغرافيتها وشعبها وقضيتها، ليؤرخ ويجمع لذاكرة قد تنمحي وتزول، خصوصا أن القوات الصهيونية أثناء غزوها للبنان عام 1982 صادرت الإرشيف الفلسطيني الذي كان قائما في مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، وقد تجمع لقيس الزبيدي وبمساعدة عشرات المتطوعين نحو 800 فيلم احتواها كتاب «فلسطين في السينما» الذي صدر من مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، وأتى على ذكر الأفلام التي أصبحت جزءا من تاريخ وواقع الذاكرة الفلسطينية، بأفلام يعود أقدمها إلى عام 1911، أي في زمن الدولة العثمانية، وصولا إلى أفلام تم إنتاجها وإخراجها عام 2005، ومدة عرض الأفلام الموزعة بين التسجيلي والتوثيقي والروائي، ومدة عرضها تتراوح بين ثلاث دقائق و 200 دقيقة.

محاولات الحفاظ على الذاكرة

لا شك أن بقايا من جيل النكبة الفلسطيني الأول ما زال على قيد الحياة، وذاكراته ما زالت تحتوي الكثير من الوقائع المهمة التي يمكن الاستفادة منها في السينما أو في غيرها، كما وقائع النكبة التي سجلتها أقلام نابهة عبرية وعربية وعالمية، وأي مبدع حقيقي في أي مجال يمكنه الاستفادة منها، وتكوين أي مشروع خلاق قصصيا أو روائيا أو شعريا أو سينمائيا أو مسرحيا، وغير ذلك من مجالات الإبداع. هذا الكم الهائل من الأفلام التي أخرجها مخرجون فلسطينيون وعرب آخرون وأجانب، فيها الجيد ومتوسط الجودة، واكبت أحداثا ووقائع وشخصيات مهمة في التاريخ الفلسطيني والعربي، إلا أن ذلك أخشى أن أقول إنه أصبح من الماضي، كون الثقافة والإبداع السينمائي أصبحا في أدنى سلم الاهتمامات والتوجهات لدى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الأخرى، إنه زمن الانحسار الثقافي والتخفف من أحمال ثقافة واكبت الفعل السياسي وسبقته ولحقته وبشرت بما هو آت، وكان فيها مكونات إبداعية مهمة في جميع المجالات، إلا أن الواقع الجديد منذ سنوات يشير إلى ركود تراجعت معه الاهتمامات بمكونات الإبداع العديدة، نظرا للحالة السياسية المتردية التي نعيشها منذ عقود.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة