الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / ‘الدفتر الكبير’ .. الحرب بين هَمَجيةِ الكبار ودَعابة الصغار

‘الدفتر الكبير’ .. الحرب بين هَمَجيةِ الكبار ودَعابة الصغار

كه يلان مُحَمَد
بالتوازى مع الحروب التي داهمت واقع الإنسان في كل العصور نشأت الأدبيات التي تُسجلُ المحن والمآسي التي يُخلفها الصراعُ بين المُتحاربين، وتنقلُ واقعاً مُتخماً بالموتِ والدمار والإحباط الإنساني. ولعل الرواية من أكثر الأجناس الأدبية اهتماماً

برصد آثار الحرب على المستويين المادي والمعنوي لدى الكائن الإنساني إذ تسود في مُناخ الحرب نزعة عدوانية وتتسربُ رغبة حيوانية للقتل وتصفية المقابل إلى مجاهل نفسية كل فردِ بحيثُ يكون القتل متعة وحيدة لدي الإنسان يختبرها في زمن الحرب.

كَثُرت الأعمال الروائية التي تتناول عواقب الحرب على الأصعدة كافةً وتستشرفُ ملامح الحياة التي تبدأُ بعدما تضع الحرب أوزارها.

وتنزلُ رواية “الدفتر الكبير” للكاتبة الهنغارية أغوتا كريستوف من منشورات الجمل 2013 ضمن المؤلفات التي عرفت بأدب الحرب، إذ تستمدُ صاحبة (الأمية) مادة عملها من تجربتها الشخصية فهي ذاقت آلام الإغتراب المكاني والروحي وشاهدت أهوال الإحتلالات لبلدها هنغاريا التي كانت واقعة في أتون المعارك الدائرة بين الشيوعية والنازية خلال الحرب العالمية الثانية.

تتقصى الكاتبة في عملها تداعيات الحرب كما تُشَخصُ مَظاهر الإنحراف والتَشَوهات التي تغزو المُجتمعات، فهي بدلاً من أن تُسند مهمة سرد الأحداث إلى مُحارب أو جندى آثرت عرض مادتها الروائية من منظور طفلين سيظلان بدون الإسم كما لا تَذكرُ أسماء شخصيات أخرى كأن بالكتابة أرادت بذلك الإيماءة بأن في ظل أجواء الحرب ينسلخ الإنسان عن ذاتيته وتختفي هويته.

• بَساطة مُعبرةَ

يتصفُ أسلوب الكاتبة بالرشاقة وسرعة الإنتقال بين الأحداث وتوظيف لغة ناعمة خالية من التعقيد كما أن العمل موزع بين أربعة وستين قسماً في كل قسم يتم تصوير موقف دون أن يكون هناك حشو في الوصف أو حوارات مُطولة بل غالباً ما تتفتحُ الكاتبة على لسان الطفلين التوأم المُشار إليهما بضمير المُتكلمين المشهد بالحديث عن الجو أو تقديم شخصية جديدة أو تحديد حالة أو موقف ومن ثُمَّ يبدأُ الحوار إذ بدلاً من الإتكال الكلي على الراوي لسرد الوقائع تلجأُ المؤلفة إلى استخدام تقنية الحوار ما يوفر ميزة الترابط لبنية العمل ناهيك عن دور الحوار في التخلص من الجمود وطغيان صوت واحد.

إضافة إلى ذلك فإن اللغة تختزنُ طاقة تصويرية وذلك ما يدركه المتلقي في المقطع الذي يبدأُ به التوأمُ بوصف بيت الجدة وموقعه في المدينة الصغيرة، إذ ذاك تكون حال المتلقي كحال من يتابعُ مشاهد سينمائية مُرفقة بصوت مُعلق.

تستهلُ الروايةُ بعودة الابنة إلى أمها لكي تودع ابنيها التوأم إلى امرإة عجوز بعدما تصل الفاقة بالابنة إلى حد لا تستطيع إعالة ولديها كما أن ازدياد المخطار في المدينة الكبيرة عامل آخر وراء قرار الابنة بأن تعهد برعاية التوأم إلى الجدة. من هنا ينطلقُ السردُ وطوال الرواية لا ينفصل الأخوان بل يتجاهلان من يخاطب أحدهما دون الآخر.

تتسم تصرفات الجدة بالقسوة والغلاظة مع الطفلين، فهى عرفت بالمشعوذة، هربت الابنة من المدينة الصغيرة بعدما عرفت بأن العجوز سممت والدها، يتأقلم التوأم مع البيئة الجديدة ويستطلعان لإكتشاف أوجه الحياة بحلوها ومرها كما يشاركان الجدة في العمل والصيد، فضلاً عن ذلك يواصلان الدراسة مستفدين من معجم والدهما لمعرفة المزيد من الكلمات والمُصطلحات وتكون علية البيت مكاناً للحفاظ على أغراضهما الخاصة بما فيها “الدفتر الكبير” الذي يحتوي على يوميات التوأم، إذ يقوم الإثنان بانتحال شخصيات مختلفة من الأصم إلى الأعمى والمتسول هذا بجانب تقديم العروض البهلوانية والمسرحيات في الساحات وإحياء الحفلات في الحانات.

وفي الوقت نفسه يزودهما خورى المدينة الصغيرة بالكُتب ولاينقطعان عن القراءة يستغربُ القسُ عندما يخبره الاثنان بأنهما قد أطلعا على الكتاب المُقدس، أسئلة الطفلين عن السبب وراء إقتياد الأسرى وإهانة كرامتهم الإنسانية تكشفُ أن في الحربِ تغيب خصوصيات المرحلة العمرية ويكون الإطفال مثل الكبار يختبرون قساوة الظروف، غير أن ما لا يتخلى عنه الطفلُ هو روحية الدعابة والخفة في سلوكياتهم.

• كثافة المشهد

تبتعدُ صاحبة “الكذبة الثالثة” عن الإسهاب إذ تُعولُ على المشهدية لإبانة الحالات الإنسانية ويكون هذا الأسلوب أكثر وضوحا في تعامل أهل المدينة مع الفتاة الملقبة بخطم الأرنب إذ يستغلها الجميع بمن فيهم القسُ كما أنَّ محاولات الطفلين لتعلم لغة الضابط الذي يسكن بين الجدة من خلال معجم يأخذانه من الأخير إشارة إلى وجود الإحتلال. ويكتسب هذا الموقف دلالة أعمق عندما يغادرُ العسكري البيت وينصح التوأم بضرورة إتقان لغة القادم الجديد.

هكذا تضعك الكاتبة أمام مشاهد نابضة وتُقنعك بأنَّ لا وجود للفرق بين المحتلين حتى لو اختلفت شعاراتهم إذ ما أن يطأُ محتل جديد المدينة حتى تنتشر الفوضى ويبدأ الجنودُ بإغتضاب النساء والتنكيل بهنَّ إذ تذهب خطم الأرنب ضحية وحشية غريزتهم وتطلب الأم من التوأم إحراق منزلها لأن الأخيرة معاقة لا تتحمل الحياة دون مساعدة ابنتها.

غير أنه مقابل هذه الصور العبثية يوجد ما يُحافظ على وجود الأمل وذلك يتمثلُ في مبادرة الطفلين لدفن بندقية يعثران عليها ما يوحي بوجود إرادة لإنهاء الحرب. ضفْ إلى ذلك رغبة التوأم لمد يد العون إلى الفتاة التعيسة، وعدم تخليهما عن الجدة عندما عادت الأمُ وألحت على مُغادرتهما للمدينة.

لا تخلو الرواية من الطابع النسوي إذ يتجلى هذا الأمر في إنتقاد النساء للرجال بدورهم الكبير في إيقاد نار الحرب، كما ترى إشارات في تضاعيف العمل تشي بأن الإنسان لا يتوقف بحثه عن مصادر المُتعة في الحياة بل بعض رغبات المرء تحتد أكثر في زمن الحرب.

قد لا تتبين قيمة هذا العمل في بداية احتكاك به غير أن بمتابعة فصوله المتتالية تُدرك مغزى الرواية والرسالة التي أرادت أنّ توصلها مؤلفتها.

تنتهي الرواية بفراق الأخوين أحدهما يُغادرُ المدينة والأخير يظل في بيت الجدة، تموت الأم في الحرب والوالد خلال عبور الحدود ينفجر به اللغم، والجدة تموت في زمن الإحتلال الثاني.

هنا الطفلان يرمزان إلى جيل عاش في ظل الحرب ولا يستبعد ان يكون شاهداً على حرب أخرى.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …