الرئيسية / إضاءات / التضخّم الثقافي وتعويم المفاهيم

التضخّم الثقافي وتعويم المفاهيم

خيري منصور

قد يبدو هذا العنوان للوهلة الأولى وكأنه مستعار من المعجم الاقتصادي، لكنه من صميم الثقافة ومراوحتها بين المدّ والجزر، وبين التراكم المعرفي والرؤى البانورامية، التي يتبلور فيها الوعي المفارق للسائد، وما أعنيه بالتضخم الثقافي هو إلى حدّ ما كما عبّر عنه الشاعر الراحل أنسي الحاج في أحد مقالاته سرطنة العافية، وما عبر عنه من قبل المتنبي حين فرّق بين الشحم والورم.
وما تقدمه دور النشر التي تناسلت في الأعوام الأخيرة على نحو أميبي ودونما احتكام إلى معايير، إضافة إلى ما أتاحته وسائل التواصل من الكتابات على اختلاف مجالاتها يبدو في ظاهره ازدهارا وثراء معرفيا، لكنه ما أن يتعرض إلى هزّة غربال من طراز غربال ميخائيل نعيمة حتى تتضح فيه نسبة الزؤان.
التضحم في الثقافة إفراز لا ينقطع وأحيانا هو نزيف في حاجة إلى إيقاف وضماد، خصوصا في غياب حراك نقدي، يسعى إلى تحصين الحدّ الأدنى من الجماليات، فالحبل الآن على الغارب وبمقدور بضعة ملايين أن يكتبوا ما يتصورون أنه شعر، لمجرد أن يبعثروا السطور بأطوال متفاوتة، أو أن يكتبوا روايات من مئات الصفحات ليس لها من اسمها أو تصنيفها الفني كنوع أدبي أي نصيب، لأنها أقرب إلى سير ذاتية فجة، أو سرديات خطابية ينوب فيها ضمير الغائب عن ضمير المتكلم شكليا وليس تبعا لتقنية ذات مغزى كالتي تحدث عنها ميشيل بوتور.
وإذا كان كل تضخم يفضي إلى التعويم بالضرورة فإن ما يجري تعويمه الآن ليس عملات ثقافية، بل مفاهيم ومنظومة مصطلحات لها تاريخها وسياقاتها، والمقابل الثقافي لتدني القوة الشرائية للعملات، هو تدني منسوب الكشف والإبداع، بحيث تصبح «البعارة» بديل القطف، ومصطلح «البعارة» كما يستخدمه الفلاحون العرب يتلخص في أن هناك من يرقبون مواسم القطاف عن كثب، وعند انتهائها يتوجهون لالتقاط ما تبقى وما عفّ عنه القاطفون، ولو شئنا استذكار أمثلة من تعويم المفاهيم والمصطلحات، فإن لدينا منها ما يصعب إحصاؤه بأي حاسوب، بدءا من مفهوم الكتابة الذي تراجع حتى أصبح لدى البعض مجرد تدوين، وليس انتهاء بمفهوم الإبداع الذي أصبح إعادة إنتاج ووقع حافر على الحافر وأحيانا أصبح سطوا مسلحا بذريعة واهية حذف الفاصل بين التناصّ والتلاصّ.
ولكي لا يكون رصدنا لهذه الظاهرة مبتورا وبدءا من حرف الياء وليس الألف علينا أن نعود ولو قليلا إلى حصة الثقافة العربية من نظم القطاع العام، فالتعويم بدأ من هناك، من عشرات الآلاف من الكتب التي تطبع وتنشر وفق معايير إيديولوجية تكون الأفضلية فيها لمنتسب الحزب أو لعضو القبيلة، التي ارتدت قناعا مدنيا، وهناك ناشرون اعترفوا في أكثر من مناسبة بأن آلاف النسخ من الكتب المتراكمة في المخازن تحولت إلى أطباق ورقية مقواة للبيض، أو أغلفة لعلب الحلوى والبسكويت.
وهذه مناسبة لطرح سؤال مؤجل عن عدد من الأسماء التي اختفت بعد زوال مجلات وصحف كانت أبواقا لأحزاب أو منظمات، وكأن هناك أدبا محكوما بصلاحية زمنية كالمعلبات الغذائية، ما أن تنتهي حتى يجري إعدامها وإتلافها.
وقد ساهمت النظم الشمولية وشبه الشمولية في تنفير العربي من القراءة، كما تساهم بعض الفضائيات الآن في إفزاعه من الفضاء كله، وما كان لأزمة الثقة أن تتفاقم على هذا النحو لولا أن عقودا من نظم أوتوقراطية وثيوقراطية سعت إلى إعطاب البوصلات، وتعويم منظومة المفاهيم والقيم، وأحلت الولاء الأعمى مكان الكفاءة، وكان لها دور البطولة في تهجير أدمغة عانت من الحَجْر الفكري إلى مختلف القارات والمنافي، وهناك إحصاءات في هذا السياق قد تبدو صادمة وكارثية لمن استخفوا بها، كما أن أعلمة الثقافة، أي ربط عربتها بخيول الإعلام حولها إلى واجهات وتنافس كمّي، وكأن الهدف في النهاية هو تحويل مهنة الكتابة إلى هواية مباحة لمن يشاء، ما دام المسكوت عنه والمحظور الاقتراب منه خارج المدار.
ولم يتوقف التضخم أو سرطنة العافية عند الأدب بأنواعه، بل تسلل أيضا إلى الفنون، وأصبح بمقدور من كان يخجل من الغناء في الحمام أن يغني على مسمع من الملايين، لأنه يُرى ولا يسمع بفضل الفيديوهات والقرائن المصاحبة للصوت، التي تخفيه كما لو كان عورة. ومن اختزلوا الديمقراطية من مفهوم تاريخي وثقافي وإنتاجي بالغ التعقيد، إلى حرية بلا حدود لقول أي شيء أو الاستخفاف بكل شيء قد يسارعون إلى وصف من يرفعون أيديهم احتجاجا على ما يجري ثقافيا وفنيا بأنهم اتباعيون ومضادون للإبداع، وهم بذلك يشبهون ذلك الروسي الذي سخر من بوشكين وأمسك برأس ماياكوفسكي قائلا له تقيأ كل ما قرأته من شعر روسي، ثم انتهى إلى مؤلف لكتب متخصصة في وصفات الطبخ وسخرت منه ربات البيوت في موسكو.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …