متابعات ثقافية و فنية

دولاب العمر

ابراهيم داوود

قبل عدة شهور، جمعني موعد في أحد مطاعم وسط البلد، مع الفنان جميل شفيق، للاتفاق على كتاب تصدره “هيئة الكتاب” عنه، وهي الفكرة التي كان قد اقترحها الصديق أحمد مجاهد رئيس الهيئة السابق، وأسند مهمة إخراجها إلى خالد سرور.
وبدأ الرجل في جمع أعماله، واتفقنا على لقاء لمناقشة التصور النهائى للكتاب. بدأ الفنان الكبير في فتح دولاب عمره، ووضعنا فى حالة سحرية وهو يعرض علينا صورا من أعماله، تبدأ من عام 1957 حتى التي لم تعرض بعد. الكتاب المنشود تمّ تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء، الأول الاسكتشات، التي تظهر من خلاله مهارات جميل في التقاط الوجوه والبيوت والأحزان ورشاقة ريشته وروحه، مئات من الومضات الشجية والحريفة التي تؤرخ للفنان وزمنه. الجزء الثاني هو الخاص بالأعمال التي تعرّف عشاق الفنان عليه من خلالها، وهي لوحات الأبيض والأسود، التي جعلت منه شيخ طريقة في الرسم، تعتمد على مواهبه الفطرية والموسيقية التي صقلتها دراسته الأكاديمية “خريج فنون جميلة 1962″، يجمع بين السوريالية والميتافيزيقية والتعبيرية والواقعية، ويمشي تحت غلالة صوفية شفافة، تؤكد أن الرجل الذي ولد بجوار السيد البدوي فى طنطا سنة 1938، يحمل بداخله أشواق الدلتا وأحزانها، ويقدم للرسم شيئا مختلفا وطازجا.
مفرداته بسيطة لدرجة مربكة، يغزلها بالأبيض والأسود، السمكة تقوم بدور البطولة في معظم أعماله، هي أول صيد ظفر به الإنسان بيديه العاريتين، وجعلها التراث الإنساني رمزا للرزق والخير والخصوبة والجنس. وتقول الأسطورة إن السيد المسيح أطعم بسمكة واحدة آلاف الجياع الواقفين على الشاطئ، ستجد المرأة والقطط والأحصنة والجاموس وراقصات خرجن من الخيالات الأولى، ستجد موسيقى منسابة مع الخطوط الدقيقة، في كل عمل مفاجأة، ورغم متابعتي لهذه المرحلة منذ معرضه الأول “الذي افتتحه نجيب محفوظ 1989″، شعرت بجهل شديد، لأنني اكتشفت أنني أمام مشروع عملاق من الرقة والإخلاص والموهبة، يجب أن يتعرف إليه الجميع، الراحل الكبير بيكار كتب عن جميل شفيق “يقدم للنفوس المستعدة البساط السحري الذي يقودها إلى عوالم لا تخطر على بال، إنها رحلة “سندرلية” تغري المشاهد على الالتصاق بمفردات اللوحة ومحاولة الاقتراب من مغزاها الأسطوري، فيصاب بنوع من النشوة والغيبوبة الشبيهة بأحلام اليقظة، حتى إذا ما حاول تعرية هذه الرموز الباطنية من عبقها السحري فشلت جهوده واستسلم للإملاءات العاطفية التي لا تقاوم، والتي يفرضها نسيج اللوحة في غير ما حاجة إلى تأويل ولا تفصيل”.
الجزء الثالث الذى أطلعنا عليه هو منحوتات طرح البحر، التي شاركته الطبيعة فى صياغتها، ظل لسنوات يجمعها من الشاطئ ليصنع منها أعمالا لا يقدر عليها غير الأطفال والمتصوفة، جميل شفيق الذي عرفته عن قرب مع أساتذتي وأصدقائي نجيب محفوظ وحجازي الرسام وبهجت عثمان وفؤاد قاعود وسيد خميس وأصلان والبساطي رحمة الله عليهم جميعا وأنا فى أول العمر والذي سافرت معه كثيرا خارج مصر، ويطربني صوته الشجي وتكون وسط البلد فرحانة عندما يطل عليها وهو في القاهرة، رحل أمس عليه رحمة الله.(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق