الرئيسية / مسرح موسيقى / حياة زوجية تتحدّى الخيال

حياة زوجية تتحدّى الخيال

يسري حسان

في مسرحية «قبل الإفطار» التي كتبها الأميركي يوجين أونيل أوائل القرن العشرين، نجد أنفسنا أمام رجل وامرأته. الرجل شاعر وفنان لكنه لا يجد عملاً مناسباً، والزوجة تعمل في مهنة بسيطة، والدخل لا يفي متطلبات الحياة. تقوم الزوجة بإعداد وجبة الإفطار من بقايا خبز وزبد وقهوة، هي آخر ما تبقى في البيت، تظل تضغط على الزوج وتذكره بأنه رجل بلا جدوى، وبأنها تعبت وفاض بها الكيل. تظلّ تضغط، إلى أن ينتحر الزوج شنقاً.
في مسرحية «اسمع يا عبدالسميع»، التي كتبها المغربي عبدالكريم برشيد بعد مضي نحو مئة عام على كتابة «قبل الإفطار»، يضعنا المؤلف أمام زوج وزوجة أيضاً، هو مخترع وصاحب خيال وحكيم ولا عمل لديه يتكسب منه، والزوجة لديها متطلبات مشروعة، وتظل تضغط إلى أن يهرب تاركاً لها الجمل بما حمل. لم ينتحر الزوج، لكنه اختفى ولم يعد له من أثر. الفكرة واحدة إذاً، والهم واحد، والنتيجة متشابهة، كل حسب ثقافته والمجتمع الذي يتوجه إليه، لكنّ نص برشيد سعى إلى تعميق المأساة وجعلها أكثر ملاءمة لواقعنا العربي، وجنح، في إطار مسرحه الاحتفالي إلى معالجة مزج فيها بين الكوميديا والتراجيديا، مُمرراً أفكاراً وتساؤلات، وتاركاً نصه مفتوحاً، وكذلك دائرياً، ينتهي من حيث يبدأ، ويبدأ من حيث ينتهي، وكأنها الحياة في استمرارها على النهج نفسه الذي يصبح فيه كل صاحب خيال غريباً عن مجتمعه، مبعداً، إما بالهروب في حالة برشيد، أو بالانتحار في حالة أونيل.
إطار خارجي
«اسمع يا عبدالسميع»، مسرحية عُرضت أخيراً في القاهرة، من إنتاج البيت الفني للمسرح وإخراج دنيا النشار في أولى تجاربها الإخراجية، وقام بتمثيلها شادي سرور ونيفين رفعت، بينما تولى الديكور فيها وائل عبدالله. تدور القصة حول عبدالسميع الذي يهرب من واقعه، متوسلاً بطفولته. وحتى لو لم تكن تلك الطفولة سعيدة، فهي في الأقل أخف وطأة من واقع خشن يواجه فيه كل من يفكر أو يتساءل أو يختلف، وكل من يسعى – في مجاله – إلى شق مجرى يخصه، عنتاً وضغطاً شديدين من مجتمعه، وربما من أقرب الناس إليه. هذا ما يطرحه نص عبدالكريم برشيد كإطار خارجي، عليك أن تتجاوزه أو تنفذ من خلاله إلى ما هو أعمق وأشد وطأة، وبخاصة عندما تضع في خلفيتك واقعنا العربي، وهو نص موغل في الشعرية ويحتمل تأويلات عدة. وقد تتطلّب هذه التأويلات حساسية خاصة عند التعامل معه تدرك أن جوهره لا يكمن فقط في سطوره المدوَّنة على الورق، بل إن ما بين السطور أو ما لا تظهره النظرة المتعجلة هو الأكثر جوهرية وحملاً للدلالات، والمهم كيف نلتقطه كمفاتيح للدخول إلى هذا العالم الرمزي المتشابك تتيح لنا فك شفراته وتفجير ألغامه المبثوثة في ثناياه.
«الشك حياة واليقين موت»، هي واحدة من مقولات عبدالسميع. إنه رجل مغترب عن واقعه، يبدو مثل دونكيشوت الذي يحارب طواحين الهواء، بل إنه اخترع- للمصادفة- طاحونة تولّد الكهرباء في حين أن بيته بلا كهرباء أساساً، واخترع كثيراً من الدمى التي يجيد التعامل معها عوضاً عن تعامله مع البشر من حوله. طموحه لا حدود له وإن لم يناسب ظروفه والمتاح له من إمكانات. أما الزوجة واسمها الخامسة، وهو ترتيبها بين أخواتها الإناث، فهي كثيرة الإلحاح على متطلبات الحياة من مسكن وزينة وأولاد. الصراع مع زوجها هنا هو إطار أو هامش لطرح قضية من يفكر في واقع أدنى من الخيال بكثير، واغترابه بالتالي عن هذا الواقع، أو حتى هروبه تماماً، وإن ظلّت صورته منطبعة على كل الوجوه من حول زوجته باعتبار أنّ الكل هنا هو عبدالسميع. لا ينحاز النص إلى طرف على حساب الآخر، فكل له منطقه وظروفه وطبيعة تكوينه وأحلامه ومتطلباته، ثم إن الهدف ليس الانحياز مع أو ضد أحد طرفي الصراع، بقدر ما هو السعي إلى توليد دلالات ناشئة عن ذلك الصراع.
لجأت المخرجة دنيا النشار، إلى قاعة لتقديم عرضها مبتعدة من مسرح- العلبة الإيطالي الذي لا يتوافق وطبيعة النص المنتمي إلى المسرح الاحتفالي، الذي يسعى عبدالكريم برشيد إلى تأصيله في واقعنا المسرحي العربي، على أن اختيار القاعة لم يكن سوى أمر شكلي حيث لم يوفق مصمم الديكور وائل عبدالله في صياغة القاعة وتوظيفها لتناسب العرض وطبيعته وأجواءه، الأمر الذي جعل المشاهد- رغم وجوده في قاعة- يبقى في إطار مسرح العلبة، حيث الجمهور في مواجهة الخشبة، فضلاً عن أن من في الأطراف عانى من عدم الإلمام بالمشهد كاملاً بسبب اختلال زوايا المنظور. وجاءت خطة الإضاءة مرتبكة فلم تعطنا تأثيراتها الواجبة وغابت في كثير من المشاهد عن الفعل.
ديكور العرض كان عبارة عن بيتٍ، المفترض بحسب النص أنه متهدم أو آيل للسقوط، لكننا لم نلمس أثراً لذلك، فقد اهتم مصمم الديكور بالجانب الجمالي على حساب الجانب الوظيفي ومساهمته في توصيل الحالة أو إشعار المشاهد بها. «الشك حياة، واليقين موت»، كما ذكر الكاتب على لسان «عبدالسميع»، لكنّ الأخير بدا في العرض كما لو كان مفرغاً وبرّانياً، ما يجعلك تنظر إليه بالسلب أو على الأقل تحتار في أمره. نعم، كان هناك بعض المشاهد الكوميدية التي تطلَّبت أن يكون عبدالسميع بهلواناً وبارعاً في الحيلة والتخفي، لكنها تركت أثرها على أداء شادي سرور، في مشاهد أخرى لا تتطلب البهلوانية، احتاجت أداءً أكثر عمقاً ورصانة وأقل خفة.
تكمن المشكلة الرئيسة في العرض في أنه بدا كما لو كان شذرات من نص برشيد التقطت عشوائياً من دون تأمل عميق للنص المشحون بالدلالات. لا مانع بالتأكيد من العمل على النص واختزاله بخاصة في حالة نص كهذا، لكن ذلك يتطلب مهارة خاصة في التعامل معه لاصطياد كل ما هو جوهري لخدمة العرض وتقديم رؤية مخرجته التي جاءت هنا عابرة ولم تلمس الأغوار في عمقها. نص برشيد، يقابل فيه «عبدالسميع» كلاً من الشنفري وتأبط شراً وأحمد فؤاد نجم وسواهم. يحمل ذلك من دلالات تدعم فكرة العمق والتشابك وتثير الأسئلة، ولكن تمَّ استبعاده لمصلحة الحكاية- الإطار.
لم تشبعنا المخرجة في عرض «اسمع يا عبدالسميع»، على مستوى الصور والأفكار.
لقد لامَسَت النص الأصلي بخفة غير محتملة، أو في الأقل لم تكن منتظرة مع نص دسم ومتشابك، وربما ملغز وإشكالي في بعض طروحاته.

(الحياة)

شاهد أيضاً

تحية إلى بعلبك من معهد العالم العربي في باريس

رندة تقي الدين ستضاف معهد العالم العربي في باريس، ليل الجمعة- السبت، أمسية غنائية وشعرية …