متابعات ثقافية و فنية

الشتات الثقافي السوري يبلغ أوج ازدهاره في «الأوطان الجديدة»

مها حسن

تصف نشرات الأخبار العام 2016 بالعام الأسود، فهو غلبت عليه الأحداث الدموية والكوارث والحروب. لكنّ هذا الوصف لا ينطبق على المشهد الثقافي السوري لهذا العام. فعلى رغم الحرب الضارية التي يشهدها معظم المدن السورية، لم يتوقف المشهد الثقافي السوري عن ضخّ كميات مهمّة من المنجز الإبداعي.
شهدت الرواية السورية هذا العام تدفقاً لافتاً، فخرجت روايات لكل من خالد خليفة «الموت عمل شاق»، جان دوست «نواقيس روما»، روزا ياسين حسن «الذين مسّهم السحر»، سمر يزبك «المشّاءة»، فيصل خرتش «دوّار الموت ما بين حلب والرقة»، خليل صويلح «اختبار الندم»، مها حسن «مترو حلب»، ديمة ونوس «الخائفون»، إبراهيم الجبين «عين الشرق»، إسلام أبو شكير «زجاج مطحون»… وقد تكون هذه السنة هي الأكثر غزارة على صعيد الرواية السورية منذ خمس سنوات. ثمة أسماء تأخرت عن النشر خلال هذه السنوات، وكأنها كانت تنتظر اختمار مشروعها الروائي الذي تحقّق هذه السنة.
أما حصّة الشعر فكانت أقل من الرواية، بحيث صدر بعض العناوين، مثل «التي سكنت البيت قبلي» لرشا عمران، و «حدث ذات مرة في حلب» لمحمد فؤاد… وعلى صعيد الكتب الوثائقية، جمع ياسين حاج صالح وحرّر كتاب سميرة الخليل ونشره بعنوان: «يوميات الحصار في دوما»، وأصدر جولان حاجي «إلى أن قامت الحرب».
وفي سياقٍ آخر، شهدت معارض الكتب العربية حضوراً لافتاً للكتّاب السوريين، الذين احتفوا بصدور كتبهم، وأقام بعضهم حفلات توقيع لإصداراتهم الجديدة، واحتضنت بيروت هذا الحراك الثقافي للسوريين المقيمين فيها، أو القادمين إليها من دمشق ومن عواصم عربية وأوروبية أخرى.
واللافت أيضاً استمرار عمل دور النشر السورية، على رغم صعوبات الحرب وخروج معظمها من سورية، وانتقال مقراتها إلى لبنان أو مصر أو غيرهما. فهي تابعت عملها بحيوية وزوّدت المشهد الثقافي بكتابات لأسماء معروفة وأخرى جديدة تنشر للمرة الأولى. ومن هذه الدور، دار الرحبة التي أصدرت كتاب «ظل الغروب» لأميرة حويجة عن تجربة اعتقالها في الثمانينات. ومن الإصدارات المهمة، تلك التي تقوم بها دار المواطنة، وتحرص على النشر في ثلاثة محاور: المواطنة، التربية المدنية، شهادات سورية لشباب عايشوا سنوات الجمر وكتبوا عنها، وصدر منها أكثر من عشرين شهادة، مثل: «قنديل أم هاشم المفقود» لعدي الزعبي، و «الموت كما لو كان خردة» لوداد نبي، و «مذ لم أمت» لرامي العاشق.
شهد المسرح السوري كذلك حراكاً ملحوظاً هذا العام. وبعضها تجارب قام بها أصحابها للمرة الأولى، بحيث قدمت الممثلة مي سكاف مثلاً عرضاً مسرحياً (في مسرح مسكيم غوركي في برلين)، لفت أنظار الصحافة الغربية. وقام الشاعر فادي جومر بكتابة نصّ بالمحكية السورية، من قصص كليلة ودمنة، تمت مسرحته وعرضه في مهرجان أكس أنبروفانس في فرنسا. وفي الإمارات العربية المتحدة، اشتغل المسرحي عروة الأحمد على عملين مسرحيين، «نايلون» و «هو الحب».
ومن جهة أخرى، احتضنت مدينة كولونيا الألمانية مهرجاناً شعرياً سورياً للمرة الأولى، سُمي بمهرجان القصيدة السورية الأول، شارك فيه عشرون شاعراً وشاعرة من سورية. وفي المدينة ذاتها تم تنظيم عدد من المعارض التشكيلية، أحدها بعنوان «سوريا: الفن والهروب»، إضافة الى صدور مجلات وصحف ومواقع تهتم بالشأن السوري، منها جريدة «أبواب» التي تصدر في ألمانيا.
ويلاحظ من كل هذا الزخم الثقافي، أن غالبية الصادرات والنشاطات الثقافية (كتب وسينما ومسرح وتشكيل)، تجرى خارح سورية، ويكاد النشاط الوحيد اللافت داخل سورية، هو معرض دمشق للكتاب، الذي توقف لمدة خمس سنوات، قبل أن يُعاد إطلاقه هذا العام، وإن غابت عنه أسماء مهمة (كتّاب ودور نشر) بما وصفته وسائل الإعلام بمقاطعة المعرض.
من هنا يمكن القول إنّ الحراك الثقافي الحقيقي يبدو من خارج سورية، في أوروبا أو في دول الجوار مثل لبنان الذي شهد ملتقيات أدبية شارك فيها كتّاب سوريون، أو ندوات تابعة لمعرضي الكتاب العربي والفرنكوفوني.
وأيضاً، قام المركز الثقافي السوري الدنماركي، حيث يشغل الشاعر السوري جان بيت خورتو منصب نائب المدير، بأنشطة كثيرة، من عروض سينمائية وندوات أدبية ولقاءات مع كتاب سوريين مع الجمهور الدنماركي، فاستقبل نوري الجراح وابراهيم الجبين وعبد الله مكسور وغيرهم…
إذاً، بعد أن يقرأ أحدنا حجم هذه النشاطات التي تحدث خارج سورية، ينتابنا الإحساس وكأن سورية صارت في الخارج، كأن الثقافة السورية الآن هي تلك الموجودة خارج سورية، بخاصة بعد مغادرة أهم شخصياتها الثقافية إلى أوروبا. فكأنّ وصف الثقافة السورية اليوم، هي الثقافة في المهجر، أو الثقافة في بلاد الشتات.
ومن المؤسف، أن يكون كل هذا الحراك الثقافي قائماً على جهود فردية لأشخاص يؤدون مهام ثقافية كبرى، من دون وجود مؤسسة ترعى النتاج الثقافي وتدعمه وتطوّره. وزارة الثقافة في سورية، تكاد تكون فقدت مشروعيتها في ظل غياب كبير لأسماء المثقفين السوريين، أما التجمعات الثقافية التي أحدثها كتّاب لديهم مواقف من النظام، ويُحسبون على المعارضة، فهي أيضاً لا ترتقي إلى مستوى المؤسسة الفاعلة، ولا يُذكر لها نشاطات مهمة، ما عدا لقاءات صغيرة ينظمها شخص أو اثنان، من دون أن تحظى بالوجود في المشهد الثقافي السوري. أما وزارة الثقافة التابعة لحكومة المعارضة، فيكاد يكون أداؤها إغاثياً، يتعلق بمسائل التربية والتعليم، مع غياب كلّي لأي نشاط ثقافي حقيقي يستجمع طاقات المثقفين السوريين الذين صار معظمهم خارج سورية.
وأخيراً لا بدّ من التنويه بخسارات تعرّض لها المشهد الثقافي، وهو يودع أسماء مميزة في تاريخ الكتابة السورية، بحيث توفي هذا العام كل من ياسين رفاعية، ومطاع الصفدي، وصادق جلال العظم.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق