متابعات ثقافية و فنية

نقد العقل المسحور

عواد علي

هل بمقدور الأديب أن يناقش مفكّراً أو فيلسوفاً، أو أكاديمياً متخصصاً في الفكر والفلسفة والاجتماع، حول قضايا فكرية وسياسية إشكالية؟ سألت نفسي هذا السؤال وأنا أنوي الكتابة عن أطروحات المفكر صادق جلال العظم، التي وردت في حوار “الجديد” معه، فوجدت أن بمقدوري مناقشته، في ما يخص بعض القضايا التي أرى نفسي مطّلعاً عليها، وربما الاختلاف معه، إن أمكن، في سياق ثقافتي العامة. وقد فضلت أن أجمل ملاحظاتي في النقاط الآتية:
1 – يعرض مُحاوِر المفكر صادق جلال العظم، في تقديمه للحوار، أطروحة العظم، التي قدّمها في محاضرة له بمدينة فايمر الألمانية لمناسبة نيله ميدالية معهد غوته. تقول الأطروحة “ليس للدولة دين، الدين للناس، لأن الدولة مجموعة من المؤسسات الخالية من الإحساسات الأساسية والضرورية للوازع الديني، في حين أن الدين يسكن الكائن الذي يشعر ويحس وله عواطف وقلب وهو بطبيعة الحال الإنسان”.

هذه الأطروحة، التي أكّدها أيضاً عدد من المفكرين التنويريين والنقديين العرب، مثل نصر حامد أبو زيد، تلخّص، بالتأكيد، مفهوم “العَلمانية”، التي يؤمن بها العظم، وتقوم على الفصل بين الدين والدولة، بمعنى عدم ممارسة الدولة أيّ سلطة دينية، وعدم ممارسة الكنيسة والجامع والمعبد أيّ سلطة سياسية أيضاً؛ لأن السماح بذلك يعني فسح المجال لرجال الدين ووعاظه لاستغلال المبادئ والقيم الدينية لإشباع حاجاتهم ومصالحهم الخاصة، وتوظيفها في المجال السياسي والاقتصادي وغيرهما. وهي، أي العلمانية، وليدة النزعة الإنسانية، ومبدأ المواطنة، وركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية الحقيقية، ولا تُشكّل موقفاً مضاداً للدين، بل تقف على الحياد منه، وتجسّد شعار “الدين لله والوطن للجميع″، حيث أن وظيفة الدولة تتجه إلى الاهتمام بالشؤون الدنيوية وليس بالشؤون الأخروية، وتسعى إلى تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاه في الحياة.

وإذا وظّفت السياسة الدين أفقدته روحانيته وسموّه وتعاليه وبُعده التربوي والأخلاقي، والدين إذا فرض شريعته على السياسة قيّدها ونزع عنها مرونتها وطابعها الإجرائي والوظيفي. تتفق في ذلك الماركسية والرأسمالية، أو الليبرالية. ولا شكّ في أنها تتعارض مع شعار “الإسلام دين ودولة”، بمعنى “الحاكمية لله وحده”، الذي ترفعه الحركات السياسية الإسلاموية أو المتأسلمة، رغم ظهور تيار تلفيقي يدعو إلى “عَلمانية إسلامية”، بينما هو في الحقيقة “ضرب ماكر ممّا يسمى بالانتهازية” يهدف إلى جر البسطاء من الجمهور وإغرائهم بتأييده والتصويت له في الانتخابات لا أكثر ولا أقل.

في ضوء ذلك، أتفق تماماً مع العظم في قوله إن “الخلط بين الدين والدولة يؤدي إلى ما حصل في العراق، مثلاً، وذلك عند سقوط واضمحلال مؤسسات الدولة التي أصبحت تُسيّر بمشاعر أشخاص من السُنّة أو الشيعة وغير ذلك”. وأضيف أن الأمر لم يقف عند حد تسيير المشاعر المذهبية لأمور الدولة، بل تعدّاه إلى استغلال هذه المشاعر في خداع المواطنين، من كلا المذهبين، للاستئثار بالمناصب الحكومية، ونهب ثروات الدولة، وتسويغ الفساد الإداري والمالي الذي نخر بنية العراق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولعلّ شعار “باسم الدين، أو باسم المذهب سرقنا اللصوص” الذي رفعه بعض المشاركين في الحركة الاحتجاجية خير دليل على الخلط بين الدين والدولة. وبناءً على ذلك فإن الحديث عن الديمقراطية في العراق من دون علمانية هو ضحك على الذقون، وتكريس لسياسة معاداة حقوق الإنسان مهما كانت التبريرات أو التعليلات.

2 – يقول العظم، في معرض إجابته عن سؤال حول كتابه “نقد الفكر الديني”، إن الكتاب “سريعاً ما تحوّل إلى فضيحة أدبية وفكرية كبيرة لأنه تناول المقدس والطابو وكل ما هو محرّم بشكل واضح وصريح من دون تورية، ومن دون الاختباء وراء التعبيرات المطاطة التي اشتهرت بها اللغة العربية”. وأرى أن نعت الكتاب بأنه “فضيحة” تنقّص من قدره، وربما خان التعبير العظم، أو أن المحاور لم يكن أميناً في نقل الفكرة، فالصحيح أنه فضح الفكر الديني السائد، المغلق، و”كسر الأعراف وتقاليد الكتابة المعروفة في ذلك الوقت” (وقت صدور الكتاب عام 1969)، كما عبّر في سياق إجابته. ولذلك وُوجه الكتاب بهجوم شديد من طرف المتشددين، ليس أقله إحالة العظم، ومعه ناشر الكتاب إلى المحاكم، ودخوله إلى السجن فترةً قصيرةً، وكذلك اتهام بعضهم له بالإلحاد والترويج لفكر يهودي متآمر على الإسلام كما في رد الشيخ الدمشقي عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني عليه في كتابه “صراع مع الملاحدة حتى العظم”، وبأنه “يحلم بإمكانية القضاء على الإسلام” كما جاء في الكتاب المسجوع “البرهان اليقيني للرد على كتاب نقد الفكر الديني” للأزهري جابر حمزة فراج، وغيرهما من الكتب. إضافةً إلى تعرّض العظم لموجة من الشتم والتحريض من طرف الأئمة في خطب الجمعة بالمساجد.

لكن يبدو لي أن ثمة تناقضاً بين ما واجهه العظم من حرب شعواء شُنّت ضده على نطاق واسع وبين قوله إن صدمة هزيمة حزيران 1967 أفسحت في المجال لعهد جديد من النقاش والنقد وتحليل ما حدث، فأصبح التصريح والقول مباحين خلافاً لما كان في السابق محرّماً وممنوعاً، وأصبح المتلقي بعد الهزيمة مقبلاً ومنفتحاً على التقبل والإصغاء لخطاب جديد يفسّر له ما آلت إليه الدول العربية، وهو الأمر الذي كان غير ممكن في السابق.
3 – يؤكد العظم على وجود عقلية سحرية في السياسات العربية الرسمية، منذ هزيمة 1948، انتهجت فكر الممنوع والمحرَّم تجاه أيّ محاولة للتقرب من كل ما يمثل أو ينتج الكيان الصهيوني، فأيّ كتاب يمسّ هذا الموضوع ممنوع، واسم إسرائيل يُحذف أو يُمحى من القواميس والمعاجم باللغات الأجنبية. وكان يراد بهذه العقلية تنحية ومسح هذا العدو وهذا الكيان بعدم تسميته، حيث يُعتقد بأن كل إشارة إليه أو ذكره لغوياً هو نوع من الاعتراف بوجوده وتقبّله. ومن ثم فإن محو الاسم هو محاولة لتعمية الواقع.

تذكّرني هذه المسألة بطقس سحري كان يمارسه المصريون القدماء، وهو حرق أسماء أعدائهم اعتقاداً منهم بأن هؤلاء الأعداء سيحترقون أيضاً. ويذكر جورج كونتينو في كتابه “الحياة اليومية في بابل وآشور” أن هؤلاء المصريين شاركوا البابليين في نظرتهم هذه، فاعتقدوا بأن اسم أيّ شيء يشاركه في طبيعته الأساسية، كما يتضح في عبارة “لم أمت ولم يمت اسمي” التي وردت في كتاب “الموتى” الفرعوني.

وهكذا فإن محاولة صادق جلال العظم، مع عدد من المثقفين العرب، عقب هزيمة حزيران، كسر وتجاوز هذه العقلية السحرية، أو الثقافة السخيفة، والتعمية الممنهجة على الشعوب العربية، تُعدّ في غاية الأهمية، رغم اعترافه بأن الإنكار الكامل للكيان الصهيوني من طرف الذات العربية على نفسها هو حالة طبيعية عندما تدخل الجماعات البشرية في حالة الصدمات القوية أو غيرها، مفسّراً ذلك بأنه محاولة للحفاظ على نوع من التوازن بعد الصدمة؛ فالرفض أسهل من الاعتراف. وهذا يحدث كثيراً مع المرضى على مستوى الأشخاص. وتكمن أهمية هذه الحركة التنويرية للنخبة المتعلمة والسياسية من الشعوب العربية في أن أول شرط لمواجهة العدو هو معرفته وفهم وضعه وما يمثّله فهماً صحيحاً.

وفي هذا السياق يربط العظم بين “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، وهو عنوان كتابه، الصادر عام 1968، و”نقد الفكر الديني” لتفسير محاولته إيجاد إجابة واقعية علمية للأسباب الحقيقية التي أدّت إلى هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي، وإزاحة الإجابات الغيبية التي ترجعها إلى نوع من القدر المسلّط علينا كعرب، والذي يُفسّر بكونه قوةً خارقةً خارجةً عن إرادتنا كبشر، وكذلك الإجابات التي تحيلها إلى مؤامرة خارجية صهيونية إمبريالية.

لا شك في أن للعظم دوراً إبيستمولوجياً مهمّاً في ما يتعلق بالمصطلحات الخاصة بالمواجهة بين العرب وإسرائيل، حينما أكد على أن ما حدث عام 1948 و1967 كان “هزيمةً” وليس “نكبةً” أو “نكسةً”، لأن العرب مسؤولون عنه بسبب تخلّفهم وقصورهم وليس القدر أو المؤامرة. لكن رغم ذلك لا يزال الخطاب العربي (السياسي والإعلامي والثقافي) يستخدم بشكل واسع مصطلحي “النكبة” للإشارة إلى ما حدث عام 1948، و”النكسة” للإشارة إلى ما حدث عام 1967، مما يدل على أن تأثير محاولة العظم في تصحيح هذا الأمر ضعيف، وهو يقتصر على بعض من قرأ كتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” وتبنى تصحيحه، ولا أدري كم عدد الذين قرأوه حتى الآن.
4 – يعترف العظم بأنه لم يتوقع أن يُملأ الفراغ الذي نشأ عن هزيمة حزيران بتوجه ديني عنيف وأصولي، رغم أنه توقع في ذلك الوقت أنه سيُملأ بـ”الهروب الديني”. ويعزو توجه الحركات الدينية هذا التوجه العنيف إلى فشل ما يسميه بـ”العسكري” والدولة الوطنية في ميدان التربية، وغياب المعرفة العلمية في العالم العربي والمؤسسات المواكبة للعالم الحديث وأسسها، من بينها الديمقراطية والحريات، المؤسسة لدولة القانون. لكن ما يثير الاستغراب هنا استخدام العظم مصطلح “الراديكالية الجهادية” في وصفه للتوجه الديني العنيف بدلاً من مصطلح “الإرهاب” وكأن الأعمال الإرهابية ممارسة جهادية! وهو يبدو في ذلك كما لو أنه لا يختلف مع الخطاب الذي يتبناه أصحاب تلك الأعمال، وكذلك بعض المنابر الإعلامية الغربية والعربية، وأعني به الخطاب الذي يسمي “الإرهاب” “جهاداً”.
5 – في إجابته عن سؤال حول الفصل الذي خصّصه في كتابه “ذهنية التحريم”، الذي يحمل عنوان “الاستشراق معكوساً” لمناقشة أطروحات إدوارد سعيد حول الاستشراق، يؤكد ما ذهب إليه في ذلك الفصل وهو أن سعيداً لم يعرّف الشرق نفسه، ولم يقل له ما هي حقيقته، وإذا كان الغرب قد اخترع الشرق وشوّهه، فإنه، أي سعيد، لم يقدّم الصورة الصحيحة أو الأصلية غير المزيفّة لهذا الشرق، ولم يأت بشيء عن الغرب لم يقله الغرب عن نفسه، أو بمعرفة جديدة له من منظور غير غربي.

وأرى، من دون الدفاع عن إدوارد سعيد، أن هذه المؤاخذات قابلة للرد لأن أطروحة سعيد المركزية في كتابه هي نقد بعض المستشرقين الغربيين في كتاباتهم عن الشرق، وليس تقديم صورة بديلة أو معرفة مغايرة عما قدّموه. أما الجديد في الكتاب فهو المنهج الذي نظر سعيد من خلاله إلى الاستشراق، فقد حاول اكتناه هذا الحقل المنظم تنظيماً عالياً بوصفه “خطاباً” لتحديد هويته وفهمه، متأثراً بمنهج فوكو وحفرياته.

لكن مقابل ذلك أرى أن استنكار العظم لما ذهب إليه سعيد في تعظيم المستشرق الفرنسي ماسينيون ومديحه له صائب وفي محله! ذلك لأن هذا المستشرق لم يتخلّ في يوم من الأيام عن العقيدة الاستشراقية الأساسية، التي يهاجمها سعيد، والقائلة إن العالم ينشطر إلى شطرين غير متكافئين، بحيث يتّصف كل منهما بطبيعة جوهرية خاصة به.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق