متابعات ثقافية و فنية

سجن أصحاب الرأي واستمرار تداعي سلطة ثقافة المتن

 

محمد عبد الرحيم

يتواضع كل عام حال الثقافة المصرية عما قبله، وإن كانت ثقافة المتن ومؤسسات الدولة، التي ترعاها وترعى شخوصها وتدعمهم بكل طاقتها متمثلة في وزارة الثقافة ومسؤوليها، إلا أن صوت الهامش يبدو هو الأعمق. يبدو هذا في الأنشطة الثقافية والعروض المسرحية وبعض إصدارات دور النشر الخاصة.

من ناحية أخرى جاء هذا العام يحمل سُبّة حبس أصحاب الرأي، مخالفة للدستور، إلا أن السلطة الدينية والتجهيل الاجتماعي المقصود، ساعدا في تجاوز المواد الدستورية لصالح فئات تتحالف مع السلطة السياسية، كمحاولة لاستتباب أوضاع تحد من الحريات وتردع أصحابها وتجعل في سجنهم عبرة للآخرين. كذلك ملاحقة بعض دور النشر ومراكز النشاط الثقافي الخاصة، بل وصل الأمر إلى أن يتواجد رجال الأمن في الندوات لتسجيل محتواها ومراقبة الحضور. هذا العام أيضاً شهد غياب العديد من الوجوه التي أثرت في الثقافة والفن المصري من مفكرين وأدباء وفنانين. وفي ما يلي بعض من ملامح المناخ الثقافي المصري وحوادثه.

ما بين ازدراء الأديان وخدش الحياء العام

قبل نهاية العام الفائت بأيام قضت المحكمة بسجن الباحث في الشأن الإسلامي إسلام بحيري لمدة عام، وتم رفض النقض وتأييد الحكم بالسجن. كانت التهمة هي ازدراء الأديان، وهي حالة تم تصعيدها سريعاً للحد من أي رأي أو فكر يحاول الاقتراب من انتقاد التراث. هذا التراث الذي يرعاه الأزهر ورجاله، مهما يحوي من خزعبلات، فالأمر أولاً وأخيراً يمس سلطة كهنة الدين، وهو إشارة لأي شخص يحاول الاقتراب من تراثهم المتهافت، وبالأصح سلطتهم.
وفي السياق ذاته ــ الإرهاب الفكري ــ إذ تم سجن الكاتب أحمد ناجي لمدة سنتين، بتهمة خدش الحياء، عن فصل من روايته «استخدام الحياة» ولم يزل الرجل في السجن وينتظر قرار محكمة النقض. فالمسألة لا تتعلق بأحمد ناجي وعمله الأدبي، بل توضح إلى أي مدى أصبح الجنون هو سمة هذه الأيام، التي أقل ما توصف بأنها أيام العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. انتفض الكثيرون في الصحف ووسائل الإعلام المصرية والعالمية لهذه السابقة الخطيرة ــ لا صوت لوزارة الثقافة أو اتحاد الكُتاب المصريين ــ فالأمر تعدّى الشخص محل القضية، وأصبح أسلوب نظام الحُكم، الذي يستغل ويعمل على تجهيل المجتمع، ظناً منه أنه سيصبح في مأمن بادعاء وجه الفضيلة الزائف. ولاستمرار المسلسل الهزلي لخدش الحياء، قام أحد نواب البرلمان المصري في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بوصف نجيب محفوظ بأن أعماله خادشة للحياء، وقد ذكر النائب المصري أن «السكرية و«قصر الشوق فيهما خدش حياء، ونجيب محفوط يستحق العقاب بس محدش وقتها حرك الدعوى الجنائية». وجاء التصريح في معرض وقائع جلسة للجنة التشريعية في البرلمان، لمناقشة إلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر الخاصة بخدش الحياء.

الشعر يفضح مؤسسات الدولة

ورغم قيام العديد من المؤتمرات والندوات التي ترعاها الدولة مُمَثلة في وزارة ثقافتها، إلا أن (مؤتمر قصيدة النثر) كشف الكثير عن القصور الذي تحياه وزارة الثقافة والمحسوبين عليها من زمرة المثقفين، وهو ما تأكد عند قيام (الملتقى الدولي للشعر)، الذي عُرف بملتقى الاعتذارات، حيث اعتذر الكثير من الشعراء المصريين والعرب عن المشاركة، اعتراضاً على هيمنة الوجوه الشعرية المنتمية لجيل ستينيات القرن العشرين، التي تهيمن على الملتقى منذ دورته الأولى في 2007. وقد أصبحوا بدورهم سلطة تمنع وتمنح حسب هواها. لكن الشعراء والشعر أذكى، وتركوا لهم ملتقاهم، يجالسون تلامذتهم المخلصين، سواء في الجامعات أو الدوريات التابعة لوزارة الثقافة، التي يترأسها ويعمل فيها الكثير منهم، بحيث اقتصر الحضور في جلسات الملتقى إما على أصحاب الأبحاث ــ المكررة في معظمها ــ أو بعض من موظفي المجلس الأعلى للثقافة ــ مكان انعقاد المؤتمر ــ لتسجيل النشرة اليومية للملتقى ووقائعه.

إصدارات لافتة
«ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ»

رغم دور النشر المتعددة والزخم الروائي المسيطر على المشهد، إلا أن الشعر أيضاً كان هو الفارق «الشِّعر ابن حرام، لا يمنح صكوكه لأحد، لأنه ليس حكراً على أحد. الشِّعر حرّ، وحرّ هو الشِّعر، له أن يأمر فيطاع، ومن يطيعه سوى أبنائه المخلصين؟ هؤلاء الذين لا يتاجرون باسمه، حاملو مصابيحه في العتمات وسنوات المذلّة، هؤلاء المخلصون الذين ربما يمرّون وسط الزحام فلا يراهم أحد، لكنّهم دؤوبون، صبورون وعنيدون، يحفرون بأظافرهم العارية في أرضه، كلٌّ في بقعته، كلٌّ في وجعه الخاص، كلٌّ في عالمه، كلٌّ منهم يؤمن في قرارة نفسه بأنّ غايته ليست الكنوز المخبّأة في التربة، بل الاستمرار في الحفر، الحفر عميقاً، حتى لو نزفت الأظافر، حتى لو بُترت الأصابع، فسوف يستمرون – رغم ذلك – في الحفر». بهذه الافتتاحية يصدّر الشاعر المصري عماد فؤاد «أنطولوجيا قصيدة النثر المصرية» المعنونة بـ»ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ». وفؤاد هو الذي أعدها وحررها وقدّم لها، وتعد أول أنطولوجيا شاملة لقصيدة النثر المصرية، حيث ضمت قصائد لـ53 شاعراً وشاعرة من مصر، جميعهم من ثلاثة أجيال هي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وصدرت في 672 صفحة من القطع الكبير، عن «المكتب المصري للمطبوعات والنشر» في القاهرة، بالتعاون مع دار «منشورات الوردة» في بلجيكا، لم تكتف الأنطولوجيا برصد نصوص وقصائد الشعراء والشاعرات المختارين فقط، بل حرصت كذلك على أن يكون لكل شاعر من الشعراء المشاركين ملفاً كاملاً عنه، يضم عدداً من قصائده الأبرز، تليه قراءة في أحد أعماله، أو حوار معه، أو شهادة له، ويختتم بصفحة تعريفية بكل شاعر، تضم نبذة عنه وعن إصداراته الشعرية أو إسهاماته في مجال الترجمة إن كان من المشتغلين فيها.

«سطوة النَص.. خطاب
الأزهر وأزمة الحُكم»

تحاول الباحثة بسمة عبد العزيز في مؤلفها المعنون بـ «سطوة النص.. خطاب الأزهر وأزمة الحُكم» أن تتطرق إلى دور الأزهر كأهم مؤسسة دينية في مصر، من خلال مواقفه من الأحداث السياسية، ومدى تفاعله مع هذه الأحداث، ودرجة التواطؤ مع السلطة السياسية، واعتناق وجهة نظرها، ومحاولاته إقناع الجمهور بها، نظراً لأن الخطاب يستند إلى ما يوحي بالأساس الديني. صدر الكتاب عن دار صفصافة للنشر، في 296 صفحة من القطع الكبير.

«تهجير المؤنث»

في دراستها المعنونة بـ«تهجير المؤنث.. دراسة ثقافية عن التعديات على الجسد الأنثوي في المجال العام»، الصادرة عن دار آفاق للنشر والتوزيع في القاهرة في 112 صفحة من القطع المتوسط، تكشف الكاتبة نورا أمين عبر صفحات الكتاب عن مدى التسلط والتشوه الذي أصاب المجتمع المصري منذ سبعينيات القرن الفائت، وصولاً إلى حالات التحرش في مختلف درجاتها، التي أصبحت تتنفسها القاهرة في شكل اعتيادي، وكأنها أصبحت ضمن ثقافته وإحدى أدواته التعبيرية عن الوجود. «في الحقيقة، إن هذا العمل هو الأصل لكل ما كتبتُ، إنه يقبع في جذر هويتي كامرأة وككاتبة، فكل النصوص التي كتبتُها على مدار 21 عاماً تتجذر في الوقائع التي يستند إليها «تهجير المؤنث» إنها وقائع حياة طفلة تنمو في المجتمع المصري في السبعينيات من القرن العشرين لتدرك معنى الأنوثة في علاقتها بالانتهاك والتعدي، إنه الوعي الذي يتشكل بفعل عداء متنام تجاه الجسد الأنثوي واحتلاله للمجال العمومي، أو تلك الظاهرة التي نسميها بكل اعتيادية في مصر «التحرش الجنسي».

الجوائز

تم منح جائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2016 للكاتب المصري عادل عصمت عن روايته «حكايات يوسف تادرس». كتب عصمت مجموعة قصص قصيرة باسم «قصاصات»، إضافة إلى خمس روايات من ضمنها «أيام النوافذ الزرقاء» التي حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الرواية عام 2011. وقد نشرت روايته الخامسة «حكايات يوسف تادرس» عام 2015 في القاهرة، عن دار نشر الكتب خان.
كذلك فازت رواية «الأزبكية» للكاتب ناصر عراق بجائزة كتارا عن فئة الروايات المنشورة. من ناحية أخرى حصل الكاتب علاء الأسواني على وسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة فارس، ويعتبر من أرفع الأوسمة في الجمهورية الفرنسية.

الراحلون

رحل في العام 2016 العديد من مثقفي وفناني مصر، نذكر منهم على سبيل المثال .. الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، الروائي علاء الديب، الشاعر فاروق شوشة، الفنان محمود عبد العزيز، الكاتبة نعمات أحمد فؤاد، كاتب السيناريو محمود أبو زيد، فنان البورتريه جمال قطب، المفكر والمترجم فخري لبيب، الروائي أبو المعاطي أبو النجا، والفنان التشكيلي جميل شفيق.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة