متابعات ثقافية و فنية

لمحات ثقافية

مودي بيطار

آخر الأيام

في السابعة والسبعين، وروايتها الأخيرة عن الرحيل وأهله. خطرت الفكرة لمارغريت درابل خلال حديث مع ناشراتها، الأمهات الشابّات، حول روايتها السابقة التي تناولت طفلاً. عكست الموضوع في «الفيضان القاتم يعلو» الصادرة عن «كاننغيت» التي ترصد الشيخوخة في هشاشتها، استسلامها، مقاومتها، عنادها وصمتها الأخير.
في آخر روايتها السابقة «الطفل الذهبي النقي»، تذكر درابل ممثلة كلاسيكية تتوقف عن العمل في المسرح الوطني لتجري عملية كبيرة وسط توقعات الأطباء السيئة. في «الفيضان القاتم يعلو»، تعود ماروشا دارلنغ إلى المسرح لتُدفَن حتى خصرها في «أيام سعيدة» لسامويل بيكيت. ترسل بعد العرض إيميلات إلى أصدقاء قلائل قبل أن تنتحر بجرعة زائدة فتفكر إحداهن في أن بيكيت يستأهل ذلك. خدمته ماروشا بإخلاص وبراعة، وهي تستحقّ خاتمة كبيرة على حسابه. شخصيات الرواية في العقدين السابع والثامن، مثقفة من الطبقة الوسطى، وتدمن المراجعة الذاتية القاسية والاستنتاجات العقلانية. النساء منهن قويات يفصلن هويّتهن عن أمومتهن، ويذكّرن بـ «ريعان مس جين برودي» للإرلندية ميورييل سبارك و «رأس مقطوع» للإنكليزية آريس مردوك اللتين صدرتا في 1961. درابل هي الأكثر التصاقاً بما يعرف بـ «رواية هامستِد» التي تتناول هموم الطبقة الوسطى «السطحية» في منطقة هامستِد الميسورة وجوارها. تطلّ بطلتها فرانشِسكا ستابس في أول الرواية وهي تقود سيارتها إلى مؤتمر عن دور رعاية للمسنين في برمنغهام. تفكر في ضريبة الأرض وتؤيدها، وفي شخصيات من التراث الكلاسيكي مثل كليتِمْنِسترا، دايدو، هيكوبا وأنتيغوني. تقتبس آخر كلمات كيتس، بيتهوفن، وولتر رالي وسيوورد الدنماركي. «ارفعني لأموت واقفاً لا مستلقياً كبقرة». حفظت درابل طفلة الكثير من قاموس بروير للعبارات والخرافة، وتقول أن الحفظ غيباً فقد الكثير من متعته بسبب الإنترنت.
تزعج مسرحية بيكيت فرانشِسكا، لكنها تعرف أنها ستعاني قريباً من العجز والركود الأليمين اللذين تناولهما الكاتب. تغالب ضعف جسدها وانهياره بالطبخ لزوجها، قعيد البيت، والعمل مفتشة لدور الرعاية التي تهتم بزبائن يكبرونها بقليل. يعارض نشاطها خمول زوجها السابق الجرّاح الذي اكتفى بعد تقاعده بالجلوس بين الأرائك الوثيرة وسماع ماريا كالاس في داره الكبيرة في كنزنغتن الراقية. لكن كسل كلود يبهت مقارنة بركود صديقها السير بينيت كاربنتر، تاجر التحف القديمة الذي تقاعد في جزر الكناري الشبيهة بالجنة، وبات أكثر كسلاً بعد الهزّة الضعيفة التي كسرت رجله. صديقة الطفولة تيريزا كانت مرجعاً في تعليم ذوي الحاجات الخاصة، وأصيبت بسرطان نادر. جوزفين، الأكبر سناً بين أصدقائها، علّمت في كمبريدج وتقاعدت في مبنى خصّصته الجامعة لأكاديمييها وأخذ اسمه من كتاب سيمون دو بوفوار المخيف عن الشيخوخة. قالت الكاتبة الفرنسية في 1970، أن المسنّين باتوا يتمتعون بصحة أفضل وشباب أطول، لكن ذلك جعل ركودهم أصعب احتمالاً لأنهم يحتاجون إلى سبب للعيش، ويرون البقاء وحده أسوأ من الموت. جوزفين تمضي الوقت بتعليم الشعر وتحسين قدرتها على التطريز وكتابة أطروحة عن الأدب الفكتوري.
تتساءل الشخصيات من سيرحل أولاً وكيف. حين تقضي إحدى أفضل صديقاتها بنوبة قلبية، تفكر فرانشسكا في أنها الميتة المثالية. تترك منزلها المريح إثر وفاة زوجها وتنتقل إلى ناطحة سحاب يتكرر تعطّل مصعدها في منطقة لندنية خشنة. لكنها تعوّض عن الهبوط الطبقي لعنوانها بالإطلالة الكبيرة المجيدة على المدينة. تراقب تشكّل الغيم وغطاء الشتاء الرمادي، الرتيب، الكئيب، وتنتظر الانفتاح الدرامي للربيع. «ارتفعي، تسامي، تجاوزي» يقول المشهد الواسع أمامها، ويفيد قلبها بالتأكيد صعود الدرج مرة أو اثنتين في الأسبوع.
تقلّ الأحداث في الرواية، وتعوّض كاتبتها برسم الشخصيات البارع، لكنها تغالي في البحث الذي يعرّضها، مع الادّعاء الثقافي، للنقد. كانت رواياتها الأولى قصيرة، سريعة الإيقاع ومتماسكة، لكنها وقعت في وسط العمر في غرام المكتبة البريطانية وأغرقت القارئ بالمعلومات المسهبة التي تتعلّق في هذه الرواية بتاريخ جزر الكناري وبطلات الأدب الكلاسيكي.
ترى درابل الكتابة مرضاً مزمناً لا شفاء منه، وتفضّل التمثيل الذي مارسته في كمبريدج. تزوجت زميلاً ممثلاً فور تخرجها في الحادية والعشرين، وألهت نفسها بالكتابة في الكواليس بعد تأدية أدوارها المختصرة. أقنعها دخلها من الكتابة بالتخلي عن فكرة التمثيل، وانفصلت عن كلايف سويفت بعد خمسة عشر عاماً لأن الزواج بشخص واحد طوال العمر غريب. تزوجت كاتب السيرة مايكل هولرويد بعد سبعة أعوام، لكنها بقيت تعيش في منزلها لأنها لم ترغب في علاقة تهدّدها أو تحبسها. العام الماضي صرّح هولرويد لصحيفة «ذا تلغراف» أنه يحب ناقدة ويدعوها إلى العشاء حين تسافر زوجته، لكن مرضه يمنعه من النوم معها. لم تعلّق درابل التي ترى أن الجنس، الذي مارسته كثيراً في الوقت المناسب، يستنزف المرء أحياناً ويتعسه.

بلاد أولى لغة ثانية

> نهض الطبيب فجراً للكتابة قبل توافد مرضاه، وعاد إليها بعد رحيلهم فيما طفله نائم في الغرفة المجاورة. كتب عن بلاده الأولى بلغته الثانية، ولم يخطر له أنه سيحظى بناشر. كانت أفغانستان بلداً نائياً، مجهولاً لكن الجميع تعرّف إليها فجأة بعد هجمات أيلول (سبتمبر) 2001. فكر خالد حسيني في أن إنهاء الرواية سيفتقر إلى الحساسية وأنه سيبدو كأنه يستغلّ المأساة لمنفعته الشخصية. عارضت رويا، زوجته المحامية. روايته ليست عن الأحداث الراهنة، وهي تقدّم أفغانستان من منظور مختلف. لم يتخيّل أحد أن «لاعب طائرة الورق» ستبيع 31 مليون نسخة في 61 لغة ليس بفضل توقيتها أساساً، بل لتناولها أولاً علاقات الأبوة، الأخوة والصداقة و «الرغبة في أن تكون إنساناً طيباً قادراً على النظر في المرآة والإحساس باحترام الذات» وفق الطبيب الأديب.
بعد تحويل الرواية فيلماً يقتبسها مسرح ويندامز في لندن بدءاً من العاشر من الشهر المقبل. عمل مستشاراً للكاتب المسرحي ماثيو سبانغلر، ومُنح فرصة التحسين الفريدة. أحس الكاتب الخمسيني بأنه ينظر إلى صورة قديمة وشخص مختلف. على المرء أن يكون سميك الجلد ليقدر على مراجعة ما كتبه، وحساسيات اليوم تنفر من بعض ما ورد في الرواية. كان انتقد سلبية الأخ غير الشقيق تجاه عدوانية البطل، وخلال كتابة المسرحية اقترح تغيير هدية الفتى الشرير واستبدال كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر بكرة قدم. لكن التجربة كانت جميلة، وهو تأثّر ببعض ما كتبه منذ عقد ونصف العقد. روايتاه التاليتان دخلتا أيضاً لائحة الأكثر مبيعاً، وهو يكتب رواية رابعة يتكتم حول موضوعها. أنشأ مؤسسة خيرية في أفغانستان، لكنه لم يعد إليها بعد هجرته وهو في الحادية عشرة. لا يكتب عنها بقصد التثقيف، لكنه يمتنّ بعمق إذا شعر قارئه برابط معها.

بين التمكين والتشييء

> قبل الذكرى الخامسة والسبعين لولادة شخصية «المرأة العجيبة»، اقترحت شركة «دي سي إنترتينمنت» على منظمة الأمم المتحدة الاشتراك في مبادرة للاحتفال بها. في تشرين الأول الماضي، جعلتها المنظمة سفيرة شرف لتمكين الفتيات والنساء ومكافحة النمطية والتمييز والعنف ضدّهن، ثم ألغت التعيين بعد أقل من شهرين. وقّع أكثر من أربعة وأربعين ألف شخص عريضة بدأها موظفون وموظفات في المنظمة ذاتها طالبت بان كي – مون بتعيين شخصية أخرى غير خيالية. من المقلق، قالت العريضة، أن تقبل المنظمة بشخصية ذات صورة جنسية صريحة في وقت تشدّد عناوين الأنباء في الولايات المتحدة والعالم على تشييء الفتيات والنساء. «ووندر وومان» تجرح الحساسيات الثقافية في مناطق عدة في العالم بجزمتها العالية ولباسها المختصر، اللامع والضيق الذي يكشف ساقيها. خلال حفل التعيين ذاته احتجّ كثيرون بإدارة ظهورهم للجنة التي ضمّت الممثلتين اللتين أدّتا الدور، ليندا كارتر وغيل غادو.
هي ليست المرة الأولى التي تعيّن المنظمة شخصية خيالية سفيراً لها. في آذار (مارس) الماضي، عينت شخصية من لعبة الفيديو «طيور غاضبة» لمكافحة تغير المناخ يوماً واحداً. في 2009، وُظفّت «تنكربل» من رواية «بيتر بان» لدعم البيئة. وفي 1997، لعب الدب «ويني ذا بو» دور سفير شرف للصداقة. بعد «السرور البالغ» لشركتي وورنر براذرز و «دي سي إنترتينمنت» بتعاون بطلتهما مع المنظمة، قالت الشركتان أن «المرأة العجيبة» ستبقى رمزاً للسلام، العدالة والمساواة بعد انتهاء عملها الديبلوماسي.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق