الرئيسية / . / ‘الأعمى والكسيح’ بين داريوفو الايطالي والتراث العربي

‘الأعمى والكسيح’ بين داريوفو الايطالي والتراث العربي

د. محمد حسين حبيب
بدأت علاقتي مع رجل المسرح العالمي داريو فو (1926 – 2016) منذ عام 1999 عندما قرأت نصا مسرحيا من تأليفه عنوانه “الأكمه والكسيح” ترجمة محمد الظاهر القليبي في مجلة “الاتحاف” التونسية ع 104 سليانه – تونس والصادر في السنة نفسها، وكانت ثمة مقدمة سريعة تعريفيه عن داريوفو، وضعها مترجم النص، فما ان انتهيت من قراءتي الأولى للنص حتى تصديت لإخراجه في كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل العراقية، وتم عرضه عام 2000 على مسرح الكلية نفسها، ومن ثم ترشح وعرض في المهرجان القطري للمسرح العراقي في بغداد في العام نفسه وعلى مسرح قسم الفنون المسرحية الكائن في الكسرة، ومن ثم شاركنا في العرض نفسه وفي السنة ذاتها في “الملتقى الفني والابداعي للجامعات العربية والدولية” الذي تقيمه سنويا جامعة جنوب الوادي في جمهورية مصر العربية في محافظة قنا.

وأزعم أنه كان أول عمل مسرحي يقدم في العراق من تاليف داريوفو.

توطدت علاقتي مع الكبير داريوفو فعرفت انه المؤلف والمخرج والممثل والتشكيلي والراقص والمهندس والشاعر والناشط السياسي والموسيقي أيضا والحائز على جائزة نوبل عام 1997, فرحت باحثا عن نصوصه المترجمة الى اللغة العربية، لأنجز بعد خمس سنوات من البحث أول دراسة عنه بعنوان “العدالة الاجتماعية في مسرح داريوفو” نشرتها في صحيفة “الأديب” العراقية ع 95 في 9/5/2005 .

توصلت في هذه الدراسة إلى أن مسرح داريوفو يضج بالبحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية الغائبة في المجتمع الايطالي اولا والعالمي ثانيا، وان غالبية شخصيات مسرحياته من المهمشين والمتشردين والجياع الذين هم أكثر الشرائح الاجتماعية حاجة الى العدالة.

وبعد ذلك آليت على نفسي الا ان اقدم عنوانا اكاديميا بحثيا عن مسرح داريوفو واشرف عليه رسميا, وفعلا تم انجاز رسالة ماجستير تحت عنوان “المضامين الفكرية في نصوص داريوفو المسرحية” للباحث وضاح عبد علي العواد وتحت اشرافي لكلية الفنون الجميلة – جامعة بابل العراقية عام 2008. وازعم انها اول دراسة اكاديمية مطولة في الوطن العربي تنجز عن هذا العملاق المسرحي وبجدارة، فضلا عن إشرافي على عمل مسرحي من تاليف درايوفو عنوانه “ليس للصباغين من ذكريات” تم تقديمه ضمن مادة التطبيقات المختبرية لطلبة الدراسة المسائية للكلية نفسها.

سقت هذه المقدمة التوثيقية لأبين مدى حرمان الثقافة العربية من ترجمات ينبغي توفرها عن هذا الرجل ومن هم بحجمه، فلم تترجم له الا النزر القليل من مسرحياته التي أحصيتها وهي تجاوزت (الخمسون مسرحية) فلم تترجم منها الا تسع او عشر مسرحيات بحسب علمي الى الان, هذا اولا، وثانيا لتعلقي بحكاية هذه المسرحية “الاكمه والكسيح” وكاتبها فاكتشف بين مدة واخرى حكاية تشبهها أو تتناص معها في هذا المصدر او ذاك، بوصف ان هذه الحكاية هي شعبية ومن التراث العالمي كما تشير بعض المصدار وتحديدا من التراث الهندي القديم، لكني اكتشفت مؤخرا ان لهذه الحكاية مرجعية تراثية عربية وتحديدا هي واحدة من قصص “ألف ليلة وليلة” المشهورة ، وهي – أي حكاية الاعمى والكسيح – متضمنة في حكاية ورد خان بن الملك جليعاد، حكاية الليلة السادسة بعد التسعمائة بحسب قصص الف ليلة وليلة نفسها.

وهي جاءت وسط حديث التاجر مع الشماس في متن الحكاية عن الثواب والعقاب لياخذهما الحديث الى ذكر حكاية الاعمى والمقعد فنوردها نصا هنا:

“… وكذلك الجسد والروح مشتركان في الأعمال وفي الثواب والعقاب وذلك مثل الأعمى والمقعد الذين أخذهما رجل صاحب بستان وأدخلهما بستان وأمرهما أن لا يفسدا فيه ولا يصنعا فيه أمراً يضر به. فلما طابت أثمار البستان قال المقعد للأعمى: ويحك أني أرى أثمار طيبة وقد اشتهينا لها ولست أقدر على القيام إليها لآكل منها فقم أنت لأنك صحيح الرجلين وائتنا منها بما نأكل، فقال الأعمى: ويحك قد ذكرتها لي، وقد كنت عنها غافلاً ولست أقدر على ذلك لأني لست أبصرها، فما الحيلة في تحصيل ذلك، فبينما هما كذلك إذ أتاهما الناظر على البستان وكان رجلاً عالماً فقال له المقعد، ويحك يا ناظر إنا قد اشتهينا شيئاً من هذه الثمار ونحن كما ترى أنا مقعد وصاحبي هذا أعمى لا يبصر شيئاً فما حيلتنا؟

فقال لهما الناظر: ويحكما لستما تعلمان ما عاهدكما عليه صاحب البستان من أنكما لا تتعرضان لشيءٍ مما يؤثر فيه من الفساد فانتهينا ولا تفعلا، فقالا له: لا بد لنا من أن نصيب من هذه الثمار ما نأكله فأخبرنا بما عندك من الحيلة فلما لم ينتهيا عن ريهما، قال لهما: الحيلة في ذلك أن يقوم الأعمى ويحملك أيها المقعد على ظهره ويدنيك من الشجرة التي تعجبك ثمارها حتى إذا أدناك منها تجني أنت ما أصبت من الثمار.

فقام الأعمى وحمل المقعد وجعل يهديه إلى السبيل حتى أدناه إلى شجرة فصار المقعد يأخذ منها ما أحب ولم يزل ذلك دابهما حتى أفسدا ما في البستان من الشجر وإذا بصاحب البستان قد جاء وقال لهما: ويحكما ما هذه الفعال؟ ألم أعاهدكما على أن لا تفسدا في هذا البستان.؟ فقالا له: قد علمت أننا لا نقدر أن نصل إلى شيءٍ من الأشياء لأن أحدنا مقعد لا يقوم والآخر أعمى لا يبصر ما بين يديه فما ذنبنا؟ فقال لهما صاحب البستان: لعلكما تظنان أني لست أدري كيف صنعتما وكيف أفسدتما في بستاني كأني بك أيها الأعمى قد قمت وحملت المقعد على ظهرك وصار يهديك السبيل حتى أوصلته إلى الشجر، ثم أنه أخذهما وعاقبهما عقوبةً شديدةً وأخرجهما من البستان …”.

لكننا نجد المتن مختلفا عند نص مسرحية “الاكمه والكسيح” لداريوفو في بعض تفصيلاته، اذ نجد المسرحية تتحدث عن شخصيتين احدهما (اكمه) شبه أعمى واخر (كسيح) وكيف يلتقيان بالصدفة وهما متسولان ويعتاشان على الكدية، ولكنهما ومن اجل السير في الطرقات للحصول على النقود والعطايا اكثر من الناس يقترح الكسيح على الاعمى امكانية حمله على كتفيه ليسهل عليهما التنقل والكسب الاوفر واثناء سيرهما يلمحان جمهرة من الناس حول شخص ما، ليكتشفا انه (السيد المسيح ع) ليصلا اليه فتحدث المعاجز النبوية في شفائهما من عاهاتهما لكنهما يندمان في النهاية لأنه عليهما العمل ليل نهار تحت أسياط الجلادين والتجار من اجل كسب المال وبذلك فقدا راحة العيش الرغيد.

وبالمقارنة مع الحكاية العربية وحكاية نص داريوفو ان التشابه ينحصر في طريقة تفكير الشخصيتين للحصول على مرادهما وهي حمل احدهما الاخر مع اختلاف التفصيلات الاخرى، وهكذا الحال نفسه يتكرر مع مصادر اخرى لذات الحكاية وبالعنوان نفسه فمثلا نجد في المنهج الدراسي المقرر للصف الخامس الابتدائي لمناهج وزارة التربية العراقية وفي مادة “القراءة العربية” من تاليف د. كريم عبدالوائلي ود. عبدالعباس عبدالجاسم وتركي عبدالغفور الراوي 2014 وجود قصة بعنوان “الاعمى والكسيح” تتشابه بطريقة حمل الشخصيتين احدهما الاخر ليسيرا معا واثناء ذلك يصطادا غزالا ليأكلاه سوية مع اختلافات اخرى في نهاية الحكاية.

هذا ونجد ايضا قصة قصيرة كتبها حاتم محمود بيومي بعنوان “الاعمى والكسيح” من على صفحته في الفيس بوك ومن دون إشارة الى مصدر ما، وايضا تقع هذه القصة في ذات طريقة التفكير للشخصيتين مع اختلاف التفاصيل الداخلية للمتن الحكائي.

هذا الى جانب عدد من المواقع الالكترونية والمنتديات تسرد ذات الحكاية وبالعنوان نفسه مع اختلاف تفاصيل بسيطة دونما ذكر لمراجعها العالمية أو العربية .. مثال: موقع (6 ديسمبر) الالكتروني الذي يورد الحكاية وبالنص الاتي:

“يحكى انه كان هناك رجلان في قرية أحدهما مقعد والاخر اعمى لا يرى .وفي يوم من الايام رآهما صاحب بستان فرق قلبه لحالهما ومما هم فيه من الجوع والعوز فأمر خادم له ان يحملهما الى بستانه وفعل الخادم حملهما الى البستان وكان يعطيهم من ثمره ما يكفيهم ليأكلا ويناما تحت أشجاره، وفي يوم من الايام قال المقعد للأعمى اترى ما ارى فقال الاعمى سبحان الله وكيف ارى وانا اعمى، وماذا ترى فقال المقعد للاعمى أرى الجنة بعينها فاكهة بأنواعها ما لذ وطاب منها فقال الاعمى للمقعد وما تريد ان تصنع فقال المقعد لو ساعدتني لاقتطفت لك ما لذ وطاب من هذه الثمار الجنية، فقال الاعمى اتق الله يا رجل الم يكرمنا صاحب البستان فقال المقعد انه لا يعطينا الا القليل فألح عليه فاقنعه فحمل الاعمى المقعد على كتفه وأخذ يطوف به البستان وهو يأمره اقتلع هذه ودع هذه الى ان أكلا حتى التخمة وعاثا في البستان الفساد والخراب.

وعند الصباح أتى ناطور البستان ورأى ذلك المنظر فقال لهما من الذي صنع هذا فأخبراه لا نعلم كما ترى أحدنا اعمى والاخر مقعد، وهكذا استمرا في عملهما الى ثلاثة أيام وعندها قرر الناطور ان يراقب من الذي يفعل ذلك، وبينما هو يراقب اذ حضر صاحب البستان فاخبره فبقيا معا يراقبان الموقف واذا بذلك الموقف فغضب صاحب البستان وامر بطردهما” عن حسام الغزالي – موقع 6 ديسمبر.

كما ترد الحكاية أيضا في مواقع اخرى وباشارات مرجعية تخص التراث الهندي وبتفاصيل مختلفة أخرى مع البقاء على العنوان واللعبة الداخلية للشخصيتين.

السؤال: كيف توصل داريوفو لهذه الحكاية واستثمرها دراميا؟

لقد عرف عن داريوفو ولعه بالكوميديا الايطالية ديلارتي وشخصياتها المشهورة، الى جانب تاثره بالحكايات الشعبية في مسرح بيراندللو الايطالي، وكذلك ان عشق داريوفو للحكايات الشعبية الايطالية كان قد ورثه عن ابيه اصلا، وفي بداية حياته قدم برنامجا كانت الحكايات الشعبية مرجعيته الاولى.

يقول داريوفو في هذا الصدد في حوار معه بالنص: “انا وريث جدي المزارع والحكواتي الشهير في قريته، كان حكواتيا ساخرا ومتنقلا، وانا صغير، كنت اركب كل صباح فوق عربته الخاصة لبيع الخضار وكان يبدأ بسرد القصص والحكايات المضحكة التي يفخخها بالنكات الطنانة لجذب الزبائن. لقد علمني هو وبعض أصدقائه مثل بعض الحرفيين في الشارع، الذين كانوا يتجمعون كل ليلة لسرد الحكايات الرائعة، كنت شديد التأثر بهم لدرجة انني كنت ابكي احيانا”.

وهنا يلح علينا سؤال آخر: هل يمكننا هنا ان نفترض ان هذه الحكاية تكون وردت على لسان الجد كونها حكاية ذائعة الصيت من يومها ولكن كانت بتفاصيل غائبة عنا لم يذكرها داريوفو في حواره ذاك، فاستثمرها داريوفو لاحقا معدلا فيها ما وجده مناسبا للفعل المسرحي المعاصر الذي ينبغي؟ فضلا عن ان الحكاية ذاتها لم يتفق أحد عليها الى الان من المؤرخين والمهتمين بالتراث على أصل مرجعيتها، هذا افتراضنا حسب.

هذا بالاضافة الى ان المتتبع لنصوص درايوفو المسرحية سيكتشف تكرار شخصية مثل (الحكواتي) في أعماله وكذلك شخصية (المهرج) وذلك لتعلق الامر مع هاتين الشخصيتين والاحداث اليومية الشعبية السياسية منها والاجتماعية والتي تستند في أسلوب طرحها على السخرية والترفيه واثارة البهجة الجماهيرية.

هذا الى جانب ان داريوفو نفسه – وبحسب اشارة رسالة الماجستير لـ وضاح عبد علي العواد المشار اليها سلفا ص 76 منها – عن قاسم بياتلي في كتابه “مسرح داريوفو” بيروت 1999 – بدأ عام 1963 – اي داريوفو نفسه – “بالبحث والتقصي عن التراث الشعبي واسس مجموعة تضم فريقا كبيرا من المتخصصين بالمسرح والمثقفين لدراسة الثقافة الشعبية على الصعيدين النظري والعملي لكافة الجوانب المختلفة من التراث الشعبي الايطالي لمرحلة ما قبل ظهور البرجوازية”.

وهنا نؤكد دونما فرضية، ان التراث العربي برمته ومنه حكايات ألف ليلة تحديدا كان له الاثر الكبير في النتاج الادبي الايطالي القديم منه والحديث وهذا ما أكده عدد من الدراسات النقدية الخاصة بالقصة والرواية المترجمة، فبالضرورة يكون داريوفو مطلعا على التراث العربي وعلى حكاياته الذائعة الصيت في ايطاليا وفي العالم أجمع.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

جبين يابس.. ل -لبنى دهيسات-

-لبنى دهيسات-   المستقبل ما هو إلا القشة التي نسير إليها.. نحن الغارقون في الأرض …