متابعات ثقافية و فنية

إدانة روائية للوصاية الذكورية على المرأة

هيثم حسين

تؤكّد اليمنية فكرية شحرة في روايتها “قلب حاف” على استقلاليّة المرأة وقوّتها في مطالبتها بحقوقها، وتشبّثها بأحلامها، وتدين النظرة البائسة التي تسيء إليها بوصفها بالعنوسة والتبعيّة حين تتأخّر في الزواج، أو حين تشاء الظروف أن تبقى من دون زوج، وتدين كذلك الوصائيّة التي يبالغ الكثير من الذكور في الالتزام بها في أسرهم ومجتمعاتهم، بحيث تبقى المرأة في الظلّ، وتعيش في العتمة، لا يمكنها تقرير مصيرها.

بطلة الرواية، الصادرة عن منشورات نينوى، دمشق 2016، عفاف تهيء نفسها للذهاب في رحلة عمرة، يرافقها ابن أخيها، تستعيد أجزاء من ماضيها وسيرتها ونضالها في أسرتها ومجتمعها، وإصرارها على أن تعيش واثقة من نفسها، قويّة، حرّة، مستقلّة، في واقع لا يرحم امرأة مثلها، فلم تقبل الاستكانة والخنوع، ولا الانقياد الأعمى وراء أقوال الناس وما يشيعونه عن النساء القويّات الواثقات من أنفسهنّ، كما لم تقبل الاقتران بزوج يتمّ اختياره لها، وتحرص على القيام بدورها التنويري على أكمل وجه.
حكاية عفاف

تعترف عفاف بأن لها حكاية تؤنسها، تجلس إليها كل مساء، تحتسي معها كؤوس المرارة والحرمان. هي التي تقص حكايتها للريح فقط. وهنا الريح تكون تورية، لأنّها تكون جسرا إلى القرّاء، الريح لا تمضي إلى وجهتها إلّا وتنقل معها صدى الحكاية وتأثيراتها على صاحبتها ومحيطها في الوقت نفسه.

تذكر أن الإنسان عندما يقص حكايته لشخص آخر فإنه يحاول جاهدا أن يزيح أكبر قدر من الحقائق السيئة عن نفسه، ربما لأنه يجهلها أحيانا وأحيانا أخرى ينكرها، ولأنها تقصها للريح فلن تسلّم لمقصّ الاختلاف والتزييف أجزاء من حكايتها، تقول إنها تخبر الريح بتلك التفاصيل التي أخفتها عن جوارحها التي تشي بها كثيرا.

تمضي في رحلتها إلى الأماكن المقدّسة للعمرة، تحاول التخفّف من أعباء الحكايات والحياة المتحدّية التي عاشتها وأصرّت على موقفها الرافض للرضوخ للعادات البالية التي تسيء للمرأة، ولم تكترث لوصفها من قبل مَن حولها بالعنوسة، وتجد أن مأساة المرأة لا تكمن في أن تكون عانسا أو لا، وأنّ هذا أمر لا يضرّها، بل تكون المصيبة في قبولها أن تؤدّي أدوارا اختيرت لها، وتمثّل الهرب من نعوت المجتمع إلى فخّ زوج لا يتعامل معها بإنسانيّة، أو من دون وجود رابط حبّ بينهما.

عفاف التي يعكس اسمها طهر سلوكياتها وأفعالها في مجتمعها، ترفض عيش حياة الظلّ التي تعيشها الكثير من نساء مجتمعها، تجتهد للنهوض بدور إيجابيّ في مجتمعها، تحرص على المطالبة بحقوق المرأة ومن ضمنها حقّها في الميراث الذي يتم حرمانها منه في المجتمع الذكوريّ الذي يتعامل معها بفوقيّة، ويعدّها تابعا لا شريكا.

تتعرّض بطلة الرواية لخيبة أمل، وذلك بعد وقوعها في حب زميل لها في العمل، ويكون ذاك الرجل متزوّجا ولديه أسرة وأولاد، يحدّثها بطريقة عقلانية عن واقعه ويتمنى لها أيّأما سعيدة في مستقبلها، ويرجو لها الاقتران بشريك يحترم شخصيتها وإرادتها واستقلاليتها وطموحها، لكنّ ذاك الموقف يحطّم قلبها، وتشعر أنّها وقعت في حب خاطئ، ولم تستطع منع نفسها، لكنها وبطريقة أخرى تكتسب قوّة وصلابة في مواجهتها مع ذاتها، ما يبقيها بمعزل عن الارتهان لسطوة أيّ رجل.

تقرّر البدء بمعركتها الشخصيّة، تفتتح مركزا لرعاية ذوي الحاجات الخاصة ومساعدتهم على الاندماج في مجتمعهم وتأهيلهم للاعتماد على أنفسهم والانخراط في حياة تليق بهم، وعدم اعتبارهم عالة على المجتمع، أو اعتبارهم معاقين لا يمكنهم أداء أي جزء ممّا يترتّب على المرء من واجبات إنسانيّة واجتماعية.

تمضي السنوات بعفاف، تنشغل بمشاريعها وطموحاتها وواجباتها، لا تكترث لتجريح من حولها لها ومطالبتهم المستمرّة لها بالزواج، وأنّ المكوث في ظلّ رجل، مهما كان بائسا، أفضل من البقاء وحيدة وأفضل من العنوسة المدمّرة الباعثة على السخرية في مجتمع لا يرحم.

تلتقي عفاف بعد سنوات بذاك الذي أحبّته، لتكتشف فيه رجلا آخر مختلفا عن تصورها وحلمها عنه، تعود إلى قراراتها، وترفض عرضه الاقتران بها، فتقضّل البقاء وحيدة على تحطيم نموذجها المستقلّ وتقيّدها بصورة بائسة عن رجل أحبّته ذات زمن.
خلع النقاب

تحاول الروائية إسباغ أجواء شاعرية على واقع الأسى الذي تعيشه شخصياتها في الرواية، كأنّ راويتها تتسلّح بالشعر وعوالمه في مواجهة قسوة الواقع ومراراته، تراها ترجو النسيان ولا تطاله، تقول كأنما النسيان يباع في متاجر فخمة، يعجز باذخ العشق عن شرائه، ويناله شحيح الحب هبة وعظمة، تكون أمنية ممزوجة بمعاناة واقعية جراء خيبتها بالرجل، وصدمتها به، وترجو لو يكون بمقدورها النسيان، كما تتمنى لو أن النساء يملكن قلوبا كقلوب الرجال بعد الفراق.

بطريقة متفلسفة تعود الراوية إلى نفسها، تقوّي من عزيمتها بنفسها وتعود إلى عملها بهمة ونشاط محاولة تناسي حطام مشاعرها وقلبها المحطّم، تقول إننا يجب أن نعيش الحياة رغم آلامنا وتوالي الإحباطات والخسارات، فكما أننا جئنا إليها دون مشورة أو رأي منّا فيجب أن نواصل الحياة رغما عنا أيضا، كوننا ضمن سلسلة مترابطة تعتمد أجزاؤها على بقائنا أقوياء لا نتعثر مع أوّل صدمة فيخسرنا من هم بحاجة إلينا.

تستذكر تصميمها على البدء بمشروعها الذي كان عبارة عن دار متكاملة تضم فتيات ونساء أعاقهن القدر عن التمتع بكامل قواهن الطبيعية وبقين حبيسات البيوت ينتظرن من العائلة الاهتمام والإنفاق. يكون حلمها الصغير متمثلا بإثبات حق كل أنثى لا حق لها في مجتمع يؤمن بحقّ القويّ فقط. تتمنى لو ترى كلّ واحدة منهنّ الجانب المشرق من الحياة، وتقول إن الله لم يخلقنا هكذا بلا قدرات أو ميزات وكل ما نحتاجه أن نكتشف أنفسنا فقط. وتقول إنه يتنامى في أعماقها الرفض لكل شيء بسبب القهر للمرأة، ترى أن الاستسلام الأعمى لأقدارنا هو القدر الذي يقتلنا.

تصمد الراوية في امتحان الصبر واختبار التحمّل الحياتي جرّاء صدمتها بالحبيب السابق، تشعر بأن الحزن يظل رفيق روحها لكنه لن يعجزها أبدا، وتقرر أن تكون كما تشتهي لنفسها وكما تشتهيها الحياة التي ترفضها. وتنتقل الراوية بين صنعاء وإب، تراها تتغزل بجماليات مدينة إب وتفاصيلها المميزة، وطيبة أهلها وأناقة فتياتها، ولا تبقى في دائرة المدن كثيرا بل تنشغل بحكايات أهلها، وبخاصة نسائها، تدرك أن العمى الحقيقيّ هو عمى البصيرة لا عمى البصر.

وفي لحظة مفصلية تقرّر الراوية خلع النقاب، تخبر أخاها بذلك، ويكون قرارها مبنيا على قناعة منها بأنها ستختار مصيرها بعيدا عن عادات فرضت عليها وقيدتها وحاولت محو شخصيتها وهويتها، وتؤكد أن الوقت كفيل بتغيير كل شيء، وبحدوث ما لا نتصور حدوثه، وأنه ينبغي عليها أن تبذل وتضحي بالصبر والوقت حتى يصبح مصيرها بيدها فقط، وتحظى بحريتها واستقلالها وهويتها.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة