.

عُرض على مسرح الجامعة الأمريكية في القاهرة… «ميتين أهلي»: ثقل الموروث ومحاولة تقويم الآباء

محمد عبد الرحيم

«ميتين أهلي» هو اسم العرض المسرحي الذي عُرض مؤخراً على مسرح الجامعة الأمريكية في القاهرة، ويبدو الاسم (سُبّة) بمعناه الاصطلاحي في العامية المصرية، لكنه هنا يتجاوز السُبّة ليصبح (وصمة) يوصم بها الجيل الجديد، الذي يظل أسير أفكار الأهل الفاسدة، التي تجاوزها الزمن.
والأمر مرهون بالطبع بالموروث الاجتماعي، دون الطبقي أو الفئوي لجماعة من الناس، فالجميع يُصر على مواصلة ارتكاب الأخطاء، ومحاولة تحقيق ما فشل في تحقيقه من خلال الأبناء، دون أي اعتبار لشخصية الشاب أو الفتاة من الجيل الجديد، فقط يريد الآباء أن يصبح الأبناء صورة منهم، حتى في سلوكهم وتصرفاتهم، وأن يصبحوا مرادفاً لأحلامهم الضائعة، على وهم أن تتحقق من خلالهم. هنا يصبح ما يعيشونه هو إرث أموات لا أكثر ولا أقل، إرث يتنفسونه ويجاهدون في تجاوزه، وإن وصموا بعد ذلك بالخروج عن التقاليد، أو «قلة الأدب»، وبالتالي يصبح الأموات هم مَن يتحكمون في الحياة، وتصبح تقاليد الأموات هي السبيل الوحيد لإرضاء الجميع، وبهذا يستقيم المعنى ليصبح معبّراً بالفعل عن الحال الذي يعيشه الجيل الجديد، وأن يعرض مأساته التي أطلق عليها «ميتين أهلي».
العرض أداء كل من، منة حمدي، عمرو جمال، مروة كمال، سلمى غالي، زهرة أحمد، عمرو عبد العزيز وأحمد الأشرفي. تصميم حركي داليا العبد، إعداد موسيقي وغناء ياسمين أسامة، ديكور رمزي عبيد، مساعد مخرج نهال الرملي، مخرج منفذ أمل كرم، والعرض من تأليف وإخراج محمد أسامة.

أسرى التقاليد

يحاول الشاب الانفلات من أسر الأسرة، أملاً في مُجاراة عصره، سواء تمثل ذلك في الأفكار والملابس والسلوك، وبمجرد أن يصبح مسؤولاً عن أسرة يتحوّل إلى ما كان يفرضه عليه الأب من سلطة، يتمثل هو هذه السلطة على الابن والبنت. المرأة بدورها تورّث ابنتها ما كانت تعانيه في شبابها، وتحدد لها مجموعة الوصايا المعهودة، التي طالما شعرت بوطأتها أيام صباها. وهكذا جيل مكبوت وأحلام لم تتحقق يورثها الجيل التالي، وكأن الفشل في الحياة أصبح نهجاً، لابد من السير عليه، وإلا اتصف الخارج عن القطيع بقلة الحياء، والعديد من الصفات المُعلّبة المعهودة. لم يعتد جيل الآباء على الحرية ومسؤولية الاختيار، وبالتالي يتوق إلى سلطة عمياء، يستمدها من تراثه، ولا يجد مجالاً لتحقيقها إلا من خلال جيل الأبناء، الذي عليه السمع والطاعة، وإلا نال اللعنات طوال الوقت.

اليومي والمُعاش

من خلال تفاصيل الحياة اليومية والمواقف الحياتية في كل بيت، تتم صياغة هذه الأفكار. ونظراً لفداحة المأساة فلابد من التعامل معها من خلال السخرية. فلا أب يثق في قدرات ابنه، ولا أم تثق في أحلام ابنتها. وتتوالى المواقف المُعتادة، بداية من اختيار الدراسة التي يتوجب على الابن أو البنت الالتحاق بها، فقط لتحقيق حلم قديم لم يستطع رب الأسرة تحقيقه ــ يجب أن يصبح الابن مهندساً أو طبيباً ــ ثم اختيار شريك الحياة للفتى أو الفتاة، وبالمحصلة اختيار الحياة ذاتها، حتى يتم إنتاج الجريمة مرّة أخرى ومرّات أُخر. ولا يخلو بيت في مصر من هذه الترّهات، ولو بنسبة ما، ويمتد الأمر أكثر إلى مناخ سياسي واجتماعي أكثر تعقيداً، مصدره سلطة عُليا قابعة كمخلوق خرافي، لا يريد سوى تشكيل المجموع وفق إرادته ومشيئته، يرى في الجميع قصوراً في الفكر والعقل، وبالتالي يمنح نفسه الحق في قيادته، وكأنها مُهمة سامية تصل في النهاية إلى نهج عقائدي.

العرض المسرحي

يبدأ العرض في لوحة تعبيرية، بمجموعة من الشخصيات تريد من طفل أن ينفذ وصاياها، كل حسب وجهة نظرة، وكأنها مجموعة الوصايا المعهودة التي تقابلنا في الحياة، وما النتيجة من هذا الشكل القمعي سوى موت هذا الطفل، والجميع يقومون بتشييعه إلى مثواه، فقد دفنوه حياً تحت ثقل تعاليمهم ووصاياهم البالية، وهم يحاولون تبرئة أنفسهم من هذه الجريمة، بأن مقصدهم هو مصلحة الطفل أولاً وأخيراً. هذه الكلمة التي تتغنى بها كل سلطة موهومة في قدراتها. ثم بعد ذلك تأتي اللوحات الدرامية لتستعرض طبيعة هذه الوصايا والعلاقات الشائكة واللغة المفقودة بين الأسرة والأبناء. ويبدو التمهيد التعبيري كمشهد افتتاحي أكثر ثقلاً وافتعالا عن باقي اللوحات الدرامية، التي اتسمت بالخفة والطرافة والأداء الجيد للممثلين، الذين رغم حداثة السن إلا أنهم يمتلكون القدرة على التعبير الجسدي والتلوين الصوتي والأداء المقنع إلى حدٍ كبير. وبالتالي تصبح مشاهد الحِداد التي تتخلل المواقف الدرامية عبارة عن لحظات انفصال عن العرض، وتبدو زائدة عن الحاجة. الأمر الآخر هو الإطالة في بعض المواقف، التي كان من الممكن تكثيفها أكثر من ذلك، وهو ما أدى بالضرورة إلى خلل كبير في الإيقاع العام للعرض المسرحي.

وجهة النظر المسرحية

يبدو الفارق الشاسع بين ما تقدمه الفرق المسرحية المستقلة، وما تقدمه الفرق المُنتمية إلى مسارح الدولة. ولا ننكر بعض التجارب المهمة في مسارح الدولة، لكنها في أغلبها بعيدة عن الوقائع الحياتية، والمشكلات التي يُعانيها الجيل الجديد، بأن تتمثل لغته ومواقفه ورؤيته للحياة. الأمر مرهون بالوضع السياسي والنظام الأبوي الذي لا فكاك منه، لكن محاولات هذه الفرق ــ المُستقلة ــ هي الاقتراب أكثر من المشكلات الآنية، ومحاولة تشريحها ولو في شكل ساخر، لكنه أدعى إلى التفكير، وإلى المناخ السلطوي الذي نحيا الآن في ظِله. الأمر الآخر الذي يستدعي التوقف من خلال متابعة العديد من عروض هذه الفرق على اختلافها هو المشكلات نفسها ولو بشكل أو بآخر، مشكلات التسلط الأعمى ونتائجه التي تتمثل في تشويه المخلوقات أكثر، وتحويلهم إلى ما يُشبه النسخ المتكررة، الفاقدة للوعي والاختيار. قد تصبح قضية الحرية هي الشاغل الآن، ليست في شكلها الفج المُتهالك والمباشر، لكن من خلال تصرفات وأفعال غاية في البساطة، تكشف مدى ما نعانيه في مجتمعاتنا، التي تبدو من الخارج وكأنها ذات شكل مواكب للحضارة ــ شكل استهلاكي في المقام الأول ــ لكنها في حقيقتها لم تزل تحيا مناخ العصور الوسطى.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة