حوارات

هالة خليل: نوارة أثارت غيظي فكتبتها ضمن «ثلاثية الثورة»

هبه ياسين

هالة خليل اسم مميز في عالم الإخراج والكتابة في مصر. أعمالها ليست غزيرة وفترات غيابها عن الساحة الفنية تفوق تواجدها، لكن حضورها طاغٍ عبر أفلام تحمل بصمة ورؤية فريدتين، لم تقف الصعوبات الإنتاجية التي تواجهها حجر عثرة في سبيل استكمال مشوارها السينمائي، بل هي مستمرة بالكتابة والإخراج وقادرة على حصد التقدير والإعجاب بجانب الجوائز المحلية والدولية. من أبرز أعمالها فيلم «أحلى الأوقات»، و(«قص ولصق». وها قد عادت خليل إلى السينما بعد غياب سنوات لتقدم فيلم «نوارة» بطولة منة شلبي، والذي ظلت ثلاث سنوات تبحث عن منتج له، فبعض المنتجين لا يحبذ إنتاج هذا النمط الذي يطرح سينما إنسانية واجتماعية يظنون أنها لن تجني أرباحاً. ويمثل «الفيلم» تماساً مع تجربة مخرجته التي شاركت في ثورة يناير (كانون الثاني) لتكتشف عبر السنوات أن لا شيء تغير، ومن هنا صاغت «نوارة» لتطرح تساؤلاً حول كيف يعيش فقراء مصر؟ «الحياة» التقتها وحاورتها لتجيب عن السؤال، كما تتحدث عن أعمالها وأحلامها وحتى إحباطاتها.
> هل «نوارة» يؤرخ للثورة؟
– لا يؤرخ لها ولكنه يتناول أحد جوانبها عبر نظرة الفقراء إليها، وهو الجزء الأول من «ثلاثية الثورة»، ويرصد الجزء الثاني (الذي كتبت معالجته) الثورة من زاوية سياسية، بينما يتناول الثالث» (الذي لم أشرع بكتابته بعد) الثورة كمفهوم وفكرة رومانسية حالمة.

جزء من ثورة ما..
> كيف رسمت بهذه الدقة السمات الشخصية لـ «نوارة» التي جاءت من عالم لم تعرفه ولم تنتمِ هالة خليل إليه يوماً؟
– عند كتابة أفلامي، يربطني تماس شخصي مع أبطالها، وجمعني بـ «نوارة» أكثر من تماس وتلاقٍ، بينها تجربتي مع الثورة، حيث كنت بين هؤلاء الذين حلموا حلماً عظيماً وظنوا أنهم غيروا الواقع، وعاماً تلو الآخر رصدت إحباطاً يتلوه إحباط، وأنه لا سبيل لتحقيق التغيير. والتماس الآخر، هو انتقالي للسكن من حي عادي إلى كومباوند (مجمع سكني فاخر ومغلق)، فحدث تماس بيني وبين العالم الذي تنتمي إليه «نوارة»، إذ شاهدت «العمالة» الفقيرة التي يفد أفرادها للعمل بداخله فيشهدون بذخ حياة لا يعيشونها. وتساءلت كيف يعيش هؤلاء، وبماذا يشعرون؟ وكانت الإجابة هي التي صاغت شخصية نوارة بهذا الشكل. بعد معاينة أماكن عدة للتصوير اخترت أحدها الذي كان أكثر ملاءمة من الناحية البصرية، لأن أغلبنا يشاهد الفقر والفقراء لكن لم ندرك أن الواقع بهذه الصورة المأسوية. وهؤلاء البشر ينتشرون حولنا، وليس صعباً العثور عليهم لكن الصعب هو الإحساس بهم.
> هذا لوم ذاتي؟
– لا، لكنه رصد لتجذر المسافات بين طبقة تتمتع بالثراء الفاحش وأخرى ترقد تحت خط الفقر، ما أدى إلى تضخم الظلم الاجتماعي. فأحيا ذلك بداخلي تأملات وتساؤلات مزعجة حول العدالة الاجتماعية التي صارت حلماً بعيداً.
> حتى في أصعب الأوقات نرى الفقراء في مصر تعلو سماتهم ابتسامة، وإذا سألتهم عن الأحوال سيجيبونك بعبارات متكررة مثل «الحمد لله» – «أحسن من غيرنا»– «بكرة أحسن»– «مستورة»، وترى خليل أن الفقراء شركاء في صنع الظلم الاجتماعي الواقع عليهم… كيف؟
– عبر حالة الرضا الدائم ولا أريد قول الخنوع. فالفقير المصري يتمتع بتركيبة خاصة من التسامح العجيب تخلو من الغضب والحقد الموجود لدى أغلب فقراء العالم، وتلك أشياء أذهلتني لدرجة الغيظ ودفعتني لكتابة نوارة، فلو لم يصبحوا على هذه الشاكلة، لربما تغير الواقع. وتمنيت لو أدركوا حقوقهم المهدورة وطالبوا بها، رافضين الظلم. «نوارة «تشبه هؤلاء، إذ يظلل وجهها ابتسامة دائمة وتسودها حالة من السلام الداخلي والرضا الذي تفقده خلال رحلتها العصيبة في الحياة فتتوجه إلى الله في النهاية مستنكرة «ليه كده يا رب؟».
> لماذا يطغى البعد السياسي «ولو في شكل غير مباشر» على أفلامك؟
– نظراً لاهتمامي بالمركب الاجتماعي المصري، الذي أعايشه في الوقت الراهن والذي لا يمكن فصله عن السياسة التي أصبحت تمتزج به، لذا سيظل البعد الاجتماعي والسياسي مطروحاً في خلفية الموضوعات التي تحركني للكتابة.

المرأة – البطلة
> المرأة هي بطلة أعمالك دائماً، وليست السنيدة. هل هذا تحيز لبنات جنسك؟
– «المخرج المؤلف» هو أقرب للروائي، وحالتي مشابهة لكاتبات «الأدب النسائي» اللاتي لا يتعمدن الكتابة عن السيدات. وأرى أن السينما ما زالت مقصرة في هذا الصدد وأعداد كاتبات السينما قليلة جداً. ولم أقرر يوماً أن أجعل أبطالي «نساء» لكنه أمر تلقائي، وفي حال كان بطل أحد أعمالي «رجلاً» فلا بد أن أتخذ قراراً بذلك. والأمر ينطبق على «المؤلف الرجل» فأبطاله من الرجال لأنه يكتب عن العالم الذي يعرفه. ونحن نعيش في مجتمعات تقيم عزلة بين الرجل والمرأة فلا يعرف كلاهما الآخر بفعل العزل بين الجنسين. ويتميز عالم النساء أنه شديد الثراء وتعرّف عنه النساء أكثر من الرجال، ونحن بحاجة لسينما تعبر عن هذا العالم – لا أعني القضايا النسوية – بل عالم المرأة بتفاصيله الخاصة جداً والتي تستطيع سيدة التعبير عن طريق نظرتها من داخله.
> تنجح أفلامك في حصد الجوائز… ماذا عن النجاح الجماهيري هل يحتاج إلى «تركيبة» معينة؟
– هذا ما يظنه المنتجون كنوع من «الاستسهال»، من دون أن يدركوا أن «سينما جديدة» جرى تشكيلها على يد جيل التسعينات والألفية. هذه السينما لا تلقى دعماً يذكر لكنها تتنامى، في محاولة لفرض سينما مختلفة ضد رغبة المنتجين والموزعين، واليقين أنها «السينما القادمة» لكن تحقيقها للنجاح الجماهيري يتطلب دعماً من شركات الإنتاج والتوزيع، ومن المؤسف أن عدداً قليلاً جداً من المنتجين هم من يُقدمون على إنتاج هذا النمط من الأفلام، ونعاني من مشكلة احتكار المنتج للتوزيع، فيقوم بطرح الأفلام عبر عدد ضئيل من دور السينما، وخلال مواسم سيئة من دون توفير الدعاية الكافية ثم يعاودون الشكوى أنها لا تحقق إيرادات. لكن شئنا أم أبينا ستكون هي سينما «الجيل القادم» ولا جدوى من مقاومتها. هذه السينما تحمل أسماء مخرجين من الشباب مثل: أحمد عبدالله وعمرو سلامة ومحمد دياب وكاملة أبو ذكري وآخرين، وتتسم باختلافها عن السينما التقليدية السائدة، وتذكرني بسينما «الثمانينات» التي صاغها عاطف الطيب، ومحمد خان وداوود عبد السيد ورضوان الكاشف وخيري بشارة، التي حوربت حينها من المنتجين التقليديين وأطلقوا عليها «سينما الصراصير»، بينما كانت بداية لتيار «السينما الواقعية» في مصر، وفرضت وجودها بالتراكم والإصرار.
> رحلة هالة خليل مع السينما بدأت من مسرح كلية الهندسة التي قضت فيها 3 سنوات طالبة قبل أن تقرر أن تغادرها إلى دراسة السينما، لكن السنوات الثلاث كانت فاصلة في تحولها الشخصي والمهني، إذ التحقت بها فتاة مصرية تقليدية تنتمي لطبقة محافظة تربي الفتيات من أجل الزواج والإنجاب، فتاة بلا ثقافة لم تقرأ كتاباً طوال حياتها لتتحول إلى متمردة حالمة عازمة على تغيير العالم… كيف تشكلت شخصيتك خلال هذه الفترة وما التحولات التي مررت بها؟
– التحقت بالجامعة خلال فترة شهدت حراكاً سياسياً عقب انهيار الاتحاد السوفياتي ما انعكس على النشاط السياسي في الجامعة، وكان مسرح «الهندسة» الذي التحقت للتمثيل به ذا طابع سياسي، كنت حينها صفحة بيضاء، فانتابني الانبهار وشعور بالضآلة واكتشفت حياة أخرى ممتلئة بالزخم والخبرات والثقافة، وتولد داخلي نهم شديد للمعرفة. وتغيرت نظرتي للسينما حين اتجهت لدراستها، فلم أكن مبهورة بها كـ «فن» بل كنت أراها «وسيلة للتعبير» عن ذاتي وأفكاري الاجتماعية والسياسية و «أداة» لتغيير الواقع. وسرعان ما تحول موقفي خلال سنوات دراستها فقد وجدتها شيئاً أروع، وكائناً جميلاً يُعشق لذاته وليست مجرد وسيلة… فوقعت في غرامها.
> لكن تستغرقين فترة طويلة بين الفيلم والآخر، لماذا؟
– لرغبتي في صنع أفلام تخصني ولا تخضع لشروط يظنها «المنتجون» هي وسيلة النجاح التجاري، فأحياناً يعتقدون أن بطل الفيلم لا بد أن يكون من نجوم الشباك، بينما أغلب موضوعاتي أبطالها من النساء، وهن لسن «نجوم شباك»، والبعض الآخر يعتقد أن أفلام الحركة، أو الكوميديا هي الرائجة. إنهم يبحثون عن أفلام ذات مواصفات محددة تشكل ضماناً مسبقاً للربح.
> يلاحظ أنك تفضلين كتابة أفلامك؟
– الكتابة رغبة قبل أن تكون قدرة، وفعل لا إرادي وليس قراراً أتخذه، وهذا حدث معي منذ البداية فكتبت مشروع تخرجي، ثم كتبت «أحلى الأوقات» مع «وسام سليمان» ثم «قص ولصق»، فأنا منهمكة بالكتابة طوال الوقت، وأحياناً ألجأ إلى مؤلفين أتلاقى معهم في نظرتي للسينما وأطلب منهم أن يكتبوا أعمالاً كي أخرجها.
> مثل من؟
– عبدالرحيم كمال، وهناك مشروع يجمعني به هذه الفترة لكن لم يتم الانتهاء منه.
> ما مشروعك المقبل؟
– «شرط المحبة» (الذي حصد جائزة في مهرجان القاهرة السينمائي)، وهناك أيضاً «نسيم الحياة» سيناريو هناء عطية وإنتاج إلهام شاهين، كان يفترض أن نصنعه قبل «نوارة» لكنني انشغلت بهذا الأخير، بينما انشغلت شاهين بـ «يوم للستات».
> ولماذا توقف مشروع فيلم صلاح جاهين؟
– كتبت الفيلم بمشاركة عبدالرحيم كمال وفشلنا في العثور على جهة منتجة، لأنه من نوع خاص يتطلب إنتاجاً مشتركاً حيث تدور أحداثه بين مصر وروسيا.
> ما السبيل كي تعبر السينما أزمتها؟
– لا بد أن تؤمن الدولة بـ«السينما» وأن تضعها ضمن خططها المزمعة، وهذا يتطلب إيمان القيادة السياسية بقيمة وأهمية السينما كفنّ و «صناعة» توفر مصدراً للدخل القومي. «أزمة السينما» اقتصادية بالأساس، والحل الرئيس يأتي عبر دعم الدولة وتشجيع الاستثمار فيها عبر خطط وقوانين. فلدينا كوادر بشرية عظيمة لكنها تحتاج تسهيلات، وينبغي الإدراك أن «السينما» تمثل بعداً ثقافياً مهماً للغاية في ظل تعرض مصر لغزو ثقافي يهدد هويتها.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق