.

رجاء نعمة: الجوائز تواجه تقهقر الثقافة … ومشكلتها غياب المعايير

مايا الحاج

رجاء نعمة روائية لبنانية مخضرمة وباحثة في التحليل النفسي الدّلالي للأدب، عملت خبيرة دولية في كتابة وتقييم برامج التعليم والتثقيف في عدد من البلدان العربية (لبنان مصر واليمن)، وأصدرت عشرات الكتب والروايات منها: «طرف الخيط»، «حرير صاخب»، «فراس وأحلام المدينة»، «هل رأيتم وردة»، «كانت المدن ملونة»، «وردة شاه»، «صراع المقهور مع السلطة»… أما روايتها الأحدث «شيطان في نيو قرطاج» فكانت أشبه بعمل ملحمي يُعبّر عن زمن «ما بعد الحداثة» الذي بدأ يطحن الإنسان والمدن جاعلاً من إنجازات التكنولوجيا – متمثلاً بالاستنساخ – نذير دمار المدن وأهلها. هنا حوار معها:
> في روايتك «شيطان نيو قرطاج»، تتداخل أنماط روائية عدة عبر الحدوتة العامة، فنجد الخيال العلمي ممزوجاً بالأسطورة تارةً والفلسفة طوراً… ألم يشكّل هذا النوع الجديد من الكتابة مفاجأة أو ربما صدمة عند القارئ العربي؟
– مهما تميز كاتب بأسلوب خاص به، تبقى الرواية مفتوحة على التجدد. فالرواية بالمعنى الإبداعي تستدعي عدداً من الضرورات؛ وقد تكتفي روايات بالتركيز على إحداها أو بعضها أو قد تغتني روايات أخرى بالأبعاد كافة فتؤهّلها من ثم إلى بلوغ العالمية. بعضهم قرأ «شيطان في نيو قرطاج» بِنَهم لم يمكّنه من مغادرتها؛ بينما وجد فيها آخرون صعوبات جعلتهم يقرأونها بتؤدة للإلمام بكثافة أبعادها. ويرجع هذا إلى شائكية الموضوع واستدعاء التاريخ والفلسفات وخصوصية السرد وتعدد الأزمنة والأمكنة، إضافة إلى طبيعة الشخصيات. حاكم المدينة، «كارلوس»، فاقد الذاكرة بسبب حرب قادها في بلاد البلقان. وفنان المدينة «لودفيغ» يهتف بأنه المستنسخ الأول في التاريخ، الهارب من مطارديه إلى مدينة السلام والفنون. شخصيات وملابسات تضطر الكاتب إلى اعتماد حركتي التقديم والتأخير أو الالتفاف على الوقائع لمصلحة المسار الدرامي والمنحى الأسطوري الإنساني وهو مغاير للطابع القدري حيث يتخذ مسار المأساة غالباً مساراً خطيّاً بسيطاً.
> أبطال الرواية هم مذنبون اجتمعوا من دول عدة من أجل بناء وطن مثالي، فكانت مدينة «نيو قرطاج» الفاضلة. هل هذا يعني أنّ قيم الجمال والحب تظلّ أقوى من الشر والعنف؟ أم أنّ طبيعة الإنسان الشريرة لا تستقيم إلا بعد تحقيق رغباتها السادو – مازوشية؟
– لا ريب في أن قيم الجمال والحب، أي ما من شأنه تحقيق الانسجام الكلي «الهارموني» له الغلبة في نهاية الأمر مهما بلغ جور المحن. من بين أبطال روايتي ثمة من هو شيطاني الميول مثل شندلنر وأتباعه، عبدة التكنولوجيا في أقصى استهتارها وتعارضها مع أصل الخلق ورفاه الإنسان. أما فراس فهو شاب اختبر شرّ الحرب اللبنانية وخرج منها حاملاً الذنب ساعياً إلى الطهر والانسجام. كارلوس حاكم المدينة فاقد الذاكرة، يتحمل وزر تاريخ لم يساهم في صنعه… في مدينة نيو قرطاج يحدث صراع طاحن بين الحب والجمال من ناحية وبين أنصار الآلهة المصطنعة لتتحول مدينة السلام والفنون إلى ساحات قتال. الانقسام لن يقتصر على المتحازبين بل يلمّ بروح المؤسس نفسه شندلنر. وكما وقع سابقاً في شر أفعاله وقع لاحقاً في خيرها، أي في هوى أفضل ما صنعت يداه. الحب أفلت الأمور من يده فعشق هوية المدينة التي صارت إليها، نقيض باطنها الخفي، مختبر الاستنساخ. الحب من أقوى دوافع التغيير، وانقسام الذات على النفس هو العذاب الأكبر لكنه مطهر أيضاً حين يهزّ الوعي كما حدث لشندلنر على فراش الموت.
> بعدما بلغت الفوضى العربية ذروتها وصار العنف مرادفاً لحياتنا، هل تعتقدين بأنّ ثمة ما يدعونا إلى التفاؤل عبر الرهان على قيمتي الحب والخير؟
– العبث والفوضى والعنف من صفات العصر الحديث، وإن كان نصيبنا نحن العرب منه يتجاوز نصيب بلدان أخرى. نحن نقع في قلب العالم والتاريخ شاهد على أنه لم يبقَ غاز إلا وجاء إلينا. العنف المحلي لا ينفصل عن العالمي. لكننا نحن العرب مؤهلون أكثر من شعوب أخرى لتجاوز الكوارث وذلك بالنظر إلى عراقة تاريخنا وتجذر إنجازاتنا في السياق العالمي. ولكن، ما لم ننجح في التماسك والتصدي لأسباب التجزئة والتقهقر، فلا ضمانة لنا كما لا ضمانة لأي شعب يعجز عن ذلك.
> لديك موقف معروف من الجوائز العربية غير أنّك رشّحت «شيطان نيو قرطاج» لجائزة كتارا بعيد صدورها العام الفائت. لماذا؟
– مديرة النشر في شركة المطبوعات، سامحها الله، أقنعتني بعد جهد حثيث بأن أتقدم لجائزة «كتارا» عن روايتي «شيطان نيو قرطاج». شرحتُ لها وجهة نظري في ما يخص الجوائز بعد تجربة وحيدة قمت بها قبل 12 عاماً، أقلعت بعدها عن التفكير بمغامرة كهذه. ابتعدت طويلاً عن هذا العالم حتى في الحقبة التي ازدهرت فيها المسابقات، علماً أنني نشرتُ خلالها عدداً من الروايات التي نفدت طبعاتها الأولى، الثانية وحتى الرابعة. ابتعدت جدياً لكنّ ناشرتي انتصرت عليّ ممتدحة «نمطاً آخر من المسابقات»، فاستسلمت. قرأت الكثير من المقالات التي هاجمت كتارا، لكنّ المشكلة ليست في الجائزة ولا في الجهة المانحة التي أرادت ربما دعم المجال الأدبي وتطويره، وإنما في أسباب جوهرية أخرى. فالجوائز لها فائدة أنها تواجه تقهقر الثقافة الورقية بتشجيع المكتوب.
> أين هي إذاً المشكلة في جائزة كتارا أو في غيرها من الجوائز؟
– المشكلة تكمن في غياب الأسس اللازمة للتقييم: غياب الرؤية؛ غياب المعايير؛ غياب نظام متكامل يُمأسس العملية. إن إرساء مثل هذه المعايير وربطها في آلية تتسم بالمرونة والتنوع، إن لجهة التقييم أم لجهة اختيار المقيّمين، وحده يضمن للجهة المانحة وللمعنيين بالجائزة الموضوعية والشفافية وجودة النتائج. ولا أقول ذلك إلاّ لأنني غيورة، مثل كثيرين غيري، على مستقبل الثقافة العربية. نحن جميعاً نتحمل وزر التقصير الناتج من الصمت. جميعنا – من مانحين ومتسابقين ومتابعين – مسؤولون (كل وفق قدراته) عن تطوير هذه المسابقات والإسهام في إخراج نتائجها من العشوائية أو الحسابات الضيّقة إلى رحاب الإبداع.
> كيف يمكننا تصور ملامح هذه المأسسة التي يمكن أن «تُشرعن» هذه الجوائز؟
– ضرورة «الرؤية» تدعونا إلى السؤال عما يجعل رواية ما مهمة؟ أليست المعرفة من الأبعاد الضرورية التي تكشف عن قضايا تحفّز تفكير القارئ وتثري مخزونه الثقافي؟ وماذا عن متعة القراءة وفنيات العمل التي من شأنها جعله جذاباً أنيقاً ومقنعاً؟ واللغة؟ أليس امتلاك الجمال الأسلوبي والتعبير المبتكر الأصيل بعيداً من التغريب أو الشائع والمبتذل، من ضرورات التميّز؟ المهم في الرواية أن تحوي معظم هذه الأبعاد كي يصح اعتبارها مميّزة.
ويبقى سؤال في عملية المأسسة هذه: ماذا عن المقيّمين؟ أقول إنه لا يجوز ترك اختيار المقيّمين للهوى والصدفة والعلاقات. ألم يحن الوقت لاستبدال هذه الشبكات بأخرى تتمتع بأسس صلبة موضوعية وشفافة لا تخضع للأهواء والضغوط ؟ وهنا أسمح لنفسي بالتأكيد على ضرورة إنشاء «بنك خبراء» فيه مختصون في الأدب والثقافة أثبتوا جدارة في الأبحاث؛ حيث يصار إلى تصنيفهم تبعاً للتخصصات والبلدان والقدرات التي تؤهّل المقيّم للمشاركة في هذه المرحلة أو تلك من العملية. مأسسة مثل هذه وحدها تضمن الموضوعية حيث يتولى الحاسوب مداورةً اختيار المقيّمين لهذا العام وغيرهم لذاك وتبقى «اللجنة العليا» للجائزة صاحبة الحق في نقاش النتائج التي ترد إليها عبر شبكة المعايير الممكننة. وصاحبة الحق في حسم الاختيارات، طبعاً على ضوء المعايير ذاتها. ما لم تُمأسس الجوائز ستبقى في غالبيتها، أشبه «بحسنة يا محسنين».

 

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة