متابعات ثقافية و فنية

آمال موسى تمنح مهرجان قرطاج بعداً ثقافياً

محمد الغزي

يُعَد مهرجان قرطاج من أكبر المهرجانات الفنّية العربية وأعرقها. تأسّس عام 1964 ليكون مهرجاناً موسيقيّاً، في المقام الأوّل، يستقبل كلّ صيف، على مدرّجاته الرومانيّة في ضاحية قرطاج التاريخيّة (قرب العاصمة التونسية)، الفنانين العرب والأجانب.
لكنّ هذا المهرجان الذي بلغ من العمر أكثر من خمسين سنة ظلّ في منأى عن كلّ تغيير وتطوير، فكأنّه يعيد إنتاج ذاته باستمرار. لم يسعَ أحد ممّن تولّوا إدارته، إلى تغيير أهدافه أو تطوير برامجه، لذا بقي مهرجاناً ترفيهياً يقصده آلاف المتفرجين خلال فصل الصيف للاستماع إلى «نجوم» الغناء في منطقتنا والعالم.
إلّا أنّ تعيين الشاعرة والأكاديمية آمال موسى، خلال الأسابيع الأخيرة، على رأس هذا المهرجان بدا وكأنه علامة من وزارة الثقافة على إرادة التغيير. تغيير أهداف هذا المهرجان وغاياته وربّما أسلوب إدارته. وقد يبدو الأمر كأنّه خروج على التقاليد التي كرّسها وزراء الثقافة المتعاقبون منذ خمسين سنة والمتمثلة في اختيار مديرين ينتمون، إمّا إلى مجال الموسيقى أو إلى مجال الإدارة، محافظين بذلك على صورة المهرجان كما أرادها المؤسّسون الأوائل، بوصفه فسحة استمتاع وترفيه.
ومعروف أن آمال موسى، التي تمّ تعيينها مديرة للدورة المقبلة، هي شاعرة تونسيّة أصدرت عدداً من الدواوين الشعرية، فاز بعضها بجوائز مهمة، ولها أيضاً دراسات معروفة في علم الاجتماع تناولت مسائل المرأة والديموقراطية والإسلام السياسيّ بالنظر والتأمّل.
ولم يمض وقت طويل على تعيين الشاعرة حتّى أعلنت عن قرارها المتمثل في تطوير برامج المهرجان وأهدافه ليصبح «فضاء تعلو فيه أصوات الثقافات والفنون شدواً وحركة وفنّاً»، كما جاء في بيان المهرجان. وهذا يعني أنّ المهرجان لن يقتصر، بدءاً من الدورة المقبلة، على الجانب الغنائيّ فقط، بل سيحتضن فنوناً أخرى للاحتفاء بها. لهذا اختارت الإدارة الجديدة عبارة «الخيال المبدع» عنواناً للدورة المقبلة. وفي هذا السياق، تقول آمال موسى: «إنّ الخيال هو المحدّد الأوّل للقيمة الإبداعية والأساس الذي تنهض عليه مفاهيم الحداثة والتحديث من نشدان للحرية وإيمان بمبادئ الاختلاف والتعدّد… وهو، الى ذلك، الملكة الأولى التي تتيح للعقل أن يتحرّر من سطوة التقليد والتنميط والسير في المسالك المعهودة ليمضي في اتجاه الجديد والمختلف… ولا شكّ في أنّ مهرجان قرطاج يتّسع لكلّ الرسائل الإبداعية والفنّية التي تنتصر لقيم الجمال والحياة».
هكذا يحتضن هذا المهرجان في دورته المنتظرة لقاءات شعرية وندوات فكرية بعدما كان منذ تأسيسه مهرجاناً فنّياً ذا طابع غنائي. وتقول آمال موسى: «ستكون للشعر حصص مهمّة في هذا المهرجان، إذ لا يعقل أن نتحدّث عن الخيال المبدع ونلغي الشعر. وفعلاً تمّ الاتصال بعدد من الشعراء العرب والأجانب ليضيئوا ليالي قرطاج بأقمار قصائدهم. كما أننا قمنا بالاتّصال بعدد من المفكرين العرب للخوض في جملة من القضايا هي على علاقة قويّة بمجال الشعر والفنّ عامّة مثل قضايا المثاقفة والغيريّة وتنمية قيم الجمال». وأضافت مديرة مهرجان قرطاج: «نريد أن يكون مهرجان قرطاج هذا العام مهرجاناً للفنون في تعدّدها وتباينها واختلاف طرائق تعبيرها». وتوضّح مديرة المهرجان هذا التوجّه الجديد قائلة: «سنجعل من هذا المهرجان مهرجاناً للإبداع، في مختلف أشكاله وتجلّياته. فيه تتجاور الفنون من دون أن تتنافر».
لا شكّ في أنّ هذا التوجّه الجديد سيضخّ المهرجان بدماء جديدة وينقذه من شرك التكرار والنمطية أي من خطر الترهّل والهرم. والأهمّ من ذلك أنّه قد يعقد مصالحة مع المثقفين الذين يرغبون في توسيع فضاءات الإبداع في تونس الجديدة.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة