إضاءات

تجليات الحداثة في الوعي العربي المعاصر

موسى أبو ناضر

يُعرّف معظم المؤرخين الحداثة انطلاقاً من وقائع تاريخية مهمة، بدأت مع سقوط القسطنطينية عام 1453، واكتشاف القارة الأميركية عام 1493، والإصلاح الديني في ألمانيا، والثورة العلمية التي أطلقها كوبرنيك وغاليله، والثورة الصناعية في انكلترا، والثورة الفرنسية.
وعرّف المفكرون الحداثة بقولهم إنها ظاهرة تجسّدت بفكرة الثورة على التقليد، وفكرة مركزية العقل الذي أحلّ العلم محلّ اللاهوت داخل المجتمعات الأوروبية. بالعقل استطاع الإنسان الأوروبي تنظيم المجتمع بطريقة مناسبة لإشباع حاجيات أفراده وإسعادهم، وهو الذي أحلّ دولة القانون والمؤسسات محلّ دولة الاعتباط والامتيازات والرشاوى والمحسوبيات. فقام جوهر الحداثة على الحرية، أي حرية التعبير والتفكير واستقلالية الضمير البشري بالقياس الى كل العقائد الدوغمائية المفروضة على الإنسان.
لقد أحدثت هذه الظاهرة التاريخية التي يتناولها مجموعة من الباحثين، في كتاب يحمل اسم «العرب والمجتمع الحداثي» (دار مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع) تغيرات جذرية في شتى مستويات الوجود الإنساني.
على المستوى السياسي، ارتبطت الحداثة بخصوصية الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات القانونية، والمتكونة من مواطنين أحرار لهم حقوق خاصة، من بينها حقّ المواطنة وحقّ التعبير، وعليهم واجبات منها احترام القانون والعمل بمواده. وتتجلى الحداثة السياسية في نشأة الدولة الديموقراطية، أي الدولة التي يتمّ فيها التمييز بين المجال السياسي والمجال الديني من جهة، والتي تسمح للمواطنين أن يتصرّفوا بحرية في اختيار حكامهم من جهة أخرى.
وعلى المستوى الاقتصادي ارتبطت الحداثة بظهور الملكية الخاصة، واستقلال المؤسسة الاقتصادية، وتقسيم العمل، وسنّ القوانين للسوق التجارية، فضلاً عن الحركة الواسعة من المخترعات، والكشوفات العلمية التي انعكست مباشرةً على تطوير وسائل الإنتاج، بفضل المكننة والتوسّط التدريجي للأدوات والآلات المختلفة في علاقة الإنسان بالطبيعة، ما ضاعف من قدرته على الفعل فيها.
وعلى المستوى الديني، ارتبطت الحداثة بحركة الإصلاح الديني في أوروبا مع مارتن لوثر. ومعلوم أن الإصلاح الديني أدّى إلى تخفيف أعباء التراث وأثقاله عن كاهل الإنسان المسيحي في أوروبا، فانطلق بعدئذ الى فتح العالم وتحقيق ذاته على الأرض، ثمّ جاء التنوير بعد ذلك لكي يُبقي على الجوهر الروحي والأخلاقي فقط، بعيداً من القشور.
وإذا انتقلنا الى المستويين الاجتماعي والأخلاقي، فإن الحداثة ارتبطت بمجموعة القيم والعلاقات الاجتماعية الناشئة عن هذا المجتمع الحداثي. فإذا كان المجتمع القليدي مجتمعاً مغلقاً تحكمه أخلاقيات متشدّدة، وتسوده منظومة قيم واحدة، فإن المجتمع الحداثي يقوم على مجموعة من القيم المنفتحة القائمة على التعدّدية وقابلية التغيير، ومعيارية النسبية والحرية، وبذلك فهو مجتمع متعلّق بالمستقبل أكثر مما هو مشدود الى الماضي، وهذا مايرفع من شأن الفرد على حساب المجتمع، والاختلاف على حساب الوحدة.
يمكن اعتبار المستويات السابقة قاعدة أو بنية تحتية للحداثة، في حين تشكّل التغيرات التي شهدها الجانب الفكري بنية فوقية تتمثّل في تحوّلات جذرية أصابت مفاهيم الكون والمجتمع والإنسان والتاريخ والدولة. ولكن لا يكفي أن توجد التطبيقات التكنولوجية للعلم في مجتمع ما لكي نقول إنه مجتمع حديث، لهذا ينبغي التمييز بين الحداثة الفعلية والحداثة المادية. فالحداثة المادية ليست أكثر من إدخال التقنية واستيراد الآلات، وتحسين طرق الإنتاج، وهذا ينطبق على أكثر البلدان العربية والإسلامية التي شهدت وتشهد نوعاً من الحداثة المادية، من دون أن يرافقها أي تغيير ملموس في الحداثة العقلية من خلال تحديث اللغة والثقافة والأنظمة السياسية والاجتماعية.
والسؤال الآن أين يقف العرب من مشروع الحداثة؟ وكيف أدركوه؟
في واقع الحال، أدرك الوعي العربي المعاصر الحداثة في وجهيها السلبي والإيجابي. الوجه السلبي ظهر في الدعوة الى ثورة على الأوضاع الفكرية والاجتماعية القائمة، والوجه الإيجابي تجلّى بالتطلع نحو حياة جديدة تتحرّر فيها النفس البشرية على الصعيد الفكري من ربقة الماضي، ويتحرّر فيها الفرد والمجتمع على الصعيد السياسي والاجتماعي من ربقة التقاليد الموروثة، ومن الاستعباد في كل أشكاله.
مرّ فعل الإدراك العربي للحداثة في مراحل عدة. المرحلة الأولى هي المرحلة التي تنعت باليقظة أو النهضة، وفيها حصل الوعي بالتأخر العربي المزدوج. تأخر العرب بالنسبة الى ما كانوا عليه زمن النبي العربي الكريم، وتأخر العرب حالياً بالنسبة الى قوة الغرب وتفوقه على الصعيد العسكري والحضاري، كما ظهر في حملة نابليون على مصر. المرحلة الثانية تعرف بمرحلة الاستعمار حيث تمّ وعي الحداثة باعتبارها معطى غربياً يمثّل القوة المادية والتفوّق التكنولوجي، والهيمنة الثقافية للبلدان الغربية. هذا المعطى فرض على العرب التحديث فرضاً باسم الاستعمار الذي أوهم الشعوب العربية بأنه جاء لمساعدتها في سلوك طريق الحضارة والتمدّن، ولكن بدل أن يخلخل البنيات التقليدية لهذه الشعوب إذا به يعمّق تخلّفها، ويثير فيها كل الحسسيات المتعلقة بالمذاهب الدينية والعنصرية الفكرية. المرحلة الثالثة هي أكثر المراحل امتلاء بالتناقضات والخيبات معاً، إنها مرحلة بناء دولة الاستقلال في العالم العربي، تلك الدولة التي يناسبها تسمية دولة الاستبداد بدل دولة الاستقلال. وهي باسم التحديث أنهكت ناسها وفرضت عليهم تارة حكومات مخابرتية وأحياناً حكومات مذهبية.
المرحلة الرابعة هي المرحلة التي نعيشها اليوم والتي تعرف بالعولمة. وللعولمة في وعي العرب للحداثة آثار وانعكسات قوية. فمن الناحية الاقتصادية تتبدّى في الخضوع لهيمنة شركات قليلة من عابرات العالم، والسيطرة على السوق العالمية، واحتكار سلعها والتحكّم بإنتاجها وبيعها. أما من الناحية الثقافية فالعولمة تؤدّي إلى جعل النموذج الأميركي الاستهلاكي نموذجاً ثقافياً شمولياً على حساب الثقافات الوطنية، ومن ثمّ هو يستهدف أن يجعل من التحديث لا مرادفاً للتغريب فحسب، بل يقصره داخل الدائرة الغربية على «الأمركة» تحديداً.
في الخلاصة لابدّ من الاعتراف بأن العالم العربي يعيش اليوم، كما عاش مع انطلاق النهضة في القرن التاسع عشر، حالة صراع بين القيم العربية الإسلامية، والقيم الكونية التي حملتها الحداثة، وتحملها اليوم العولمة. صراع أبعد ما يكون عن الحسم، لأنه مازال متحفّظاً على مجلوبات الحداثة، ومسكوناً بالتقليد.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة