متابعات ثقافية و فنية

بسبب طول أمد الحرب: كارثة مُرتَقبة تُهدِد الآثار والمتاحف اليمنية

أحمد الأغبري

لا يقتصر تأثير الحرب على تراث اليمن المادي فيما ألحقته وتُلحقه العمليات العسكرية من خراب ودمار في المواقع والمعالم الأثرية والمُنشآت الثقافية؛ بل لعل تأثيرها غير المباشر يُمثلُ خطراً موازياً، إن لم يكن أكبر بكثير؛ فما يمارسه اللصوص في المواقع الأثرية والقوارض في المخازن المتحفية بات يُنذر بكارثة تُهدد ذاكرة اليمن.
وتكشف الهيئة اليمنية للآثار والمتاحف عن بدء التلف في مخزون متاحف البلاد، بسبب طول أمد الحرب؛ معلنة بدء العد التنازلي لما اعتبره كارثة مرتقبة.
يقول رئيس الهيئة مُهند السيّاني لـ«القدس العربي»: لقد بدأ، فعلاً، العد التنازلي لكارثة حقيقية مرتقبة قد تُهدد كامل مخزون اليمن من الآثار في المتاحف بسبب طول أمد الحرب في ظل إمكانات تخزين تقليدية جداً أصبحت معها القوارض والحشرات والعوامل البيئية تمثل تهديداً كبيراً لمخزون البلاد الآثاري؛ إذا لم يتم تلافي الوضع بتوفير المواد والأوعية اللازمة».
اندلعت الحرب في اليمن (توشك أن تكمل عامها الثاني) ومعظم متاحف اليمن مغلقة؛ لتؤدي الحرب إلى تدمير ونهب بعضها، وما تبقى منها يمثل استمرار إغلاقها لنحو عامين وأكثر، خطرا قد تتجاوز آثاره نتائج التدمير والنهب، إذا لم يتم تداركه، في ظل واقع متحفي يمني تقليدي؛ وهو الواقع الذي كان يتسبب بكثير من المشاكل في مراحل ما قبل الحرب؛ وبالتالي فإن هذا الواقع يُمثل، مع استمرار الحرب، تهديداً كبيراً، إذا لم تُبادر الهيئة المعنية وتتحمل مسؤولياتها بشجاعة، وتعلن عن خطوات حقيقية تدفع المنظمات الدولية لمساندتها ودعم جهودها لإنقاذ مخزون آثار البلاد التي تشهد حرباً منذ 28 آذار/ مارس 2015.
مع بدء هذه الحرب، يقول رئيس الهيئة إنه تم الإيعاز لمديري المتاحف في عموم البلاد اتخاذ ما يرونه يضمن تخزين وحفظ مخزون المتاحف بما يجنبه أي اعتداء، إلا أن اتخاذ تلك الإجراءات التقليدية – وفق مُهند السيّاني- تم على اعتبار أن الحرب ستستمر شهوراً؛ لأنها، في حقيقتها، إجراءات تقليدية جداً، وتفتقر، بسبب الحرب، لأبسط الاحتياجات اللازمة؛ وبالتالي ومع طول أمد الحرب، فقد وجدنا أن مخزون المتاحف والمخازن (22 متحفاً ومخزناً تتبع الهيئة) بدأ يواجه مخاطر القوارض والحشرات، بالإضافة إلى العوامل البيئية، ووفقاً لتقارير بعض المتاحف – والحديث مازال للسيّاني – فإن القوارض وحشرات الأرضة وغيرها قد أتلفت بعض القطع، وكذلك العوامل البيئية المتمثلة في الرطوبة والأتربة والهواء والأضواء وغيرها، قد تسببت، أيضا، ببعض التلف؛ وهنا فإن استمرار الوضع كما هو عليه سيؤدي إلى استمرار اتساع دائرة هذا التلف، خصوصاً في ظل استمرار افتقارنا للمواد الكيميائية والأوعية الخاصة ذات العلاقة بالقطع الأثرية العضوية منها والخشبية وغيرها؛ وهنا نكون أمام كارثة.

السلطة القاصرة

ما يؤسف له أن كافة السلطات بمختلف مستوياتها في اليمن بما فيها السلطات المعنية ليست بمستوى الوعي الذي يجعلها تواجه مسؤولياتها بإصرار على إنجاز ما يمكن إنجازه تجاه تراث البلد، سواء في المواقع الأثرية أو في المتاحف والمخازن (بعض المخازن لا يمكن للسلطات المعنية الوصول إليها)، وسواء في أوقات السلم أو أوقات الحرب، ونتيجة لذلك ماتزال البلاد تفتقد لبنية تحتية متحفية ملائمة حتى اليوم بعد عقود طويلة على افتتاح أول متحف وإنشاء هيئة مختصة، والمحصلة لا فرق؛ فالجميع أمام التراث كأنهم عميٌ، وهو ما يتجلى واضحاً بالنظر ـ مثلاً ـ إلى واقع المتاحف والمخازن، وعلى الرغم من البداية المبكرة للمتاحف في اليمن على مستوى المنطقة، التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما شهدت مدينة عدن افتتاح أول متحف في منطقة الصهاريج، إلا أن جميع المتاحف الأثرية (الوطنية، الإقليمية والمتخصصة) مازالت تفتقد لأبسط المقومات؛ فهي بلا مبانٍ مؤهلة أو تجهيزات حديثة، ولا يتوفر لها أهم ما يمكن توفيره لأي متحف في العالم من إمكانات: التوثيق والترميم والتخزين والحماية؛ لدرجة أن البلاد لا تمتلك قاعدة بيانات لمحتويات وأوضاع متاحفها؛ ونتيجة لذلك؛ فإن غياب توثيقها ـ مثلاً ـ يسّهل من عمليات سرقتها والعبث بمحتوياتها، كما أن افتقادها لإمكانات الترميم يتسبب بتلف بعضها وتراجع الاستفادة منها، أما افتقارها لإمكانات التخزين والحماية فمشكلة أكبر على اعتبار أن مخزون اليمن الآثاري أكبر من قدرة متاحفها على العرض؛ وهو ما يصبح معه واقعها مهدداً في الظروف العادية، ويصبح هذا التهديد أكبر مع إغلاق معظم المتاحف والمخازن قبل الحرب؛ وبالتالي فإن استمرار إغلاق جميعها طوال فترة الحرب وتحويلها جميعاً إلى مخازن مع احتمال استمرار الحرب؛ كل ذلك قد يتسبب بكارثة، باعتبار الوضع متعلقا بمجمل مخزون البلاد من الآثار؛ وهي كارثة حقيقية لا تتوقف قراءتها هنا على التلف الناجم عن عوامل عضوية وبيئية، بل تمتد إلى مخاطر أخرى محتملة، ومتمثلة في إمكانية تعرضها للنهب والسرقة بفعل تراجع سلطة الدولة عما كان عليه الوضع قبل الحرب، كما حصل لمخزون أحد المتاحف في مدنية تعز/ جنوب، والذي مازال مصير هذا المخزون مجهولاً حتى الآن، على الرغم مما اتخذته الهيئة المعنية من إجراءات نقلت بموجبها المخزون إلى أماكن كانت تعتقد أنها آمنة وستجنبها القصف والنهب، ومع ذلك اختفت.

مخاطر متعددة

وفي ظل واقع كهذا فإن الحشرات والقوارض والعوامل البيئية لا تمثل، وحدها، الخطر المحدق بمخزون آثار اليمن، بل يمتد إلى العوامل البشرية وأقصد اللصوص، الذين قد يكونون، أحياناً، من دائرة العاملين على هذه الآثار، خصوصاً في ظل عدم وجود توثيق وأرقام وبيانات دقيقة، ما يجعل من ضعف نفوس بعض العاملين عليها تهديداً كبيراً لها؛ وهو ما أثبتته سرقات تعرضت لها متاحف في البلاد (قبل الحرب)، وكشفت التحقيقات ضلوع عاملين في المتاحف؛ وبالتالي فإن خطر كهذا سيكون (خلال الحرب) وارداً ومحتملاً مع تدهور الأوضاع المعيشية. كما يشمل الخطر البشري هذا، أيضاً، العبث والإهمال في ظل ضعف تأهيل العاملين عليها. كما يمتد تهديد العوامل البشرية لمخزون متاحف البلاد خلال الحرب إلى ما تمارسه بعض السلطات نتيجة ضعف وعيها بأهمية هذه الثروة؛ ما يدفع ببعضها إلى التعامل مع هذه الثروة بأسلوب قد تدفع بها للصوص بقصد أو دون قصد، بدلاً من أن توفر لها الحراسة وتحميها، ولعل ما تعرض له متحف مدينة إبّ/ وسط، مؤخراً يمثل شاهداً حياً على ذلك، حيث أصدرت سلطة المحافظة تعليمات للأجهزة الأمنية، بفتح المتحف وتحريز محتوياته في إحدى الغُرف، وتسليم المبنى لمواطنة كانت في نزاع على المبنى. وتقول معلومات إن بعض محتويات المتحف شوهدت تُباع في الأسواق الشعبية في مدينة إب عاصمة المحافظة… ووفق رئيس الهيئة اليمنية للآثار والمتاحف فإن السلطة المحلية لم تُشعِر فرع الهيئة أو إدارة المتحف بذلك وتم فتح المتحف وتشميع محتوياته.
الجدير بالإشارة هو أن عددا من المتاحف في عدد من مناطق البلاد (قبل الحرب) تعرض إلى عمليات سرقة، منها المتحف الوطني وسط صنعاء، وهو أكبر متاحف اليمن ويضم أكثر من ستين ألف قطعة أثرية، وكذلك متحف عدن الوطني/ جنوب، ومتحف المكلا حضرموت/ شرق. كما تعرضت متاحف (خلال حرب الجيش اليمني مع تنظيم «القاعدة» عام 2011) للسطو المسلح كمتحف زنجبار في أبين/ جنوب، وكذلك متحف ومخزن لحج / جنوب. أما خلال الحرب المستعرة حالياً فقد تعرضت متاحف للقصف والتدمير؛ فمتحف ذمار/ وسط تم قصفه بطيران التحالف وتدميره كليةً بمعظم مخزونه الآثاري، وكذلك متحفا صالة والوطني تعز/ جنوب اللذان استهدفهما طيران التحالف، ومن ثم نيران الأطراف المتصارعة على الأرض، بالإضافة إلى متاحف أخرى طالتها هذه الحرب بأشكال مباشرة وغير مباشرة.

وضع يُرثى له

ذلك عن وضع الآثار في المتاحف والمخازن؛ فماذا عن وضعها في المواقع في أنحاء البلاد خلال الحرب الراهنة التي تراجعت وتعددت بسببها السلطات؟ هنا تنوه الهيئة اليمنية للآثار والمتاحف بما اعتبرته وضعا يُرثى له جراء تزايد واتساع عمليات تخريبها ونهبها وسرقتها في كل مناطق البلاد، من قبل عصابات استغلت وضع الحرب وتراجُع حضور السلطات لتعمل بحرية وتمارس نشاطاً غير مسبوق على صعيد تخريب وسرقة المواقع الأثرية؛ وهو ما لم لا تستطع معه الهيئة سوى الاكتفاء عبر فروعها في المحافظات بمخاطبة السلطات المحلية لكن دون جدوى.
وإن تبقى من كلمة لكاتب السطور فهي إن تراث اليمن لا ينتظر كارثة مرتقبة، بل هو يعيش، الآن، كارثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ ولأن التراث إنساني بالدرجة الأولى؛ فعلى العالم أن يلتفت لهذا الواقع واتخاذ ما يضمن محاصرة هذه الكارثة وإنقاذ تراث هذا البلد وفق التدابير التي سبق واتخذتها المنظمات الدولية مع تجارب بلدان عاشت ذات المأساة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة