.

البارتيون العرب نقاد فاشلون ونصوصهم باهتة

حسونة المصباحي

غالبا ما أتخيّل المبدع، كاتبا كان، أم شاعرا، أم ناقدا، أم فنانا، أم صيّادا يخرج في أيّ وقت من النهار أو الليل ليغوص في تلك الغابة الكثيفة، التي هي غابة المعرفة والخيال بحثا عن شوارد الأفكار وغريب الصور. فإن هو عاد بواحدة منها أو بأكثر من ذلك، فإن صيده يكون ناجحا وموفّقا. وإن هو عاد بلا شيء، فإنه يكون مثل أولئك الذين يسمّيهم الإنكليز بـ”طرادي الإوز البري”، وهم الصيّادون الذين يخرجون للصيد ويعودون بجراب خاوية.

وأظن أن النقاد العرب في جُلّهم من طرادي الإوز البري. فالذي أنتجوه في هذا المجال، مجال النقد الأدبي تحديدا، هو كما يقول الناقد الكبير مارون عبود “مراع لسوائم التقليد وزرائب لشويهات النقل، ومستودعات لسوائم اللغة، لا مَثَل لها إلاّ تلك المخازن التي تكتري منها الثياب للسهرات والطقوس المحدد لها طراز خاص من أزياء تواضع عليها الناس“. وأظنّ أنّ ما أفقد الشعور والإحساس في أدبنا، وقتل الملكة النقديّة في ثقافتنا العربية.
يقظة مزيفة

في لحظة ما من تاريخنا المعاصر، خلنا أن “اليقظة” قد تمت، وأن لغة الضاد استعادت شفافيتها وعافيتها، وصدقها، وقدرتها على كشف المخبوء في حياتنا، وفي واقعنا، وجرأتها على صدم أولئك الذين يعملون على إعادتها إلى الجحور المظلمة التي ظلت محبوسة فيها على مدى قرون مديدة. وكنا نعتقد أن شجرة الحرية، تلك الحرية التي من دونها ينتفي الخلق والإبداع، قد مَدّت جذوعها عميقا في الأرض، فما عاد أحد يقدر على اقتلاعها. وكنّا نحلم بأن نكون قادرين على أن ننتج أدبا يضاهي عظمة آداب الأمم الأخرى، إلاّ أن كلّ هذا أضحى سرابا. فمن جديد عادت لغة الضاد لتكون لغة التخويف والترهيب والقتل والتحريم. لغة الهراوة الغليظة المرفوعة أمام كل من يرغب في الحرية. حرية الكلمة والفكر. وهكذا أضحى أدبنا في مجمله رُكاما من الكلام المجترّ المكرور.

مُتحدثا عن فيكتور هوغو، كتب الشاعر بول كلوديل يقول “لا شيء يميت الأمم كالاستنقاع من بؤرة التعفّن والفساد، وكالاطمئنان إلى الراحة والارتضاء بالدون، وكترك الواجب والتردّد في التضحية“. وأعتقد أن هذا ما أصاب العرب، فإذا بأدبهم معتلّ، وثقافتهم باهتة، وفاقدة للقدرة على الابتكار والخلق والتجدد. وأظنّ أنّ تقليد التيارات الفكرية والأدبية والنقديّة الغربية ومحاكاتها بشكل مبتذل وسطحيّ هما أحد الأمراض التي يعاني منها الأدب والنقد في العالم العربي راهنا.

نحن لا ننكر أن فتنة المثقفين والنقاد العرب بالناقد الفرنسي المرموق رولان بارت قد وفرت لهم مفاتيح جديدة في مجال النقد، وقراءة النصوص النثرية والشعرية، وأكسبتهم شيئا من القدرة على تجاوز الأساليب الانطباعية والسطحيّة. مع ذلك، يجدر بنا بعد هذه المعاشرة العربية الطويلة لرولان بارت، أن نسأل، هل هناك من النقاد العرب من يشبهه؟ وبمعنى آخر هل هناك ناقد عربيّ تمكن اعتمادا على مؤلفات صاحب “الدرجة الصفر في الكتابة”، أن يبدع نظريّات وأساليب نقدية جديدة ومتميزة؟

وعلى هذين السؤالين يمكن أن يجيب البعض قائلين إن نقادا مثل جابر عصفور في مصر، وعبدالله الغذامي في المملكة العربية السعودية، وعبدالسلام المسدي ولطفي اليوسفي في تونس، وعبدالفتاح كيليطو ومحمد برادة ومحمد بنيس في المغرب، وآخرين في العراق، أو لبنان، أو سوريا، أنجزوا المهمة على أفضل صورة، وقدموا نصوصا نقدية تجعلنا لا نتردد في الثناء عليها باعتبارها عاكسة للرؤية النقدية لدى رولان بارت. لكن إذا ما نحن تفحصنا هذه النصوص بموضوعية وبدقة، فإننا سنصاب بالخيبة. وأول شيء نستنتجه من هذا التفحص هو أن النقاد “البارتيين” العرب لم يأخذوا من رولان بارت إلاّ القليل، مُهملين الجوانب الأساسية في فكره وفي منهجه.

ففي حين يعتمد رولان بارت على ما يسميه بـ”لذّة النص” ليقرأ الماركيز دو ساد، أو مارسيل بروست، أو فلوبير، أو كورناي، أو راسين، أو غيرهم، مبدعا نصوصا نقدية توازي في جماليتها وفي عمقها النصوص المنقودة، تأتي نصوص “البارتيين” العرب في أغلبها باردة، باهتة، مُصْطنعة، وخالية أو تكاد من تلك المتعة التي كان بارت يطمح إلى تقاسمها مع القارئ. وربما لهذا السبب شعرت في أكثر من مناسبة، وأنا أقرأ نصا نقديّا عربيا، بأن النص الموضوع تحت المجهر فقد نضارته وخُطفت منه روحه.

ولعل أفضل من يردّ على “البارتيين” العرب هو بارت نفسه، حيث يقول “نحن نعرف المنشار: الإفراط في الذكاء يمكن أن يكون مضرّا. الفلسفة رطانة غير مفيدة على الإطلاق. لا بدّ من الاحتفاظ بمكان للعاطفة، للغريزة، للبراءة، للبساطة. الفن يموت بسبب المبالغة في العقلانية. العمل الفني لا يتحمل النظام الصارم.

وباختصار، الاعتماد كثيرا على العقل أمر عقيم“. وبواسطة اللغة، حلّل رولان بارت الظواهر الفاشية في أوروبا، والتي كان يرى أن هدفها الأساسيّ هو القضاء على فئة المثقفين قضاء تاما ونهائيا. وقد أنعم الله علينا، نحن العرب، بالعديد من الأنظمة الاستبدادية، وبحركات أصولية متطرفة تُكفّر من يخالفها، وتطلق دعوات للقتل والتخريب باسم الإسلام. ومع ذلك، لا يكاد يوجد ناقد عربي واحد من أتباع رولان بارت اعتمد على لغة الضاد ليحلل الخطاب السياسي الاستبدادي أو الخطاب الأصولي التكفيري الذي يدعو هو أيضا تماما مثل الخطاب الفاشي إلى القضاء على المثقفين.
إهمال النقاد

انطلاقا من أدوات هذا العصر، عصر الصناعة والتكنولوجيا، مثل التلفزيون والموضة، والكوكا كولا، والجينز، تمكن رولان بارت من تحليل المجتمع الغربي الاستهلاكي، وكشف آلياته وميكانيزماته، مُعرّيا الفاشية المتخفية وراء السلع المعروضة. تلك الفاشية التي تفقد الإنسان إنسانيته، وترمي به في متاهات الضياع والتلاشي.

عرفت المجتمعات العربية خلال العقود الماضية انقلابات هائلة في نمط حياتها وفي عاداتها وتقاليدها، وفي العلاقات الاجتماعية والعائلية. وتوسعت العواصم والمدن وغزت التكنولوجيات الحديثة، ممثلة في الإنترنت والهاتف الجوال، الأرياف. وبعد أن شغف العرب بالزي الأوروبي مثلما كان حالهم في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، أصبحت أعداد كبيرة منهم تميل إلى الزي الأصولي المنتشر في أفغانستان وباكستان. وفي البعض من البلدان التي حصلت فيها المرأة على حقوقها، عاد الحجاب ليبسط نفوذه من جديد على عدد كبير من النساء، الشابات منهن بالخصوص.

وبالإضافة إلى كلّ هذا، فقد ظهرت طبقات اجتماعية جديدة لا هدف لها غير الحصول على الثروة، وبأيّ طريقة كانت. وزيّنت المائدة التونسية، والمصرية، والمغربية، والعراقية وغيرها بأنواع من الأطباق لم تكن مألوفة من قبل. إلاّ أن نقادنا العرب “البارتيين” لم يدرسوا مثل هذه المتغيرات وهذه الظواهر، ولم يكشفوا عن دلالاتها ورموزها وتأثيراتها السلبية أو الإيجابية على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. بل نراهم يتصرفون وكأن هذه المظاهر لا تعني لهم شيئا يذكر، محنيين ظهورهم لعواصف الأفكار السوداء التي يعمل أصحابها على إعادة المجتمعات العربية إلى الوراء.

وثمة ظواهر أخرى أهملها النقاد “البارتيون” العرب. ومن ذلك مثلا ظاهرة الفضائيّات التي أصبحت تتمتع برواج لم يسبق له مثيل. وثمة الملايين من سكان المدن الكبيرة وسكان الأرياف يتابعون برامجها. والأغلبية الساحقة منهم يتخذونها مراجع أساسية في حياتهم وفي مواقفهم السياسية والأيديولوجية وغير ذلك.

وكما هو معلوم، تنشر البعض من هذه الفضائيات، وتشيع ثقافة هجينة ومتخلفة وأصولية، وتكفيرية. والتقدم بحسب منظارها “ليس السير نحو المستقبل، وإنما هو في العودة إلى الماضي”، كما يقول أدونيس، إذ أن مثلها الأعلى نظريا هو “الإيمان المطلق بكمال الماضي، وهو عمليّا الخضوع للمؤسسات السياسية أو الدينيّة أو الاجتماعية التي تمثله”. وبواسطة التقنيات الحديثة والمتطورة، تفرض الفضائيات العربية ما يسميه أدونيس بـ”عالم القبول”.
وبفرضها لهذا العالم “يتعطل الحسّ النقديّ، ويبطل التمييز بين القديم والجديد، وبين الماضي والحاضر، وبين الثابت والمتحول، ويسيطر كمال الماضي وقيمه. ولا تعود هناك حاجة إلى الكشف أو إلى آفاق فكرية جديدة، وتنعدم التجارب الشخصية والحرية”. ومع ذلك، يقف النقاد “البارتيون” الذين يتباهون بأنهم على معرفة بفلسفة جيل دولوز، وميشال فوكو، وجاك دريدا، صاغرين صامتين أمام هذه الثقافة السوداء، التي تعمل في الخفاء وفي العلن، على إبادة كل ما هو جميل ومفعم بالنور ونابض بالحياة في ثقافتنا العربية، مهددة الكتاب بالحرق والموت، ومقصية المبدعين والمفكرين الجادين لتضع مكانهم الدجالين والمشعوذين وتجار البلاغة.
ليفي وبارت

في حوار أجراه معه برنار هنري ليفي مطلع العام 1977، قال رولان بارت “أنا أبحث عن كتابة لا تدعو إلى الشلل أو الجمود، ولا تكون مسببة فيهما. في الآن نفسه، لا يجب أن تكون هذه الكتابة مألوفة وعادية”. لكن هل فهم نقادنا “البارتيّون” الدلالة العميقة لهذه الجملة؟ لا أظنّ ذلك. فجلّ كتاباتهم متكلفة ومصطنعة، تتعمد الغموض، ربما لإخفاء الضعف والسطحية.

وهذا ما يجعل القارئ أو السامع ينفر منها ويعزف عنها.

ومن هنا ندرك سبب التهميش الذي يعاني منه الخطاب الحداثي في ثقافتنا العربية. وهو تهميش يأتي في الغالب من داخل هذا الخطاب نفسه، وليس من خارجه. وبذلك أصبح قوام هذا الخطاب “اللعب لا الواقع، والكلمات لا الإنسان”، كما يقول أدونيس. وعندما تنعزل الحركة عن الواقع، فإنها تتحول إلى تكرار فارغ وممل. وعندما تنعزل الكلمة عن الإنسان، تبطل أن تكون وسيلة خلق وإبداع، لتضحى زخرفة وبلاغة قبيحة وفضفاضة على شكل الجبة الأصولية، وتلك هي مأساة نقدنا العربي.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة