متابعات ثقافية و فنية

عن غواية المدينة وسحرها: لماذا تجذب القاهرة الكاتب العربي للإقامة فيها؟

أحمد مجدي همام

كتب الشاعر العراقي سعدي يوسف في مديح العاصمة المصرية: «ونأتي القاهرةْ/
مثلَ ما نأتي إلى جَدَّتِنا بعد طوافٍ خائبٍ/ أيتُها الـجَدّةُ /كم أرهَقَنا العالَمُ / يا أيتها الـجَدّةُ ضُـمِّــينا إلى أحفادِكِ المنتظِرين …».
وبالفعل، تبدو القاهرة في زمانها هذا كجدّة، طاعنة في العمر، وطاعنة في الجمال أيضاً، إذ لا تزال عاصمة المصريين تحتفظ ببعض مجدها الغابر، لاسيّما في ما يتعلّق بوزنها الثقافي، حيث لا تزال مقصداً للكتّاب والفنانين العرب، مدينةٌ للإقامة، ماضية في ذلك عكس ظرفها الاقتصادي المنهار، وأحوالها السياسية التي ليست في أحسن أحوالها. فاليوم، وفي ظل أوضاع مضطربة في فلسطين واليمن وليبيا والسودان وجنوب السودان وسوريا والعراق، باتت المدينة ملاذاً آمناً وجاذباً للعديد من الكتّاب العرب، الذين اختاروها بيتاً للسكنى، لتواصل بذلك حاضرة مصر الأولى لعب دورها التاريخي كمدينة حاضنة للأدب العربي.
في المساحة التالية ترصد «القدس العربي» ثلاثة أسباب رئيسية، تشجّع الكتّاب العرب على الهجرة للقاهرة والسكن فيها.

الثقل التاريخي والثقافي

الجميع مروا من هنا، كتّابا وفنانين وممثلين ومطربين، كانت القاهرة وما زالت رغم كل شيء مدينة حاضنة للفن والأدب، وهذا ما يشرحه الروائي السوداني حمّور زيادة المقيم في القاهرة منذ تسع سنوات: «ميزة القاهرة للمثقفين تنبع من مجدها القديم كمركز ثقافي شبه وحيد لسنوات طويلة. هذه المركزية وإن اهتزت ﻷسباب كثيرة لكن حالة الحنين والصورة الذهنية القديمة مازالت تقود المثقفين العرب إليها. ويعين هذا الحنين نشاط الوسط الثقافي المستقل حتى على المستوى الفردي؛ حيث مازال المثقفون المصريون يلتقون بشكل شبه ثابت بغض النظر عن الفعاليات الثقافية. هذا الأمر يعطي إقامة المثقف العربي في القاهرة حيوية».
الشاعر والناشر اليمني هاني الصلوي ومدير أروقة للنشر، يقيم هو الآخر في القاهرة منذ سنوات، يقول: «كانت القاهرة تحديدًا منذ بداية القرن المنصرم مركزًا مهمـاً (منصةً) للإبداع العربي وهو أمر لا يجهله متابع أو متأثر، وبذلك مارس مبدعوها في هذه الفترة تأثيرًا على أدباء الأقطار الأخرى، وعلى كنه الإبداع ذاته بحكم التيارات المتعاقبة على الكتابة العربية طيلة هذه المساحة الزمنية. مع مجيء الإنترنت اعتقد كثيرون أن مركزية القاهرة ستقل وتتضاءل وهو ما حدث مع أماكن وفوّهات مكانية موازية، غير أن ما حدث ــ إلى الآن على الأقل ــ هو العكس؛ إذ اكتسبت القاهرة أبعـادًا جديدة داخل هذا الزمن الشبكي المتماوج، لأنَّ كثيرًا من السمات التي جاء به الجديد الذهني (بتوفيره مكانًا رابعـًا على مواقع التواصل على سبيل المثال) متوفرة في البنية الأساسية الرمزية والواقعية للقاهرة، فهي مدينة متعددة ومتنوعة وصاخبة، والأهم من ذلك ــ بالنسبة للفنان ــ فضاء حيوي للإبداع».
يقيم القاص الجنوب سوداني سايمون أبرام في القاهرة ضمن تجمّع كبير لمواطني جنوب السودان في أحياء بعينها من المدينة. يطرح إبرام عدّة أسباب جعلته يختار الإقامة في القاهرة: القاهرة كانت ولم تزل قِبْلة مميزة ولا سيما للكاتب الجنوب سوداني، ومرد ذلك إلى الكثير من البواعث منها، المكانة الإقليمية التي تتبؤها كمقر دائم لمعظم الأجسام النقابية والهيئات والمنظمات على مستوى قارتنا أفريقيا والوطن العربي، الأمر الذي جعل منها بقعة نشيطة لا تهدأ على مدار العام، ففيها تقام الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، كالمؤتمرات والمنتديات والندوات وفي كافة المجالات.. هذه كلها شكلت مصدراً مهماً لجذب الكاتب الجنوب سوداني الشغوف، الذي يشرئب دوماً إلى التوسع والتعمق في العلم والمعرفة».

وِسْط البَلد.. الحي الثقافي

عشرات المراكز الثقافية والمكتبات ودور النشر والسينمات والمسارح وغاليريهات الفنون البصرية تتناثر بكثافة في منطقة وسط البلد التي تقول عنها ويكيبيديا: «وسط القاهرة – أو (وسط البلد) كما يعرّفها أهلها، هي القلب التجاري لمدينة القاهرة، وتشمل أحياء: وسط القاهرة – الدرب الأحمر- الموسكي – الخليفة – المقطم – باب الشعرية – السيدة زينب. من أقدم أحياء القاهرة وأرقاها تخطيطاً وعمارة، بناها الخديوي إسماعيل إبان افتتاح قناة السويس لتكون واجهة مشرفة لمصر، وتم تخطيطها وتصميمها على أحدث الطرز المعمارية الأوروبية».
يقيم الشاعر اللبناني فيديل سبيتي في القاهرة منذ شهور. وكتب لـ«القدس العربي» عن سحر منطقة وسط البلد: «يغيب الفرق بين الليل والنهار في وسط البلد في القاهرة. بالنسبة لشخص مثلي هو بين السائح والمقيم، لا بد من مماشاة حياة الساهرين في زواريب ميدان طلعت حرب، وهؤلاء أصدقاء يعملون في ميادين الثقافة، صحافيين وروائيين وشعراء وصانعي أفلام وممثلين وموسيقيين، وينتمون إلى أجيال مختلفة سنا وفي طرائق التفكير، وهؤلاء ليسوا جميعاً مصريين، إذ يخالطهم فلسطينيون ويمنيون ولبنانيون وسوريون، وبعضهم أقام في وسط البلد منذ فترة، وبعضهم الآخر يمرّ مرورا كريما قبل أن يعود إلى بلاده، أو ينتقل إلى بلد آخر كانت القاهرة واحدة من محطاته في سبيله الى الهجرة.
في الزواريب المتفرعة من ميدان طلعت حرب ستجد كل ما تحتاجه، المقاهي التي يحب المثقفون التواجد فيها وعلى رأسها مقهى «زهرة البستان» ملتقى أكثرهم، ثم في الحانات، بدءاً من «ستيلا» في الميدان، ثم أبعد قليلاً «اللوتس» وبجانبها «الغريون»، وعلى مقربة «الإستوريل»، وبينها جميعاً مقهى ريش. ثم هناك مكتبة مدبولي ومكتبة دار الشروق، وبضع مكتبات مرتجلة على الأرصفة، أما في ما يخص المطاعم فلا داعي للسؤال، فالمطاعم في كل مكان داخل زواريب ميدان طلعت حرب. يمكنك أن تمضي عمرك في ميدان طلعت حرب دون أن تحتاج للخروج منه، إلا في حال قررت أن تدفع عنك الضجر من المكان نفسه. لكن أينما ذهبت، ستعود إلى الميدان، سواء سكنت فيه أو كنت تسكن في مكان آخر. إنه كالثقب الأسود كما يصفه الأصدقاء، حتى أن بعضهم لا يكف عن تنبيهك من الوقوع في سحر المكان، لأنه سيمتصك عن آخرك. وبما أنني هنا منذ أشهر ثلاثة، فإني أوافقهم هذا الخوف، ومظهره الأول هو تحوّل الليل إلى نهار والنهار إلى ليل. لم يفاجئني نمط الحياة الليلي سهراً أو تسكعاً بين المقاهي، فأنا قادم من بيروت، وهناك نقوم بالأمر نفسه في شارع الحمراء، وهو مكان مصغّر عن وسط البلد القاهري، ولو أن السهرة البيروتية تبدأ مبكراً وتنتهي باكراُ مقارنة بالسهر القاهري، لكن ما أثار انتباهي هو عدد الشعراء والروائيين الذين التقيت بهم. أينما ذهبت، سواء إلى حانة أو مقهى أو إلى سهرة منزلية التقيت بشعراء وروائيين. هذا أمر لن يدعو للاستغراب إذا افترضنا أن الطيور على أشكالها تقع وعلى الشجرة نفسها، لكن ما دعا إلى استغرابي الشخصي هو كمّ المجموعات الشعرية، وكمّ الروايات التي أصدرها هؤلاء، رغم أن واحدهم قد لا يتعدى الثلاثين من العمر. كل شاعر من الشعراء الشباب أصدر ما لا يقل عن خمس مجموعات، ونفسها لروايات الروائيين، والأدعى إلى الاستغراب أن أغلبهم حصل على جائزة أدبية واحدة على الأقل. ما يدفعني إلى التركيز على هذه النقطة، هو أن هذا الأمر لا يحدث في بيروت، لا في عدد الإصدارات ولا في عدد الجوائز. لوسط البلد القاهري قاعدة أكبر من قاعدة جبل الجليد، وما عرضته هنا ليس إلا قمته».

في متناول الجميع

من ضمن عناصر الجذب التي تجعل من القاهرة مقصداً للكاتب العربي سهولة الدخول إليها، فالإجراءات القانونية المتبعة ليست معقدة ولا تستغرق وقتاً طويلاً، هذا ما يوضّحه حمور زيادة، يقول صاحب «شوق الدرويش»: تمتاز القاهرة بسهولة دخولها لأغلب المثقفين العرب، وتنوع المستويات الاقتصادية فيها، ما يناسب إمكانيات المثقفين العرب على تفاوتها، لذلك تحتكر منطقة وسط البلد هذه الجاذبية لتنوعها الاقتصادي من مقاهي الشارع الرخيصة والملهمة للخيال، حتى الكافيهات والبارات الأرستقراطية الباهظة.
العامل الاقتصادي أيضاً عنصر حاسم في تفضيل الكثير من الفنانين الإقامة في القاهرة، وهذا ما يؤكده سايمون إبرام: «الحياة في القاهرة تُعَد رخيصة جداً إذا ما قارنا بينها والحياة في جوبا عاصمة جنوب السودان، رغم الارتفاع الذي طرأ على معظم أسعار السلع في السوق المصري، بفعل انخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، إلا أنها تظل فردوساً آخر للكاتب الجنوب سوداني الذي يجدها أكثر رحمة من نظيرتها جوبا بطبيعة الحال. ولا ريب في أن العاصمة المصرية تعج بالعديد من المكتبات ودور الطباعة المنتشرة في أرجائها هنا وهناك، هذا بدوره شكل عاملاً آخر جعل الكاتب الجنوب سوداني يُؤْثِر الإقامة بها ليكون على مقربة من كل ما يحتاجه من المراجع والكتب المهمة التي هي دون شك في متناول اليد بالنسبة إلى أسعارها، وكذلك إمكانية طباعة إنتاجه بالمواد والقيمة التي يريد.
أخيراً يؤكد الشاعر اليمني هاني الصلوي على ميّزة أخرى تحظى بها المدينة: «القاهرة معبر مهم للعرب جميعـًا إلى مختلف الاتجاهات، ما يمكّن المقيم فيها من الاتصال بالجميع من ناحية، وعدم الانقطاع عن موطنه الأول من ناحية ثانية».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة