.

البراغماتية والاستطراد في أدب سلمان رشدي

صالح الرزوق

ينظر العديد من نقاد الأدب والرواية الحديثة إلى «أطفال منتصف الليل» على أنها عمل استثنائي تجاوز فيه سلمان رشدي «مئة عام من العزلة» لماركيز.
ولكن كتاب ماركيز هو إعادة تركيب لبنية العالم الثالث المغلقة على نفسها، التي ترفض التطور والانفتاح على المنطق، وما يتخللها من سحر وشعوذة يقابله في الرواية الغربية إعجاز العلم والتحضر واجتياز الآفاق.
أما كتاب رشدي فهو تصوير لمتاهات التخلف والتشعبات التي ينطوي عليها، مع لمحة سيريالية لا تعبر عن جنون التخلف بقدر ما تتكلم عن قصور في بلورة الوعي البشري. وهذا يمكن أن نسميه مشكلة الإدراك وانفصاله عن المعرفة. والسبب برأيي يعود للفرق بين مستويات الفهم والثقافة أو النخبة. عموما إن كل آداب ما بعد الكولونيالية تعبر عن تبرم المجتمع من المثقفين. ومن يتابع نتاجات رشدي لا يستطيع أن يعزلها عن أدبيات إدوارد سعيد أو تيري إيغلتون.
فهذا التيار من النيوليبراليين يحرص على عدم الانتماء إلا لنفسه، ويرافق ذلك نوع من الانتحار الذهني بالمعنى الذي أشار إليه كامو. فباعتبار أن الإمبريالية وصلت لحدها الأعلى في الإفصاح عن غرائز التوسع والافتراس والتوجيه باتباع سياسة جبرية، كأنها إله آخر تجلى لنا على الأرض، قد هضمت أيضا نتاجها العقلي، فالنخبة هي بحد ذاتها من نتاج التوسع.
ولا أعتقد أنه من الممكن أن تفكر بمقاومة إن لم يكن هناك شيء تعترض عليه.
ولنتذكر هنا نموذج جورج أورويل، لقد كان أقوى صوت منتقد لسياسة التوسع عن طريق العنف.
وأعماله الأساسية ابتداء من «أيام بورما» وحتى عمله ( 1984) هي تشريح لسياسة الاستعمار وما تنطوي عليه من إخلال بالفطرة والبداهة، فالإنسان مثل المجتمع لا يمكنه الرضوخ لقوى هدامة تسخره لمشيئتها. كان أسلوب أورويل مثل أفكاره، لا يعترف بالقوانين التي لا تنبع من اختياره المحض. وإذا كانت هناك أعمال حائرة فالسبب يعود لمشكلة في طبيعة الوجود. خذ على سبيل المثال رواية «غبار» ليائيل دايان، إنها تحمل أعراض القلق الوجودي، فهي تستعمر الأرض المقفرة، ولكنها تخسر نفسها وتنفتح أمامها الأرض العذراء، ولكن حكاية الغرام تفشل، لأنها حكاية عرضة للشك، ويمكن أن يترتب عليها نوع من الندم والتحسس الطبيعي. فقد كانت العلاقة بين شخصين لهما علاقات سابقة، وانتهاك حرمة الماضي كان في الرواية بمثابة حرقة أو غصة لم تسمح للحب بأن يزدهر، وإنما كشفت عن قسوة هذا الرهان على التملك. كانت الأرض جبلية ووعرة، وتبدو لعين الناظر غير مأهولة، لكن تحت الغبار ومن وراء ستار الضباب تلاحظ خيال الإنسان الآخر.
على أغلب تقدير هذه هي حالة سلمان رشدي، فهو يكتب عن الإسلام والحضارة الهندية بمنطق براغماتي، إنه يفترض أن هذه المساحة بلا تشخيص، وأنها حافلة بالرموز المطلقة وتعاني من خلل في علاقة المكان بتاريخيته. لقد ركز رشدي في أطروحته على وصف هذا الخلل الفظيع، وما تراكمت فوقه من رواسب، وحاول أن يكون تبسيطيا، فعمد لتصوير اللامتناهي، وأضفى على الذات الإلهية صفات عيانية، وهو ما لا يمكن لروح الحضارة الشرقية أن تغفره، فالإله في المشرق منزه عن الصفات وعن المشاعر السلبية وهو لا يتألم ولكنه يشارك عباده ألمهم ويشعر نحوهم بالتعاطف والشفقة. لقد فجرت الرواية عاصفة من النقد الديني، وارتبط اسم سلمان رشدي بالعداء للدين. ونسي النقد مهمته الأساسية وهو تركيبة الرواية.
لا يمكن أن تشعر بالمعنى الفائض في الرواية، إلا إذا اطلعت عليها بقراءة تمهيدية ثم قراءة مرافقة. بمعنى أن تطلع على أعمال رشدي التي سبقت هذه الرواية والتي أعقبتها. مثل «حسرة مور الأخيرة»، و«العار»، و«غضب»، و«شرق غرب» وهي مجموعة قصص، و«ابتسامة الجاغوار»، وهو كتاب في السياحة الفكرية. مع كل صفحة يجب أن تنتبه لطبيعة تراكم الأساليب عند سلمان رشدي، فهو يبدأ من التاريخ الذهني للمنطقة ويصل إلى الواقع الوجودي لأفراد ضائعين فقدوا اتجاههم وسط المجتمع. وهذا يعني أنه تخصص في مشكلة حضارية تنتهي بشكل مختزل بمشكلة الإنسان بمعناه المطلق، كفرد ضعيف ومجروح ليس لديه المقدار الكافي من القناعات، وتغمره الاستجابه لرغباته وغرائزه وهذه هي المشكلة.
كانت كل أعمال رشدي مفتوحة على نهمه المفرط للحكائيات، وهي تتألف من إحساس عميق بمقاومة الميتافيزيقا ولكن للإعلاء من قيمة الجوانب الخفية من خوارق الإنسان الفاسد. هذه المعجزات المغمورة بمستنقع إنساني غير نظيف تحاول أن تتخطى الدور الإلهي المناط بالأنبياء. لقد استفز سلمان رشدي العقل البشري المحدود، وفي الوقت نفسه أغرق البنية بتفاصيل غير ضرورية.
وبالعودة لقصة من مجموعته «شرق وغرب» وهي «شعرة النبي» تجد أنها مبنية على سلسلة من المصادفات المؤلمة، وفي كل مرة تنتهي الصدفة بالموت المفاجئ والمؤسف. والمتمعن في القصة لن يلاحظ أنها تتحرك بإيقاع إعجازي كما هو حال السير الشعبية أو «ألف ليلة» أو حتى «مئة عام من العزلة»، في تلك الأعمال ننتبه لما هو استثنائي، ويأتي من فوق الواقع والطبيعة، ولكنه ينقل رغباتنا في الصعود فوق هذا الواقع الجامد، بالتخيل وبالكذب وبفرط النشاط النفسي. ولكن رشدي يحاول التقليل من شأن العوالم المسحورة للعقل الديني وإلباسها لبوسا اجتماعيا ماديا. إنه يقلل من شأن هذه الأخلاق المتعالية ويساوي بينها وبين الشقاء والفساد، ويراكم عليها الأخبار المنتقاة والصور التي يختارها من طبيعة داخلية مجروحة.
كل أعمال رشدي متورمة وحافلة بالاستطراد ولا يسيء إليها التلخيص، والطبعات الموجزة والمكثفة من «الآيات الشيطانية» أفادت العمل ولم تلحق به الضرر، وفكرة توفير طبعات ملخصة من بقية أعماله تساعدنا في الحقيقة على تلمس الجوانب الجمالية والرقيقة التي ضاعت في ركام من الحوارات والوصف والتأملات التي لا أرى أي لزوم لها.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة