فوتغراف

فوتوغرافي فرنسي يقاوم التدمير البيئي بفن الشارع

أبو بكر العيادي

فيليب إشارو، مبتدع الرسم بالضوء، هو فنان فرنسي عصاميّ، أصيل مرسيليا، بدأ حياته رياضيا يهوى العدو وتسلق الجبال والتزحلق على الأمواج، وبرع في تلك الرياضات حتى صار يتلقى الدعم المالي من بعض المؤسسات الراغبة في الإشهار.

وكان إلى ذلك يهوى التصوير الشمسي، وصادف أن شارك في مسابقة نظمتها مؤسسة العطور الفرنسية “ديور”، فكان من بين العشرة الفائزين الأوائل عالميا، وجوزي ساعتها بآلة تصوير بالغة الدقة، صار يستعملها لالتقاط مشاهد فريدة، من زوايا مخصوصة.

صور تخرج عن مألوف الصور المعتادة، من جهة إمساكها بلحظة هاربة، أو كشفها لما تخفيه نظرة أو ملمح أو مشية أو جلسة تأمل وتفكير، لأناس عاديين في البداية، ثم لوجوه معروفة، كلاعبي رياضة الرغبي في بعض الأندية الفرنسية، إلى أن ابتدع ما أسماه “ستريت آرت 2.0” أو “الرسم بالضوء”، وهو نمط من الفن يقوم على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في بث الصور ضوئيا على محامل معمارية أو بيئية، ليجعل من المعمار محملا، ومن الضوء مادة.

فالـ”ستريت آرت” بالنسبة إلى إشارو اجتماعي قبل كل شيء، يقترح من خلاله اكتشافا فنيا يضعه أمام الجميع، ولا سيما أولئك الذين لم يتعودوا ارتياد المتاحف والفضاءات الثقافية، وبفضل التقنيات الجديدة، أمكن له استعمال الضوء في بث صور معبرة ليس في شوارع المدن فحسب، وإنما أيضا في الأرياف، على الأشجار وشعاف الجبال المكسوة بالثلوج.

كانت البداية في مدينته، مرسيليا، وبطل ملحمتها المعاصرة لاعب الكرة العالمي زين الدين زيدان، بصورة عملاقة بُثّت على جدار الكورنيش قبالة البحر، وكان لها صدى واسع لفت انتباه الناس إلى فيليب إشارو وتجربته المميزة، رغم كونها أكثر زوالا من تجارب الـ”ستريت آرت” الأخرى، فلا تعليق هنا ولا تلصيق ولا رسوم غرافيتية -آيلة هي أيضا إلى الزوال، ولو بعد حين قد يطول وقد يقصر – إذ هي لا تخلد إلا من حيث جاءت، في ذاكرة آلة التصوير التي تعيد التقاطها في مظهرها الجديد، وقد تحولت في الأثناء إلى لوحة فنية، ثم كانت رحلاته إلى جنوب القارة الأميركية، في كوبا حيث قدم لوحات ضوئية جدارية، ثم في غابة الأمازون خاصة، حيث تعمق وعيه بما تتعرض له البيئة من مخاطر.

الـ”ستريت آرت” بالنسبة إلى فيليب إشارو اجتماعي قبل كل شيء، يقترح من خلاله اكتشافا فنيا يضعه أمام الجميع
في ذلك المكان النائي بجهة روندونيا، اطلع على ما تعانيه القبائل البدائية التي تعيش في تلك الغابات الاستوائية من تسلط شركات تدمر الغابات، وتستولي على أشجارها، فعاش بينها ردحا من الزمن، وربط صلات ببعض رؤسائها، آخرهم ألمير ناراياموغا رئيس قبيلة سوروي الذي دعا إشارو مؤخرا إلى لفت أنظار المسؤولين في البرازيل وخارجها لإنقاذ قبيلته من الاندثار، إذ لم يبق منها غير ألف وثلاثمئة نسمة.

واضطر أغلب أفراد قبيلة سوروي إلى الهجرة بحثا عن أماكن أرحم، بعد أن صارت تتعرض يوميا لما يسميه ألمير عمليات إبادة بيئية، تهدد تلك القبيلة في وجودها أصلا، إذ لا يقل عدد الشاحنات، التي تمر كل يوم محملة بحطب الأشجار المقطوعة على أرضهم بغير وجه حقّ، عن ثلاثمئة شاحنة، فضلا عما تغنمه من مناجم الأحجار الكريمة الموجودة فيها.

هذه الأرض، التي منحتهم إياها الحكومة البرازيلية لإعادة تشجيرها وإعمارها، أصبحت قبلة الخارجين عن القانون، وصارت القبيلة، شأن قبائل أخرى، هدفا لمطامع المهربين، حتى أن عدد الباحثين عن الذهب والحطب بات يفوق عدد الأهالي.

لمقاومة هذا التدمير البيئي، قام إشارو بتصوير زعيم القبيلة وبعض أفرادها، ثم بث الصور ضوئيا في أرجاء الغابة، وفي كل نقطة من الأرض التي تملكها، فلم تعد المحامل جدرانا وعمارات، بل صارت أشجارا وأودية وجبالا وبحيرات، تلتحم بها صور أفراد القبيلة حتى لكأنها جزء منها.

وقام إشارو إثر ذلك بتجميع تلك الصور ليجعل منها سلسلة علّق عليها بجملة “إذا قطعت شجرة فكأنما قطعت إنسانا”، تولى نشرها لاحقا في الصحف والمجلات عبر العالم، ليحسس الناس أجمعين بقضية تلك القبيلة الصغيرة، ومن ورائها قبائل أخرى عديدة لا تعدمها غابات الأمازون، تتعرض هي أيضا لمخاطر الاجتثاث من تربتها إذا لم يوضع حدّ لشجع الناهبين، أفرادا وشركات.

وإشارو هنا يضع المضمون في خدمة الشكل، فهو من جهة يواصل تجربته الفنية في إطار طبيعي مميز يزيد صوره روعة، ومن جهة ثانية يجعل تلك الصور الفانية لسان فئة من الناس تتهددها مخاطر كبرى، في نمط عيشها، والتحامها بتربتها، وفي وجودها نفسه.

تلك الأعمال المعروضة الآن في رواق “طاليا لاتيلاّ” بباريس أرادها إشارو رسالة إلى الفرنسيين، لعله يحسس أناسا اعتادوا ألا يهتموا سوى بما يمسهم مباشرة، لأن غابة الأمازون، كجليد المحيط المتجمد الشمالي، أساس توازن الحياة في كوكبنا.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة