متابعات ثقافية و فنية

عمرو العادلي: التجارب الإبداعية تغيّـر الإنسان إلى الأفضل

نضال ممدوح

فاز الكاتب المصري عمرو العادلي أخيراً بجائزة الدولة التشجيعية، التي يمنحها المجلس الأعلى المصري للثقافة،
عن روايته «الزيارة… ما حدث لعمرو سعيد إبراهيم»٬ وقبل ذلك مباشرة فاز بجائزة ساويرس (فرع كبار الكتاب) عن مجموعته القصصية «حكاية يوسف إدريس». وإلى هذين العملين أصدر روايتي «كتالوغ شندلر»، و «رحلة العائلة غير المقدسة»، وكتاب «عالم فرانشي» الذي يقول عنه أنه «ليس قصصاً وليس رواية. هو عمل أدبي، للقارئ حرية الحكم على جودته من عدمها». كما أصدر رواية «إغواء يوسف»، والمجموعتين القصصيتين «خبز أسود»، و «جوابات للسما»، وكتاب «فيل يتدرب على الإنسانية»، وهو يوميات ساخرة، وديواناً بالعامية المصرية عنوانه «صباح الخير يا أنا».
هنا حوار معه:
> قلتَ عن روايتك «كتالوغ شندلر»، أنك درست عالمها جيداً على أرض الواقع قبل أن تشرع في كتابتها، فهل تفعل ذلك مع كل عمل أدبي تكتبه؟
– كل رواية لها ظروف كتابتها. «كتالوغ شندلر» فيها تجديد على مستوى الشكل والمضمون، فقد قال عنها صنع الله إبراهيم أنها عالم جديد تماماً على الكتابة العربية، وقال عنها الدكتور حسين حمودة أنها تجربة عن التحديث في العالم العربي. وبالنسبة إلي هناك فارق كبير بين عالم «كتالوغ شندلر»، وعالم روايتي «رحلة العائلة غير المقدسة»، مثلاً، لكن المنبع بشري. فالروايتان تتناولان طبقة العمال الذين تحولوا إلى أشباه بشر يحاولون العيش تحت ظروف قاسية.
> هناك نقاد اعتبروا أن لـ «كتالوغ شندلر»، دلالات سياسية٬ تشير إلى من يتسلقون على حساب الآخرين، وضرورة الثورة لتغيير المجتمع نحو الأفضل.
– بالطبع، فكل أدب لا يحضّ على التفكير في الأحوال المعيشية الراهنة وكيفية تحديثها هو أدب منقوص، فكل الكتّاب العظام عندما كتبوا وملأوا الدنيا بأعمالهم الخالدة كانوا يريدون من خلال تجاربهم الإبداعية تغيير الإنسان إلى الأفضل.
> في «رحلة العائلة غير المقدسة»، تورط قارئك مع تلك العائلة ومسارها الذي يعيد إنتاج نفسه في شكل عبثي، فهل تكتبك الرواية أم أنت التي تكتبها؟
– لا أؤمن بأن الرواية يمكن أن تكتب الروائي، فهذه مقولات من رواسب التجارب الفرنسية من موضات الكتابة في عقدي الخمسينات والستينات، أقصد النظر إلى العملية الإبداعية كعملية فنية صرفة لا علاقة لها بما يدور على الكرة الأرضية من مشكلات اجتماعية ومشاعر متناقضة بسبب ما حلَّ بالعالم من كوارث حديثة. أنا أؤمن بأنني أنا الذي أكتب الرواية وأتحكم بزمام الأمور. بالنسبة إلى «رحلة العائلة غير المقدسة»، قصدتُ أن تكون شخصياتها متمسكة بعفتها وبراءتها حتى آخر الأحداث، كصرخة في وجه العبث وفي وجه أدب الاستسهال الذي يرى أن مصير كل فقير، هو الخروج على القانون، في صورة أو أخرى.
> هل ما تصدره من مجموعات قصصية، هو من قبيل استراحة الروائي بين رواية وأخرى؟
– أنا أكتب القصة والرواية، ولكل منهما طعمه في الكتابة وفي التناول، ومن دون الدخول في نقاش طويل، الرواية كتابتها أصعب من القصة. طبعاً أقصد الرواية الحقيقية والقصص الحقيقية. وذلك لأسباب بنائية في العملية الإبداعية، وهي أن العلاقات المتفاعلة في شكل كبير في الرواية مرهقة للذهن، أما القصص فيمكن أن يستريح الكاتب بين قصة وأخرى، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في الرواية بين فصل وآخر. وهناك شيء آخر، وهو أنه يمكن كاتباً أن يكتب قصة ولا تعجبه فيرميها، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في الرواية. أنا لا أعتبر القصص استراحة، لكنني أعتبرها منحة لقول أشياء أخرى. مقتطفات من الحياة لا تحتملها الرواية.
> رفضتَ تصنيفَ عملك «عالم فرانشي»، بأنه رواية، أو مجموعة قصصية، ووصفته بأنه يتحدى الشكل الأدبي، لماذا؟
– الفارق بين الرواية والقصة يصنعه الكاتب. كتاب «عالم فرانشي»، ليس قصصاً وليس رواية. هو عمل أدبي، للقارئ حرية الحكم على جودته من عدمها. في الأربعينات من القرن الماضي، مثلاً، كان الشائع إطلاق مسمى قصة على الروايات، ورواية على المسرحيات. في الأدب، أحب اللعب، وهدم الأصنام، ومن ضمنها الشكل. أعتبر ذلك تحدياً لكل كاتب جاد. على خلفية هذه الفكرة كتبتُ نصوص «عالم فرانشي»، محافظاً على وحدة في الشخصيات والزمان والمكان. احتار القارئ في تصنيفها، وهذا بالضبط ما قصدتُ أن يحدث.
> الكاتب الشاب يكتب كثيراً عن الموت لأنه بعيد منه، والكاتب العجوز يكتب كثيراً عن الحياة لأنها ابتعدت منه، أين تقف من هذين النمطين؟
– أنا عجوز منذ وعيت، وسأموت وأنا طفل يود أن يخلع ملابسه ويجري تحت المطر. تصنيفي ووضعي في خانة صعب للغاية، ليس لأنني نابغة، لا إطلاقاً، ولكن لأنني مولع بكسر القيود التي يمكن أن تعوق كتابتي. لا يملأ عيني كقارئ إلا الكتابة الطازجة، الحقيقية. لا أحب كتابة الصالونات، أو التقليد. أشعر بأن من يفعل ذلك، يضع في يمينه شهادة وفاة كتابته.
> جاءت روايتك «الزيارة» وسط زخم المشهد الاجتماعي والسياسي في مصر، بخاصة في عامي 2012، 2013، وحدث تضارب في أفكار كل صاحب بصيرة بحسب تعبيرك، فماذا قصدت بذلك؟ ولماذا أرهقتك تلك الرواية تحديداً؟
– أرهقتني لأنها محاولة جادة لفهم المشهد المصري والعربي، عبر منظار مقرِب، إذا جاز التعبير. اقتربتُ جداً حتى كاد العمى يصيبني، فالمشهد المصري في هذا الوقت كان ملتبساً في شكل كبير. رواية «الزيارة» كانت صرخة سجَّلتُها أدبياً.
> كيف ترى حال الثقافة العربية الآن؟
– هي تشبه الواقع. حالها لا ترضي أحداً. ولكن، من الظلم أن أضع الثقافة كلها في قفة واحدة، أو أضع المثقفين كلهم في مكانة واحدة، فهناك، مثلاً، سائقون مسجلون باعتبارهم أعضاءً في اتحاد الكتاب المصريين. الفساد أنهك غالبية المحاولات الجادة للإصلاح. مع ذلك، يظل صوت المثقفين الجادين، هو الأمل في النهوض بالمجتمعات العربية.
> لماذا تأخرت جائزة الدولة التشجيعية في الوصول إليك؟ هل تضيف الجوائز الأدبية إلى الكاتب؟
– لا أعرف لماذا تأخرت. ربما أنا الذي تأخرت، فقد نشرت أول كتبي في سن السابعة والثلاثين، وهي سن متأخرة إلى حد ما، ولكن هذا جيد، فلم أنشر ما أخجل منه بعد نضجي. الجوائز تضيف طبعاً، بخاصة لو كانت بعيدة من المجاملات. حصلتُ من قبل على جائزة ساويرس فرع كبار الكتاب عن مجموعتي القصصية «حكاية يوسف إدريس»، ونلت جائزة الدولة التشجيعية عن رواية «الزيارة». أعتز بالجائزتين جداً، لا سيما أن الفارق بينهما كان ستة أشهر فقط. الجوائز تضيف إلى الكاتب معنى جديداً، فيسمع صوته الداخلي يقول: ها أنا ذا أسير على الطريق الصحيح، ومن ثم يمكنه أن يبني مشروعه بنفسٍ مطمئنة.
> لك تجربة شعرية واحدة، «صباح الخير يا أنا»… لماذا لم تكررها؟
– لم أكررها لأن ميدان القصة والرواية أوسع ويتيح إثبات الذات الأدبية في شكل أفضل.
> هل كان لعملك كباحث في علم اجتماع الأدب أثر على مشروعك الكتابي؟
– لو لم أكن باحثاً في علم الاجتماع لتمنيتُ ذلك بالطبع. علم الاجتماع يجعل الكاتب يرى العالم بعين طائر. يجعله يقف على بناء المجتمعات وقوفاً يقينياً وليس ظنياً. لو كنتُ مثلاً درستُ أي فرع معرفي آخر، كان ذلك سيؤثر بالسلب في مشروعي الأدبي. درس النظرية الاجتماعية، يغني الكاتب عن اللهاث وراء التقليد الأعمى لمنتج الغير. النظرية الاجتماعية أصلاً تشبه الرواية الكبيرة.
> يأخذ البعض على روايتك «رحلة العائلة غير المقدسة» الإغراق في التفاصيل، كيف ترى ذلك؟
– هي رواية وصفية في المقام الأول، تصنع عالماً من خلال بنائه في الذاكرة. ذاكرة صانعِه وذاكرة القارئ. بالتالي، يعمق الوصفُ الرواية ويزيد من ثرائها، خصوصاً أنه ليس مجانياً.
> كيف ترى مواكبة النقد للإنتاج الأدبي العربي؟
– يشبه الحال العامة في مصر والعالم العربي. المقولة التي تتصدر المشهد الأدبي الآن هي أن الإبداع يسبق النقد. يمكن أن يكون ذلك على مستوى الكم، لكن هناك كتابات كثيرة جداً يرى أصحابها أن النقد لم يلتفت إليها، وأنا أقول، لو كانت الكتابة جادة فسيلتفت إليها النقاد غداً أو بعد غد، وتأخذ حقها.
> قلتَ أن هناك كُتَّاباً يملأون الدنيا ضجيجاً، وإن طلبت من أحدهم كتابة بضعة سطور مدرسية عن «عيد الأم»، مثلاً، فسيرسب… هل ترى علاقة بين تردي تلك الكتابة وتنامي دور النشر الخاصة؟
– ليس لدي مشكلة إطلاقاً إن صدر كل يوم ألف كتاب، ولكن تكمن في أن القارئ عندما يجد المعروض رديئاً، فإنه يعزف عن قراءة الجيد. ومع ذلك، فإن وسط هذا الركام من الكتابة، هناك شباب يعملون بجدية ولهم مستقبل عظيم. يجب ألا نفقد الأمل طبعاً.

(الحياة)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة