متابعات ثقافية و فنية

«نساء كازانوفا» لواسيني الأعرج: صوت الهامش والانتقام من تاريخ السُلطة

رزان ابراهيم

«يمكننا الآن أن نتحدث معا في فراغ أصبحنا فيه متساويين، أنا وأنت. لم تعد وحدك سيده. لست الآن أكثر من جثة هامدة» (الرواية). لم يعد كازانوفا كما كان في صورته المعهودة، كامل القوة والسطوة، يحرك العالم وفق هواه، ها هو الآن مُسجّى ما بين الحياة والموت، وما وصيته الأخيرة إلا طلب المغفرة من نساء، كن ضحاياه طوال حياته. هي الفرصة الوحيدة الآن، فبعدما صمت إلى الأبد، فصوتهن هو الأعلى، وسيتصدر المشهد ويبدأ الحكي. هكذا يرى الكاتب الجزائري «واسيني الأعرج» في روايته «نساء كازانوفا/دار الآداب 2016». لذا تحمل الرواية ما يكفي من معطيات تدفع الدارس في اتجاه التركيز على الديناميكية النفسية لأفرادها، في إطار (مركز/هامش) أفــــرزت العلاقة الضــدية بينهما الكثير من سلوكيات عدائية. أمر يستدعي استبصاراً وتأملاً لما يمكن أن نعده عوامل تحريضية، لها تداعياتها الخطيرة على المجتمعات؛ فالرواية تتحرك بأحداثها عبر شخوص أو عناصر غير متساوية القوة، رجالا ونساء وآباء وأبناء وسادة وعبيدا أو خدما. كان «كازانوفا» بطل الرواية الرئيسي قد ترك وصية قبيل موته يطلب فيها الإتيان بنسائه اللواتي كنّ له وكان لهن على شرع الله ودينه، كي يَتسامح معهن قبل أن يغادر الحياة. وفي هذا الإطار تنقسم الرواية على نحو أساسي إلى فصول تكون البطولة في كل واحد منها لشخصية نسائية، تُترك لها الفسحة كاملة كي تبوح بما في قلبها دون أدنى خوف، فـ كازانوفا في هذه الأثناء بسبب مرضه ــ الجلطة الدماغية ــ «فقد الكثير من وهجه وأصبح مثل هيكل عظمي». وبالتالي فإن الرواية تفتح الباب بكامل دفتيه لتفصح كل واحدة من نسائه عما في داخلها بحرية كاملة. بالتوازي مع هذا البوح النسائي يجري وعلى نحو محتدم بين أبناء كازانوفا موضوعُ تعيين خليفة يرأس إمبراطوريته المتشعبة، وهي مهمة يتزعمها الأخ الأكبر الذي يتحكم في توزيع الأدوار بحكم سِنه.

لالا كبيرة

على الرغم مما تعرضت له هي وعائلتها من مصائب بسبب كازانوفا، فإنها تحضر في الرواية كائناً غير بعيد عن أب رمزي كما الأب الذي في السموات، فهو رحيم وغفار للذنوب والخطايا، بما يستدعي تأكيداً بأن البشر يتفاوتون في ردود فعلهم النهائية؛ وبالتالي تظهر لنا هذه الشخصية خلافاً لبقية شخوص الرواية أختاً كبيرة وأماً تحل مشكلات الدنيا وتنسى نفسها، في وقت لم يسأل أحد عن حرائقها الداخلية. حتى في مواجهتها لكازانوفا كانت الأقل قسوة عليه، وأوصت بقية نسائه بأن «خففوا عليه»، بل وفي لحظات بعينها نجدها وقد انتابها إحساس أمومي غريب وهي ترقب رجلاً صبرت عليه وحافظت على أبنائه وامبراطوريته.

مباركة

تبدو هذه الشخصية الأكثر عنفاً بين النساء، برغباتاتها الانتقامية، فتمثل حال المرأة حين تؤخذ على غير إرادتها، وتتعرض لفعل اغتصاب هو بمثابة تعبير مكتمل عن العدوانية الذكورية في حالتها القصوى. ينضاف إلى هذا شعورٌ بالظلم تملّكها حين استثناها «كازانوفا» من نسائه اللواتي رغب في الاستماع إليهن في النزع الأخير، بمن فيهن ساراي طليقته. هي امرأة تقف وراء أكثر من جريمة قتل، وتعاني في الوقت نفسه مرضاً نادراً/نيكروفيليا ــ اشتهاء الجثث وعشق الموتى ــ مع أحاسيس جد متباينة، من المحبة والبراءة إلى كتلة كراهية. ولذلك أصرت فترة مرض «كازانوفا» على المواجهة بعنف كما تقارع وحشاً ضارياً، وحدثته قائلة: «أنت الآن لا تستطيع فعل أي شيء، لقد هزلت، أكاد لا أصدق أن الرجل الذي ينام ليس بعيداً عني هو الوحش الذي اغتصبني، وادّعى بجبن أني أنا من اغتصبته».

زينا

وفي إطار جدلية تراتيبة تحوم حول مقدار الأذى الذى ألحقه كازانوفا بنسائه، تحضر «زينا» فنانة الأوبرا لتكون الأقل تضرراً، ساعدتها في هذا خلفية معرفية ثقافية مكنتها من استعادة حياتها والعيش من جديد، بعيداً عن إملاءات وتدخلات «كازانوفا» بحرفة ساهمت في دفعها للأمام، والمضي قدماً باتجاه حياة أخرى تختارها. لتكون أنموذجاً لذات مظلومة كانت الأقدر على التجاوز والعيش من جديد من أخريات قابعات في أسفل التسلسل الهرمي الثقافي.

روكينا

أما روكينا التي قتل كازانوفا حلمها في أن تصبح زوجة لعليلو/ابن كازانوفا، أو حتى الطبيبة التي اشتهت، فإنها إذ تتزوج غصباً من «كازانوفا»، نراها وقد استجمعت في ذهنها كل وسيلة ممكنة للانتقام: «قتلك لي أيقظ كل مكامن الانتقام المتخفية في أعماقي». بما في ذلك الاستمرار في علاقة أثمرت «يونس» ابنها المشترك مع «عليلو» الذي كان يظنه ابنه هو، ليصبح هدفها في الحياة آنئذ أن يتغلب ابنها على بقية إخوته في صراعهم حول السلطة. وليصل معها حقدها ورغبتها في الانتقام حدّ قتل ابن «كازانوفا» من ساراي التي كانت تمقتها.

ساراي

مع «ساراي» يتكرر حضور قصة سيدنا يوسف بالتوازي مع حادثين تسترجعهما ويستمع إليهما «كازانوفا» مسجلتين؛ الأولى مع إخوتها الذين أخرجوها كي تأتي لهم بالماء من بئر، وكان في ذهنهم رميها والتخلص منها. فما كان منها إلا أن تنجو بنفسها، لكنها في المرة الثانية تأكل هي حسرة يعقوب وأكثر مع يوسف ابنها من كازانوفا الذي رمته نساؤه في البئر وجئن يتباكين عليه، وبدلاً من أن يحاسبهن، راح يسترضيهن.

سلالة السادة

كل سلوك عنيف يرتكبه «كابي» ـ ابن كازانوفا من مباركة- مرده في الرواية إحباط كبير كان قد سكنه لأن «كازانوفا» رفض الاعتراف به حتى في ساعاته الأخيرة قبل أن يفارق الحياة «لم تطلبني لتعتذر مني لأنك في النهاية غير معترف بي، بل أنا بالنسبة لك، غير موجود أصلاً». وبالتالي ارتأى بأن جنازة كالتي كان سيحظى بها «كازانوفا» هي من حق كلبه «بيرو فيردي» الذي ألقى بنفسه قبالة شاحنة حين أحس بأن سيده قد اقتربت ساعته، محققاً ما بذهنه أن المجد للوفي كائناً من كان، وغير الوفي يستحق أن يُحرق وتُرمى بقاياه في فتحات الصرف الصحي. لذلك يتلقفه «الشيخ منصور» الذي يمتدحه ولا يتوقف عن منحه وأمه مباركة بعض حاجيات البيت من سكر وقهوة وشاي ولحم، مع تنبيهه بأنه ينقصه الالتحاق بصفوف الحق. لكن وفي النهايات يحجم «كابي» عن تفجير نفسه. يحصل هذا مع لحظات إدراك عاطفي تنتابه ساعة مقتل «ليان» التي أحبها.

سلالة العَبيد

«مسعود» سائق «كازانوفا» وحارسه الأمين يجسد أولئك القادمين من صحراء برمال ميتة، محكوم عليهم هم وآباؤهم ــ كما يقول ــ أن يبقوا في وضعية ظالمة. وهو من أولئك الضعفاء الذين رأوا في كازانوفا حائطاً يحميه. ظلّ مخلصاً له رغم أن قربه منه جعله يعرف عن خبايا البيت ما لا يعرفه غيره، حتى ليبدو أنه يتحدث عن هذه الخبايا في سره وحسب: «لم أتدخل في أي شيء، حتى الأشياء التي كان يرتكبها، ولا يريدها لا الله ولا العبد … شممت رائحة الصفقات الظالمة والاستيلاء على العقارات الكثيرة».

تأويل العمل ودلالته

وفق تأويل العمل يتجلى حضور منطق فني يسمح بتعامل أكبر يمتد ليربط الإنسان العربي بعالمه. فالمرأة بكيانها الإنساني ومشكلاتها النفسية حاضرة بالتوازي مع مستوى سياسي، يبدو في علاقات «كازانوفا» بنساء، معظمها ذات طابع سلطوي متجبر، بما يفتح باباً تنسحب معه طبيعة هذه العلاقات على أخرى يحكمها مبدأ الاضطهاد والسيطرة. وعليه فإن صورة للمُراود/ كازانوفا تبدو تنطبق تماماً على صورة الطاغية المستبد، وهو ما يتضح من دلالة ما تقدمه نساء كازانوفا من بوح من خلال مواجهات أفضت إلى وصفه «طاغية لا يختلف عمن سرقوا هذه البلاد بأرضها وضرعها ونسائها».
وبالتالي فإن تتبعاً لتصرفات «كازانوفا» تؤكد أن مواضيع النساء لا تنفصل عن مواضيع البنى الاجتماعية والسياسية القائمة في العالم العربي. هناك علاقة متبادلة ما بين المجالين العام والخاص، بذلك التأثير المتبادل بين ما هـــو داخـــل المنزل، وما هو خارجه في حقل العمل مثـــلاً، أو ما هو أوسع من ذلك، فالسيطرة الذكورية لا تتجلى ضمن نطاق الأسرة حسب، بل يمكن القول إن لهذه السيطرة تجلياتها في الحياة العامة.
انسجاماً مع ما سبق، يصبح في إمكاننا استحضار «كازانوفا» مع نسائه في إطار جدلية (حاكم/ محكوم) تتفاوت معها ردود الفعل تجاه ما يقع على الطرف الثاني من قمع وإنكار وظلم؛ فهناك (الصامت/لالا كبيرة) وهناك (المنتقم: كابي/روكينا) وهناك (المتجاوز: ساراي/زينا). إضافة إلى «جوليا» المرأة الأمريكية الحاضرة بذكائها وشيئيتها بعلاقة سرية ربطت «كازانوفا» بها، وإمكانية مماهاة بين غرب ذكي يتمكن من مصالحه من خلال أطراف داخلية تجمعه بها مصالح مشتركة.

الحلم الروائي بالثأر

إن مواجهة كالتي شهدناها في «نساء كازانوفا» ما كان لها أن تكون لولا سياقُ ينقلب فيه الشيء إلى ضده، هنا تحضر لعبة قلب الأدوار في أقسى حالاتها حين يلبس السلطان وهو في حالة مزرية من التحلل والتفسخ، دور الضحية المخدوع، وينقلب من فاعل في التاريخ إلى مفعول به، فينتقل من الجلاد إلى الضحية، ومن اللاعب إلى الملعوب به، ليكون باختصار كما يٌقال «حارس جنينة التاريخ الذي يقع ضحية ما كان يراه طحالب وطفيليات».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق