متابعات ثقافية و فنية

«فخري لبيب»… حياة حافلة بالنضال لأحد رموز اليسار المصري

محمد عبد الرحيم

«التلاميذ الفقراء علموني معني الفقر الحقيقي، كانوا يمشون طوال المشوار من قراهم إلى المدرسة حفاة وعلى أبواب المدرسة يلبسون الحذاء، حفاظا عليه، وقلت لنفسي بدلاً من أن أكتشف الخامات الطبيعية كجيولوجي سأحاول اكتشاف حقائق المجتمع كشيوعي، وفي غمار ذلك كله كنت أسعى بجهد شديد في بناء المنظمة من جديد، ونجحت في ضم عناصر عمالية ومثقفة. وفي ما تنهض المنظمة قُبض عليّ في مايو/أيار 1954 وحكم عليّ بالسجن ثلاث سنوات». هكذا يبدو وعي المفكر والمترجم اليساري الراحل فخري لبيب (7 فبراير/شباط عام 1928 ــ 25 ديسمبر/كانون الأول 2016)، الذي واصل مشواره حتى وفاته، ورغم تغّير الظروف والأحوال الاجتماعية والسياسية، لكن إيمانه بمبادئ عليا لم يحد عنها، هو الذي كان دافعه الأول في الاستمرار. عُرف لبيب مُترجماً أكثر من كونه مؤلفاً للعديد من الكتب المهمة، التي لا تفصل التاريخ الذاتي عن الاجتماعي والسياسي، كاشفاً عن فترات حرجة في التاريخ المصري الحديث، إضافة إلى مشاركته في المناخ الثقافي المصري، من خلال إقامة وحضور الندوات، خاصة في (ورشة الزيتون) التي أتاحت الفرصة لظهور عدة أصوات أدبية ونقدية متميزة، أضافت الكثير إلى الثقافة المصرية والعربية.

«المشوار»

يعتبر كتابه «المشوار» ــ صدر عن دار مدبولي في القاهرة عام 2008 ــ إضافة جديدة لأدب السيرة الذاتية المكتوب بالعربية، فهو يستعرض في أسلوب وبناء أقرب إلى الرواية أحوال المناضلين اليساريين في مرحلة حرجة من تاريخ مصر في أربعينيات القرن الفائت، حين كانت القوى الوطنية تناضل ضد السراي، وكبار الملاك، والاحتلال البريطاني، كاشفاً بذلك عن كفاح ومشوار جيل كامل من الشيوعيين المصريين بكل انتصاراتهم وانكساراتهم، دون مواربة أو تجميل أو ادعاء نضالي زائف. والأهم هو أثر ذلك على الفكر اليساري المصري بشكل عام، بداية من التأسيس وحتى الآن.
تعرّف لبيب عند التحاقه بكلية العلوم في جامعة فؤاد الأول، على أحد الطلاب اليساريين في الكلية. وبعد فترة قصيرة انضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، لكنه سرعان ما تركها لينضم لمنظمة الأيسكرا. فكان فخري يقوم بتوزيع المنشورات الطلابية والتحدث مع الطلاب عن مشاكل الوطن. وبعد فترة وجيزة من العمل أصبح من أهم كوادر الأيسكرا في الجامعة. ويذكر لبيب عدة مواقف لانتهازية الإخوان وخيانتهم للحركة الطلابية آنذاك.. فعندما أراد إسماعيل صدقي عدو الحركة الوطنية، ضرب اللجنة العليا للطلاب والعمال، لم يجد حليفاً خيرا من الإخوان الذين صاروا أصدقاء له وللسراي. وفي زيارة لإسماعيل صدقي للتحدث مع الطلبة في الجامعة، رحب به الطالب الإخواني مصطفى مؤمن قائلا: «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا».

توحيد اليسار المصري

وفي مايو/أيار 1954 حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. لكنه ومن داخل السجن حتى خروجه عام 1957 شارك في توحيد خمس منظمات (حدتو ـ التيار الثوري ـ طليعة الشيوعيين ـ النواة ـ النجم الأحمر) وتكون الحزب الشيوعي الموحد، وأصبح فخري عضواً في لجنته المركزية. فتحقق حلمه في توحيد المنظمات اليسارية، التي كان يقول عنها «كنت أعتبرها معركة حياة أو موت».

ديكتاتورية اليسار

ويُعد انتقاد فخري لبيب للتنظيمات والحركات اليسارية المصرية من أهم ما جاء في الكتاب، من توثيق صادق لحال اليسار المصري، الذي يعد سبباً رئيسياً إلى ما آل إليه الآن. فلقد كان الشيوعيون منقسمين إلى أكثر من ستة تنظيمات تتبادل في ما بينها الاتهامات والشتائم، فهذا عميل وذاك يميني والآخر فاشستي. كما كانت أغلبها تتناقل أفكار وتكتيكات الاتحاد السوفييتي بلا فهم ولا محاولة لجعلها تتماشى مع الواقع المصري، فكان الأعضاء يتناولون النصوص النظرية كأنها نصوص مقدسة. ويستشهد الرجل بعدة مواقف، فعند حضوره أول اجتماع تنظيمي، تم فتح النقاش وإتاحة الفرصة لإضافة التعليقات، حينها رد أحد الرفاق الحاضرين «إحنا هنعلق على لينين ولا إيه .. هي الدنيا حصل فيها إيه؟». ويكشف لبيب عما اتسمت به التنظيمات اليسارية المصرية بمركزية مطلقة في اتخاذ القرارات، إلى درجة أنه يمكن وصفها بالديكتاتورية. فلم تكن هناك فرصة للأعضاء لإبداء آرائهم في سياسات تنظيماتهم. فعندما اقترح لبيب أن يتم عقد اجتماع موسع للأعضاء اتهموه بالليبرالية. ويعلق فخري لبيب في الأخير «كنت أشعر بأننا نؤذي بعضنا بعضا بشدة. نتحدى أنفسنا والأجدر بنا أن نتحدى ما حولنا».

بيبلوغرافيا

فخري لبيب: كاتب ومترجم مصري، من مواليد عام 1928. بدأ العمل في الترجمة منذ عام 1958، حيث تنوعت ترجماته بين الكتب الأدبية والفكرية والسياسية. حصل على الدكتوراه في الجيولوجيا عام 1987.
المؤلفات: «الشيوعيون وعبد الناصر»، «المشوار» سيرة ذاتية، إضافة إلى مجموعات قصصية .. «الأيدي الخضراء»، «كنز الدخان»، «ولو». ورواية «أنا والجبل».
الترجمات: «رباعية الإسكندرية» للبريطاني لورانس داريل، «عريان بين الذئاب» للكاتب الألماني برونو أبيتز، و«رب الأشياء الصغيرة» للكاتبة الهندية أرونداتي روي. «ضحايا التنمية.. المقاومة والبدائل «لـجيرمي سيبروك، «اضطراب في الشرق الأوسط» لبيرش بيربروغلو، و«أمة مارقة .. الأحادية الأمريكية وفشل النوايا الحسنة» لكلايد بريستوورز. وبعض مؤلفات ماو تسي تونغ.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق