متابعات ثقافية و فنية

كبوة الآباء ونهوض الأبناء: ‘الجديد’ تفتتح عامها الثالث

نوري الجراح

عام جديد يستقبله العرب بمدن تحترق وأخرى تدفع عن نفسها شر الحريق. عام عربي يغص بصور الخروج الكبير من الأوطان وتوديع ملاعب الطفولة في طوابير لا يعرف أصحابها إلى أين يمضون ولا إلى أيّ مصائر ستسلمهم الطريق.

عام عالمي جديد تسوده فوضى التوقعات والتمزق والوقوف على المنعطفات بلا أمل في غد يهدأ فيه جنون العواصف وتسكن معه رياح السموم والشرّ المستطير.

العالم كله في اضطراب، والعرب هم الأكثر اضطراباً وخوفاً من المستقبل وتوجسا مما يضمره الغد لهم ولأجيالهم الجديدة، شعوبا وأفراداً.

لكن هذا العام هو أيضاً عتبة سنة ثالثة، من حياة “الجديد” توسع معه من أفق حضورها، وتشعل به شعلة جديدة في الزمن الثقافي العربي، عازمة على مواصلة مشروعها التنويري في لحظة ظلامية بامتياز. لذلك اخترنا أن نكرّس غلاف هذا العدد وملفه الرئيسي لواحدة من أعقد القضايا التي شغلت الفكر العربي على مدار أكثر من قرن وأكثرها ارتباطا بإشكاليات ثقافية ومجتمعية معقدة وغير قابلة للتبسيط، ونعني بها مكانة المرأة في الثقافة والاجتماع وصوت المرأة في الأدب والمجتمع، وتجليات فكرة الأنوثة والمؤنث في الوعي المجتمعي، وفي الفكر العربي الحديث، وأخيراً، موقع المرأة في القوى الفاعلة والمنفعلة في مجتمع شرقي جرى إخضاعه مراراً لمعطيات ثقافية واقتصادية وعسكرية عالمية قاهرة.

هيهات لأشباح الماضي، أيا تكن أسلحته فتاكة وجنوده أقوياء أن تنتصر على أشعة النور المرسلة من المستقبل. إنها إشارة لم تعد مبكرة إلى الأجيال الجديدة، الشباب العربي الناهض من جرح الضرورة وكبوة الآباء وقد اختبرته التجارب المؤلمة وامتحنته الوقائع الدامية
ولئن كنا أفردنا في أعداد سابقة ملفات تناولت عنوان المرأة والأفكار المحيطة به والناجمة عنه في الأدب والفكر عموما، وأدب المرأة خصوصا، فإن نظرتنا إلى هذه القضية بوصفها قضية القضايا، ظلت تشغل حيزا أساسيا من تفكيرنا خلال عملنا على الملفات الفكرية التي تصدت لها “الجديد” في أعدادها المتعاقبة، والتي أردنا لها أن تشكل فضاء حواريا وهامشا نقدياً حراً، ومساحة للسؤال، تشتغل على حلقات من الأفكار والموضوعات الأساسية في الثقافة العربية، لا سيما تلك التي طالما وصفت بأنها شائكة ومسكوت عنها.

انطلاقاً من هذا الاهتمام، اعتبرنا أن من واجبات “الجديد” إتاحة الفرصة تلو الأخرى للسؤال المتصل بصورة المرأة في الأدب، وموقع الفكر من قضاياها المختلفة.

المقالات المنشورة في هذا العدد تحت عنوان “ذكورة وأنوثة” تتناول جملة من الموضوعات والأفكار والصور والحالات التي تظهر في الأدب الذي كتبته المرأة خلال نصف قرن مضى، وهي تستجلي أيضا المصطلحات والمفاهيم والتصوّرات المتصلة بالأدب الذي تنتجه المرأة، وتلك المحيطة بالأفكار التي عصفت بتفكيرها خلال قرن عربي تردّد فيها كثيراً عنوان “تحرّر المرأة” و”تحرير المرأة” وتشاكلت نخبه المثقفة مع ما هو نسائي ونسوي في الأدب والفكر، وكان لزاما عليه التعامل مع الإشكاليات المحيطة والناجمة عن الاضطراب الذي صاحب حركة التحرر النسوية العربية. على أن حركة الفكر العربي الجديد قصّرت عن تقديم قراءة عميقة لطبيعة استجابة وعي النخب العربية لقضايا المرأة، وطبيعة تفاعل الفكر الثقافي الرائج مع العناوين المتعددة المتصلة بها والناجمة عنها.

في هذا السياق لا بدّ أن أشير هنا إلى المقالة المركّزة للناقد خلدون الشمعة، والتي افتتحنا بها الملف، وقد تناولت، بصورة رئيسية، ما تعرض له مفهوم تحرّر المرأة من تحوّلات في ظل تنامي نزعات مخالفة لتوقها في التحرر، أدّت إلى وقوع المفهوم ضحيّة أصوليات متعددة، دينية وقومية، وأيديولوجية. وإلى هيمنة مرجع أعلى نصي، لاهوتي ويقيني، على الخطاب المتعلق بالمرأة، مهما تنوعت أزياء هذا الخطاب، ومهما أظهرت المرجعيات الراعية له من المرونة أو التشدد نحو حرية المرأة ومفهوم هذه الحرية.

وبإزاء نص المرأة والنصوص المعلقة عليه، شارحةً وناقدةَ، وكذلك في مواجهة النصوص الثقافية المضادة له، لا بدّ من الإشارة إلى أن “الجديد” تعتبر منبراً مفتوحاً في كل وقت للحوار والسّجال في هذه المسألة وغيرها من المسائل الإشكالية، إن في ملفات أو في مقالات مفردة، وبالتالي لسنا مع هذا الملف بإزاء مجرد مناسبة تحتفي بموضوع لمرة وتكتفي بها من شرّ القتال.

العالم كله في اضطراب، والعرب هم الأكثر اضطراباً وخوفاً من المستقبل وتوجسا مما يضمره الغد لهم ولأجيالهم الجديدة، شعوبا وأفراداً
وإنما هي حلقة ليس إلا من جملة حلقات تشكل سلسلة مترابطة تسمح بتعدّد وجهات النظر وزواياه وموضوعاته ومستوياته، ودائما انطلاقا من توجه يرى في تمكن المرأة فكرياً وثقافياً جزءا لا يتجزأ من مستويات تمكّنها الأخرى اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وما تعبيرها عن ذاتها في الكتابة إلا ترجمة لهذا التطلع وخطوة على الطريق الطويلة التي تجتازها المرأة في سعيها الشاق لتحقيق كينونتها الكاملة في المجتمع والتاريخ.

“الجديد” قبل هذا وبعده ستبقى منبراً حراً للسؤال الأدبي والفكري، ومنصّة متقدمة للكتابات العربية المبتكرة والجريئة، لا سيما تلك التي تتمتع بحسّ نقدي وتنطلق من بحث فكري موضوعي يتعارض ويتواجه مع قوى النكوص والرجعة وممثليها من طغاة وظلاميين لم يتوقفوا عن تمجيد الظلام بينما هم يعادون الكلمة الحرة، وإطفاء نور الفكر ومشاعله بينما هم يطفئون في الأجيال عقول أسئلة العقل.

لكن هيهات لأشباح الماضي، أيّا تكن أسلحته فتاكة وجنوده أقوياء أن تنتصر على أشعة النور المرسلة من المستقبل. إنها إشارة لم تعد مبكرة إلى الأجيال الجديدة، الشباب العربي الناهض من جرح الضرورة وكبوة الآباء وقد اختبرته التجارب المؤلمة وامتحنته الوقائع الدامية، وفي عينيه توق لا شفاء منه إلى أنوار المستقبل.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة