.

الشهرة أسوأ من اندلاع النار في بيت

خلود الفلاح

يختار أحمد شافعي، في كتابه “في بيت حافل بالمجانين”، من حوارات مجلة “باريس ريفيو” تسعة حوارات لكتاب عالميين، هم: أرنست همنغواي، وهنري ميللر، وخورخي بورخيس، وكارلوس فوينتس، وميلان كونديرا، ونجيب محفوظ، وبول أوستر، وسوزان سونتاغ، وأمبرتو إيكو.

يبدأ المؤلف مقدمته متسائلا، ما الذي يحدث فعلا حينما تقرأ حوارا أو تترجمه؟ فيكون الجواب، الأمر أقرب كثيرا إلى استراقك السمع إلى راكبين في طائرة أو قطار. ليس من المتوقع أن تصادف هامشا في حديثهما يقطع تدفق المتعة والمعرفة السلسة.

يوضح المترجم أحمد شافعي، في كتابه، الصادر عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”، أن مجمل ما قرأ من حوارات مجلة “باريس رفيو”، أن المجلة لا ترفض مراجعة الكتاب لحواراتهم بل وتشجع ذلك.
طقوس يومية

كثيرا ما نقرأ عن عادات الكتابة، فريق يعدها مسألة “تعود”، وهناك من يرى المسألة مهمة وضرورية للكتابة، فهذا الروائي إرنست همنغواي يقول عن سؤال طقوسه في الكتابة “إنه يفضل العمل في غرفة نومه، يكتب واقفاً، يقف منتعلا حذاءين واسعين فوق جلد الوعل القديم، بينما الآلة الكاتبة ولوحة القراءة على ارتفاع صدر في مواجهته”.

عندما يبدأ همنغواي مشروعا جديدا، يبدأه بالقلم الرصاص، يكتب به على ورق الآلة الكاتبة الشفاف مستندا إلى لوح القراءة. يحتفظ برزمة ورق من هذا النوع دائما في صندوق إلى يسار آلته الكاتبة.

ويقول الروائي هنري ميللر”عندما أراجع، أستخدم القلم والحبر في التغيير، في الحذف، في الإضافة. وتبدو المخطوطة بديعة بعد ذلك، مثل بلزاك، ثم أعيد الكتابة على الآلة الكاتبة وفي أثناء ذلك أجري المزيد من التغييرات. أفضل أن أقوم بنفسي بإعادة الطباعة على الآلة الكاتبة، لأنني حتى حين أظن أنني أدخلت كل التغييرات التي أريدها، يأتي مجرد فعل ملامسة المفاتيح بميكانيكية فيشحذ أفكاري، وأجد أنني أراجع وأنا أنهي العمل”.

أما الروائي بول أوستر فيكتب دائما باليد، ويضيف “غالبا بقلم جاف، وأحياناً بقلم رصاص، لا سيما عند التصحيح. لو كنت أقدر أن أكتب مباشرة على آلة كاتبة أو كمبيوتر لفعلت، ولكن بي خوفا دائما من لوحات المفاتيح. لم أستطع قط أن أفكر تفكيرا صافيا بينما أصابعي تتخذ هذه الوضعية. القلم أكثر أداة بدائية”.

ويجيب كونديرا عن سؤال: هل قدرة الكاتب تتضاءل مع كبره في السن؟ بقوله “لقد ذكرت في رواية ‘تلال أفريقيا الخضراء’ أن الكتاب الأميركيين عند سن معين يتحولون إلى مربيات للأطفال، ينبغي للناس الذين يعرفون ما يعملونه أن يستمروا في عملهم طالما بقيت رؤوسهم فوق أعناقهم”.

وعن نفس السؤال، يجيب الروائي كارلوس فونيتس لقد أصبحت الكتابة أسهل لي فيزيقيا، فالزمن يمر والماضي يصبح حاضراً. ما كنت تعيشه وحسبت أنه ضاع إلى أبد الآبدين يضاف إلى عملك. ثم إذا به بغتة يطالب بشكل أنه موجود بموجب نظام زمني خاص به تماما، وهذا النظام الزمني يطالب بشكل أدبي. وهكذا يصبح كل حاضر من حواضر هذا الماضي في مركز حياتك اليوم.

أنا في الخمسين أرى صفا طويلا من الشخصيات والأشكال واقفة أمام شباك بيتي تطالب بكلمات، ليتني أستطيع اقتناصها جميعا، لكن من أين لي بالوقت؟ والاختيار عملية صعبة، فأنت حينما تختار تقتل أيضا. حين يكون نصف عمرك راح، أعتقد أنك ينبغي أن ترى وجه الموت فتتعامل بجدية مع الكتابة. هناك من الناس من يرون النهاية مبكرا، مثل رامبوً”.

ويقول خورخي بورخيس “في البداية كنت أراجع قصصي. ثم اكتشفت أن الإنسان حينما يبلغ سنة معينة، يصل إلى نبرة صوته الحقيقية. صرت أرجع إلى ما كتبته بعد أسبوعين أو نحو ذلك، وطبعا أجد الكثير من الهفوات والتكرارات التي يجب تفاديها، وبعض الحيل الأثيرة التي لا ينبغي الإفراط في استخدامها، ولكنني أظن أن ما أكتبه في هذه الأيام يكون عند مستوى معين فلا يمكنني تحسينه كثيرا، كما لا يمكنني تخريبه كثيرا. وإذن فإنني أتركه وشأنه”.
أسئلة الكتابة

يقول الروائي كارلوس فوينتس في حواره المعنون بـ”الروائي روائي لأنه لا يعرف كل شيء” (1981)، “إن الكتُاب جميعا يعيشون على عدد من الهواجس. بعض هذه الهواجس يأتي من التاريخ، غيرها يكون فرديا محضا، وهناك هواجس أخرى تنتمي إلى عالم الهواجس المحضة ذاته، وهو الأكثر شيوعا في روح الكاتب في العالم. هواجسي موجودة في جميع كتبي، وهي في علاقة بالخوف”.
وفي رده على ملاحظة المحاور، أنت شديد الوعي باستمرارية كتابتك يقول “بمعنى من المعاني، جميع رواياتي هي كتاب واحد في العديد من الفصول” “حيثما يصفو الهواء”، قصة شخص في المدينة، رواية “تغيير الجلد”، هي هذه المدينة وهذا المجتمع في حالة مواجهة مع العالم ويتعامل بواقعية مع حقيقة أنه جزء من الحضارة وحقيقة أن هناك عالما بالخارج يتدخل في المكسيك.

يصف كونديرا في حواره المنشور (1984)، المعنون بـ”العنوان الصالح لكل كتب هو المزحة”، الشهرة بأنها أسوأ من اندلاع النار في بيت، إذ تأتي فتسلب الروح بيتها. ويستغرب كونديرا من اهتمام النقاد بدراسة الكاتب، وشخصيته ومواقفه السياسية وحياته الشخصية بدلا من أعماله، مؤكدا أن التقزز من الحديث عن الذات هو الذي يميز الموهبة الروائية عن الموهبة الغنائية.

وتتفق الروائية سونتاغ مع كونديرا في ذلك، حيث تقول في حوارها المنشور العام (1995)، “المقالات المكتوبة عني تصيبني بالضيق، ولكن الأصدقاء يعطوني فكرة عنها بإبهام إلى أعلى، أو إلى أسفل”.

ويجيب نجيب محفوظ عن سؤال: كيف تصف نسفك؟ بقوله “أحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر. قد يكون هذا ضارا، ولكنني أشعر أنه دون الأدب لا معنى لحياتي. قد يكون لدي أصدقاء جيدون، رحلات رفاهية، ولكن بغير الأدب كانت حياتي وستكون بؤسا كاملا”.

وتوضح الروائية سوزان سونتاغ أن أكثر الأشياء المساعدة على الكتابة “القراءة-التي نادراً ما تكون متعلقة بما أكتبه، أو أرجو أن أكتبه، أقرأ كثيرا في تاريخ الفن، وتاريخ العمارة، وعلم الموسيقى، والكتب الاكاديمية والشعر، الشروع في الكتابة مسألة توقف، توقف عن القراءة أو الاستماع إلى الموسيقى التي تحفزني بقدر ما تجهدني، تشعرني بالذنب أنني لا أكتب”.

في العام 2008 سئل الروائي أمبرتو إيكو إلى أي مدى تعد رواياته سيرية، فأجاب “كل رواياتي كذلك بمعنى من المعاني. فأنت حينما تتخيل شخصية، فإنك تعتبرها بعض ذكرياتك الشخصية. تعطي للشخصية جزءا من ذاتك، وجزءا غيره للشخصية، بهذا المعنى، أنا لا أكتب سيرة ذاتية ولكن رواياتي سيرتي”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة