متابعات ثقافية و فنية

«الأحمر والأسود» لستاندال: أرستقراطية السيف والرداء

ناصر الحرشي

تتربع رواية «الأحمر والأسود» على عرش الأدب الروائي الواقعــــي الفرنسي للكاتب ستاندال، فهي عمدة كل ما كتب وباكورة أعماله في الحقل الحكائي السردي.
في هذا المنجز النصي المتزامن ظهوره مع خروج البورجوازية من غياهب صمتها وصعودها إلى مسرح الفعل التاريخي، إبان القرن التاسع عشر، بعد سقوط آخر فارس نبيل ونزع عفاشته، ثم أفول شمسه في عين الآلة البخارية الحمئة. أن قن الأمس الذي تحول إلى بائع متجول بعد أن حطم قيود القنانة أصبح بعد صراع طبقي طويل ومرير السيد الأول في أوروبا مزيحا من طريقه الفيودالي بارون عصور الباروك.
كما أن هذه الرواية الباذخة تحمل عنوانا فرعيا « يوميات 1830» تحيل هذه الفترة على دلالات تاريخية عميقة تتعلق بفرنسا زمن الثورات والمخاضات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية العسيرة، التي ميزتها وما واكب ذلك من تواري نظم الحكم الاقطاعي القديم عن الأنظار وتراخي قبضته السياسية والعسكرية في كل أرجاء القارة الأوروبية، بعد أن قبض بورجوازيو المدن على زمام الأمور ونزعوا القداسة عن كل شيء إلا من علاقات العد والنقد.
فإذا عدنا بعجلة التاريخ قليلا عند صبيحة 14 تموز/يوليو سنة 1789/ 1794 لألفينا مقصلة اليعاقبة، التيار السياسي الجمهوري الدموي، في معمعان الثورة الفرنسية وهي تطيح بنبلاء السيف والرداء وبأخر لؤلؤة مكنونة من حلقات ملوك آل بوربون الذين حكموا بلد فلسفة الأنوار قرونا عديدة.
رواية «الأحمر والأسود» تحكي قصة جوليان سوريل، الشاب الذي يبلغ من العمر 19 عاما، وهو قروي فقير يقطن في قرية جبلية صغيرة اسمها «فيريير» ابن لفحام متسلط وغليظ الطباع، جشع لا يحب إلا المال، وقاس بشكل لا يتصور مع هذا الابن الحالم والطموح، وهو أخ لعصبة من الإخوة الأعداء. ذاق بطلنا المرهف الحس سرابيل القطران من ظلمهم له وتعسفهم معه. يتيم الأم وغيابها أثر كثيرا على شخصيته، ما حوله إلى إنسان عصابي فاقد للتوزان النفسي. فقد عاش غريبا في وسط أسري ملغوم، عديم الإرادة مستلبا بلا حب.. مولود في أسفل السلم الاجتماعي، تلقى تربية وتنشئة دينية، حيث كان يحفظ الإنجيل عن ظهر قلب. وكان يتحدث اللغة اللاتينية بطلاقة، بالإضافة إلى تمتعه بذاكرة حافظة وجيدة: مثل حفظه لمذكرات نابليون بونابرت أثناء منفاه في جزيرة القديسة هيلانة. هذه الشخصية التاريخية التي تأثر بها أيما تأثر متأدلجا بأفكارها وهو مثقف عصامي، قريء.. قراضة كتب لأن القراءة كانت منفاه الوحيد.
فالظروف الاجتماعية العصيبة التي كان يمر بها هذا الفقيه اليسوعي، رغم تكوينه العقائدي الديني منذ صغره، دفعته إلى أن يحمل قلبا يعقوبيا بونابرتيا، ناقما على قيود المهانة الاجتماعية التي يرفل فيها من رأسه حتى أخمص قدميه. ومن ثم سيخوض فارس البورجوازية الصغيرة الصاعدة غمار حرب ضروس ضد حقارة أصله الاجتماعي، محاولا تصحيح أخطاء الآخرين في حقه. ثم ولوجه مجتمع الضواحي النبيل في مدينة بيزانسون مربيا ومدرسا لأبناء الطبقة الأرستقراطية. فتورطه في علاقة محرمة مع سيدة نبيلة متزوجة تدعى السيدة دورينال، أم لأبناء تزوجت زواجا معيبا بحكم مصالح طبقتها التي تعلو فوق كل شيء. كما أن اسمها أي لوييز» لم يذكر إلا مرة واحدة على لسان زوجها، الذي ابتلعته حياة المال والأعمال، حيث ولد ذلك احساسا لديها بلوعة الغياب وجغرافية نفسية مشروخة، بسبب علاقة سلعية تربطها بزوجها شيئت كينونتها منزلقة في أتون علاقة «ملعونة « مع هذا الفتى الباحث بدوره عن حب أمومي مفقود في حياته. هذا الفقدان الذي ظل يمزقه ويفترسه من الداخل، لاسيما أنه يصغرها بفارق عشر سنوات، تم رحيله المفاجئ بوساطة رجل دين نافذ يدعى الأب «بيرار» إلى أحد أكبر معاقل المجتمع الأرستقراطي الباريسي، حيث سيشتغل موظفا وكاتبا إداريا عند عائلة آل دولا مول، لم يلبث بعد وقت وجيز من استقراره وسط هذه العائلة النبيلة أن تورط في علاقة غرامية جارفة مع الدوقة الصغيرة «ماتيلد دو لامول « انتهت بحمل سفاح.
قبل أن يكمل مشواره الطامح والجامح في أن يتبوأ أعلى قمم هذا الصرح الأرستقراطي عبر نسائه السامقات جمالا وثقافة بدءا بأسرة «آل دو رينال» وانتهاء بعائلة «آل دو لامول» تدحرج رأسه بضربة مقصلة أنهت أحلامه وأجهضت أفكاره الطامحة، وأسدل الستار على أحلام دانتون الجديد ثم خاب أمله في الانصهار بهذه الطبقات العليا التي لم تقبله يوما في وكناتها، لأنه أراد أن يلجها من سم الخياط، أي عبر نسائها المكلومات ضحايا محيطهن القاحل والأجوف المتيم فقط بالمال والألقاب والعلاقات المصلحية الباردة التي افتضت بكارة طهرانية الإنسان.
مجتمع كهذا خال من القيم والمثل العليا صلب يستحيل اختراقه بجدرانه الطبقية المنيعة، حيث لم يكن بمستطاع درويش يسوعي يختبئ خلف أمل صغير إعادة صياغة قدره ومعاقبة المسؤولين عن مأساته، أن يدك قلاع هذا المجتمع ويبني وطنا حفيا قوامه الحب والعقل والمساواة.
شخصية جوليان سوريل، ذات طبيعة فصامية ثنائية القطب في تركيبتها… تلقي بالقارئ في متاهة، حيث تمثل وحدة بنيوية متناقضة، هو لاهوتي تلقى تعليما إنجيليا وهو مجدف يخفي إلحاده واعتناقه لأفكار الثورة الفرنسية. هو ملكي يهيم حبا بالملك ونبلائه وبحياة البلاطات والقصور، بل مصاهرة أناسها رغم تدني محتده. هو جمهوري يعقوبي كدأب دانتون الذي أغرق كل فرنسا في حمامات دم المنتقم والمنتقم منه قبل أن يطيح «الجيرونديون « برأسه. هو ليبرالي يؤمن بدستور مونتسكيو الذي يعلي من قيمة الفرد وحريته. وهو إسبارطي ذو نزعة عسكرية بونابرتية مستبدة لا تحترم الحريات. هو دونجواني ماجن وخليع وانتهازي طموح ووصولي أناني لا يحب إلا نفسه ويخشى نجاحات الآخرين من حوله.
ناكر لجميل أسياده الذي لم يتوان في إطلاق النار في كاتدرائية «بزانسون» على السيدة دورينال، عشيقته السابقة التي اتهمها بأنها وراء رسالة مجهولة المصدر، كانت السبب في تعكير صفو العلاقة التي كانت تربطه بالآنسة ماتيلد التي كادت أن تتوج بزواج من هذه الأميرة الصغيرة الوامقة. كاد أن يقتل هذه الآنسة التي حملت ابنه في بطنها بضربة سيف غير موفقة بداخل مكتبة بيتها.. حيث كان يشتغل كاتبا إداريا عند أبيها الماركيز دو لامول إثر سجال حاد بينهما، والتي كان يغار من أفكارها ويخشى ذكاءها وثقافتها ورؤيتها العميقة للأشياء.
فالحب عند جوليان نزال بل صهيل ومغالبة..فقلبه يجتمع فيه الشيء ونقيضه بقدر حبه لماتيلد وعاطفته المستعرة تجاهها.. فهو يكرهها ويخشاها «بقدر ما يستهويني جمالها بقدر ما ارتاب من فكرها»…لأن كبرياءها الذي يسم هويتها كامرأة نبيلة ذات تربية ملكية هو ما كان يقض مضجع هذا البورجوازي الصغير.. المسكون برهاب مجتمع هرمي. «مشروع دانتون المستقبلي» جلاد النبلاء والمقصلي هو كما كانت تلقبه به مدللة آل دو لامول التي أعجبت بعلو ثقافة، هذا الفتى الثائر الذي يختلف كثيرا عن رجال الأرستقراطية المحيطين بها والذين كانوا يسببون لها ضجرا وقنوطا.
بطل الأحمر والأسود لم يكن قليل التسيس على الرغم من عدم ارتباطه عضويا وعمليا بأي منظمة أو حزب سياسي.. كما لم يكن من ذوي الوعي المنخفض، بل كان يختزن في جعبته كل أفكار تيارات الثورة الفرنسية، وكذلك أفكار الطبقات المعادية لهذه الثورة، علما بأنه ينتمي إلى مؤسسة كهنوتية كنائسية فيها تبلور وعيه الأول ثم بقيت هويته الدينية بزي ولباس أسود ميزته على مسار الرواية، حيث ظل هذا اللباس ملازما له حتى آخر يوم في حياته.
يؤشر اللون الأسود إلى حزن دفين يحمله هذا البطل التعس بين ظهرانيه .. فهو لم يذق طعم السعادة في حياته منذ طفولته ولم ينصف يوما حتى من طرف أقرب المقربين إليه، بالإضافة إلى عدم تحقق أمانيه في الانعتاق فإنه ظل يعيش مأتمه بلباس الحداد. لقد عاش جوليان في القرن التاسع عشر، قرن الثورات والدماء المسفوكة، كما هو قرن المعجزات العلمية والأحلام المقبورة كأحلام كمونة باريس. فاللون الأحمر يحيل في هذا المتن الحكائي إلى دموية الشخصيات التي تعلق بفكرها ونسج على منوالها أمانيه. مأساة هذا الراهب الصغير المتشح بلباس كهنوتي فاجع كحياته المليئة بالإنجازات الصغيرة والإحباطات الكبيرة، حيث أن حياته هي كر وفر عبثي، في أن ينسلخ عن طبقته الأم، ويقفز في جنح الظلام عبر نسائها النبيلات إلى أعالي قمم معسكر الطبقة النقيض. كما فعل سلفه ومثله الأعلى نابليون بونابرت، لكن عبر مؤسسة عسكرية قوية البناء والبنيان، فهو لم يأت عبر نوافذها لغزو مضاجع نبيلاتها، كما كان يفعل اللص «الصغير» جوليان سوريل الذي كان يخشى اقتحام أبوابها خشية انفضاح أمره، بل بفتوحات قيصر قلب تاريخ أمة، بل فتح قارة برمتها بسيف طروادي وعقل مستنير.
بعد هذه اللمحة القصيرة على هذه الرواية الخالدة يبقى جوليان سوريل سيزيفا حقيقيا يحمل هموم هذه الطبقة البورجوازية الصغيرة العنيدة والمنتجة للأفكار والطامحة لتغيير مصيرها. كما سيظل هذا اللاهوتي المنبوذ والأعزل إلا من قناعاته لتصحيح أخطاء هذا العالم شاهدا وشهيد طبقة اجتماعية منكوبة يعزف نشيد لعناتها ويدق أجراس أحلامها المجهضة. وبالتالي كانت كبوة هذا الفارس البروميثيوسي متوقعة، رغم كل الملاجئ التي كان يحتمي بها ورغم طلقات المسدس وسلطة الكتاب.
وفي ختام فصول هذه الأوديسة فقد حملت ماتيلد عشيقته وزوجته المفترضة رأسه المقطوع كرأس يوحنا المعمدان، ثم قامت بدفنه بحضور صديقه «فوريي» في مرتفع جبلي شاهق، مجسدة بذلك سدرة المنتهى التي كان يصبو إليها في حياته ولو بعد موته. وبقيت جبة حلاج «فريير» معلقة على البرزخ كطائر فينيقي تنتظر من يبعثها من رمادها.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة