.

الأندلس يضيء احتفالية مجلة ‘بانيبال’ الإنكليزية للأدب العربي بلندن

إياد بركات

الأمسية الأدبية التي نظمتها مجلة بانيبال مؤخرا، وهي مجلة الأدب العربي باللغة الإنكليزية، في مكتبة ووتر ستون اللندينة التي تعتبر أضخم مكتبات أوروبا، ذكرتني بزرياب، أبي الحسن علي بن نافع، الذي ولد في الموصل العراق العباسية، ثم انتقل إلى بغداد وبعدها إلى سوريا ومن هناك هاجر إلى تونس ومنها إلى القيروان ثم انتقل إلى الأندلس الأموية وعاش هناك ثلاثين عاما.

هذه الأمسية جعلتني أدرك أننا ما زلنا نبني الأندلس في لندن، وأكثر من أندلس في أكثر من مدينة أخرى من مدن عظيمة حول العالم، تصلح لاحتضان الثقافات المتنوعة.

وهنا لا أقصد فقط العرب، بل الناس كل الناس، فأنا فعليا لا أعرف من هم العرب وكيف يمكن تعريفهم إثنيا أو بيولوجيا أو تاريخيا بشكل علمي دقيق، كل ما أعرفه هو ما قاله محمود درويش حين تساءل بانفعال وحيرة مؤلمة “من أنا؟” وأجاب عن سؤاله بيقين هادئ رزين «أنا لغتي».

قدم الأمسية وأدار الحوار باللغة الإنكليزية الكاتب البريطاني من أصول فرنسية باول بليزارد، أما الضيوف الأدباء، فكانوا ثلاثة هم الشاعرة البلجيكية شارلوت فان دن بروك، والروائي العراقي محسن الرملي، والشاعر السوري نوري الجراح.

بينهم جلست المترجمة ذات الأصول الصينية، وين تشين أويانغ، لتقوم بالترجمة الفورية، وهي علاوة على كونها مترجمة بارعة تعمل أستاذة للأدب العربي في كل من جامعة ساواس وفي لندن، حيث قدمت ترجمات للنصوص المقدمة من اللغة العربية إلى الإنكليزية والعكس بالعكس.

استمتعت جدا بإلقاء الشاعرة البلجيكية لقصائدها باللغة الإنكليزية وبلغتها الأصلية، حتى وإن غاب عني المعنى، فجمال الموسيقى الشعرية المتناسق تماما مع روعة الإلقاء وصوتها الهادئ كان من الممكن أن يجعلني أجلس لساعات.

الشاعر نوري الجراح بدوره، صور بلوحاته الشعرية «قارب إلى ليسبوس» و«طريق دمشق» مشهدا سينمائيا عاصفا بالمكان والزمان، في وصفه لمشهد لجوء السوريين في القوارب التي تشق المتوسط، جاعلا من خلال كلماته كل البحر المتوسط يتماوج ويفشي أسرار شهداء القوارب عبر التاريخ. ففي قصائده تسمع صوت دبيب أقدام الإنسانية على شواطئ المتوسط، يونانيون وقبارصة وعرب وأتراك وسوريون ومنسيون ومنفيون لا يعودون أبدا.

مشهد الأمسية كان مشهدا أندلسيا بامتياز، هكذا كانت الأندلس في ذلك الوقت، خليط وتزاوج ثقافات ولغات وفنون وحضارات وإنسانية نطقت بالعربية.

مازلت أذكر زرياب الذي علم في مدرسته للموسيقى، الغناء والعزف للجميع، ويقال إنه اخترع أول مزيل للعرق، وعلّم فنون الطبخ والمائدة وأعاد للحياة زراعة وطهي الأسباريغوس أو الهِلْيَوْن الذي تناوله وقدسه القدماء من المصريين والسوريين واليونانيين والرومان. وأبدع قصات جديدة للشعر قلدها الجميع، كما افتتح أول الصالونات النسائيه للتجميل في العالم.

الروائي محسن الرملي القادم إلى لندن من إسبانيا، وفي رده على سؤال من الجمهور لماذا وهو المقيم في إسبانيا لا يكتب عن الأندلس ويختار أن يروي مآسي العراق؟ أجاب “لأنه سعيد أن العرب خرجوا من إسبانيا”.

وسخر من نوستالجيا العرب بخصوص الأندلس، العرب يا سيدي لم يخرجوا من الأندلس بل أخرجت إسبانيا الأندلس منها وقذفت بها لاجئة تبحث عن وطن عبر المتوسط وتعيش في الخيال.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة