متابعات ثقافية و فنية

قصص تونسية أبطالها أسرى في مشفى للمجانين

عمار المأمون

يعود الكاتب والمحلل النفسي التونسي أيمن الدبوسي هذا العام بمجموعة قصص بعنوان “أخبار الرازي”، فبعد روايته الأولى “انتصاب أسود” التي أصبحت تتداول سراً بين الكثيرين، ويتحاشى البعض ذكرها كالاسم السادس من الأسماء الخمسة، يكتب الدبوسي أخبار الرازي كشهادة شخصّيّة روائية ومتخيّلة عن عالم يتداعى، مانيفستو فانتازي يرفض التصنيفات “الصحيّة” التي نمتلكها عمّا حولنا في دعوة للثورة، بل لرفض القيامة نفسها بوصفها مفرطة في المثاليّة.

العالم في هذه القصص، بملذاته “الأرضيّة” يمكن أن يكون الجنّة، أمّا الصيغة الكاريكاتيرية التي نجدها في المجموعة، فهي أقرب إلى “بارودي”، محاكاة ساخرة لما نعرفه ونؤمن به، فالدبوسي لا يكتفي من خلال البارودي بالسخرية عبر المضمون فقط، بل عبر الشكل أيضاً، ليقدم بناء كاملا يتداعى كعالمنا هذا، لا للتشكيك فيه، بل لنفيه بوصفه لا يصلح، أو الحلم اليوتوبي بالنهاية السعيدة، فهو ليس إلا مجرد نزعة رومانسيّة للعجز عن التغيير.

فصام الراوي

تحكي المجموعة القصصية، الصادرة، حديثا عن دار “الجمل”، عن أيمن، المحلل النفسيّ الذي يعمل في مستشفى الرازي بتونس، لنشكك منذ البداية في علاقة الراوي مع أيمن الدبوسي الحقيقي، هل هما ذات الشخص أم لا؟ لتبدأ بعدها جرعات الفانتازيا بالتصاعد، لنراه يلتقي ديستويفكسي والمعريّ وغيرهما من الأدباء، ليعيد تشكيل هذه الشخصيات، وتوصيف طبيعة حضورها في مستشفى الأمراض العقليّة، هل هم من سكّانه، أم مجرد تهيؤات للراوي.

ونقرأ، على التوازي، عن مرضى الرازي أنفسهم، أنبياء ومجانين ومُغتصبين ومصابين بالاكتئاب، كلهم نماذج يطرحها الدبوسي عن الجنون وطبيعته التي تتجاوز المتخيّل أحياناً لشدّة غرابتها، ولا يكتفي الدبوسي بدور السارد أو المحلل النفسي، بل نراه يتفاعل مع الشخصيات من حوله محاولاً فهمهما، بل حتى مع زملائه، فهو ينغمس معهم في علاقات مختلفة، فكرية وجسديّة، تتصعد حد الإباحيّة.

وتبدو الإباحية بالنسبة إلى الدبوسي، كما في “انتصاب أسود”، وسيلة لخلخلة أنظمة العلاقات التقليديّة، بوصف الأخيرة نتاج التكيّف والترويض المستمر للرغبات والغرائز، فالتجربة الإباحيّة للراوي سواء في المستشفى أو خارجه هي أقرب إلى رحلة اكتشاف، اختبارات للّذة دون أي حد، هي لذة صرفة، تبدأ بالدهشة وتنتهي حيث لا ندري. تسخر مجموعة {أخبار الرازي» من العالم الذي نعيشه، إذ نقرأ عن ثورة للضحك في المستشفى، بوصف الضحك وسيلة علاجية يمكن عبرها التخلص من التحليل النفسي، بوصفه نظاماً متكاملاً للإخضاع والسيطرة.

لكن الثورة تُقمع ويقضى عليها، لنقرأ محاكاة ساخرة للأشكال القمعية التي نعايشها، وحتى الحرباء والمحلل النفسي اللاكاني “ليزر” الذي يصادقه أيمن في المستشفى نراه عرضة للتصنيف، هو نظيرٌ مسيخٌ لأيمن، فليزر المحلل النفسيّ/ الحرباء الذي تعرض للأذية فقرر أن يعالج نفسه، هو التجربة الفاشلة للخلاص الذاتي، وهو يسبق أيمن بخطوة، في حين أن أيمن مازال على الطريق.
من جهة أخرى تبدو المحاكاة الساخرة التي يقدمها أيمن الدبوسي، أنها لا تتوقف عند حدود المستشفى إذ نقرأ فصلاً متفرداً من الفانتازيا يحاكي يوم الدينونة، تجديف وهرطقة يفجرها الدبوسي بوجه ما نؤمن به، إذ نرى الناس يمشون أفواجا إلى الجنة بعد أن تم إعلان أن كل شيء انتهى، وأن “المزحة” انطلت على الجميع، والجنة مصير لكل شخص بغض النظر عن إيمانه.

هذه الجنة، حرّاسها بوكوفسكي والمعريّ، إلا أن أيمن يرفض هذه المزحة أيضاً، لينفلت ممارساً الفجور بأنواعه، قتل وجنس وعربدة أرضيّة، تنتهي برفض القيامة ذاتها التي يشهدها، ليعيش في جنّته الأرضية الخالصة، فيوتوبيا المساواة السماويّة تفقد اللذّة نكهتها بوصفها مباحة، لحظة الانتهاك تختفي، وهذا ما يسعى إليه الدبوسي، لحظة الانتهاك بوصفها شعراً صرفاً.
الافتتان بالإرادة الحرة

نقرأ القصص دوماً بصوت أيمن، هو الذي يختبر بحدسه ما حوله، إذ لا رقيب بيننا وبين أفكاره مهما بلغت فظاعتها، لنندفع معه في مغامرات مختلفة نكتشفها وإياه في ذات الوقت، بوصفه أيضاً لا يعلم ما يمكن أن يحصل، هو يتبع إحساساً صرفاً غير مبرمج مسبقاً، اندفاع جسديّ غير محسوب النتائج، هو الرفض في أقصى حالاته، فـ”أخبار الرازي” رحلة في هلوسات “اللانظام”، هي صرخة غروتيسكية، بأن كل ما هو الآن مرفوض، بل حتى المجانين أنفسهم لم يعودوا حاملي الوهم الرومانسي بالحرية، هم فقط نتاج فشل الأنظمة المؤسساتية.

تشكك المجموعة القصصية في أشكال التمثيل التي نألفها، هي أشبه بتدوينات محلل نفسي يعالج ذاته روائياً، إذ تتفاوت في الطول والقيمة الأدبيّة، بعضها قصير أشبه بوصفه دواء، وبعضها يمتد على صفحات، كمن اختار أن يدوّن أيامه تصاعدياً نحو النهاية، إذ تحضر الهلوسات والفانتازيات المنحرفة التي تستمد مرجعتيها من الواقع، لتهديم الأخلاق التي يحملها النظام الحالي، إلى جانب السخرية من الأشكال المسبقة التي نمتلكها عن الأدب نفسه. هي انفلات روائيّ لتدنيس المقدس بكل أنواعه، ليبدو الكاتب أيمن ضمن هذا العالم الفانتازي الذي يتداعى أشبه بشخصية كارتونية في كتاب مصوّر، تقفز من صفحة إلى أخرى؛ هو ساخر، متهكّم، يغيظ كل خليّة إيمان نمتلكها، أشبه بكاريكاتير استفزازي يسخر حتى من الجموع التي تتظاهر ضدّه.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة