.

كلوي دولوم تستعين بالخرافة لفضح العصر المشهدي

(أنطوان جوكي)

بعد «صرخة الساعة الرملية» (2001) التي روت فيها المأساة التي عاشتها وهي طفلة، و»إلى حيث يدعونا الدم» (2013) التي كتبتها كمرافعة دافعت فيها عن عمّها جورج إبراهيم عبدالله، المعتقل السياسي في فرنسا منذ 1984، تطلّ علينا الكاتبة الفرنسية (من أصول لبنانية) كلوي دولوم برواية جديدة صدرت حديثاً عن دار «سوي» الباريسية تحت عنوان «ساحرات الجمهورية»، وتنتمي في طبيعتها إلى المسرح الكلاسيكي والخرافة السياسية والتعزيم السحري.
أحداث الرواية تدور في فرنسا ومناطق متفرّقة من العالم وجبل الأولمب الأسطوري والفردوس، خلال أزمنة ماضية ومستقبلية مختلفة، أبرزها زمنان: الأول يقع بين عامي 2017 و2020، والثاني عام 2062. أما القصة المسرودة فيها فيمكن اختصارها على النحو الآتي: في مطلع 2012، تقرر الآلهات الإغريقية هيرا وهيستيا وديميتير وأرتيميس وأثينا وأفروديت التمرّد على الإله زيّوس ووضع حد للسلطة الذكورية في العالمين العلوي والسفلي، التي تدوم منذ آلاف السنين، فيقتلن هذا الإله وسائر آلهة الإغريق الرجال وينطلقن في نضال هدفه منح السلطة للنساء على الأرض، بمساعدة العرّافة سيبيل دو كوم. وفي هذا السياق، يخترن فرنسا كنقطة انطلاقٍ لمشروعهنّ ويؤسسن «حزب الدائرة» فيها من أجل إيصال امرأة إلى سدة الحكم خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2017. ولبلوغ هدفهن لا يتوانين عن استخدام قدراتهنّ الخارقة، خصوصاً التعويذات السحرية. لكن على رغم نجاحهن في مهمتهنّ، لن تلبث الأمور أن تؤول إلى المأساة عام 2020، فيقرر الشعب الفرنسي بالإجماع محو آثار هذه السنوات الثلاث كلياً من ذاكرته وأرشيفه.
ولنفض الغبار عن تلك المرحلة وفهم ما حصل خلالها، تستدعي محكمة باريس العليا عام 2062 سيبيل دو كوم للمحاكمة، وكانت ما تزال على قيد الحياة وبلغت 2913 عاماً، فتفتح هذه العرّافة أبواب ذاكرتها أثناء محاكمتها لسرد ما حدث، ليس فقط خلال السنوات الثلاث، بل منذ فجر الخليقة. ومن هذا المنطلق، تذهب بنا إلى الفردوس لإطلاعنا على قصة ليليت مع آدم، وتحطّ بنا في جبل الأولمب لتعرّفنا إلى شخصيات آلهة الإغريق وصراعاتهم، قبل أن تقفز إلى زمننا الراهن، كاشفةً في طريقها معاناة المرأة على مر التاريخ.
الجزء الرئيسي من عملية السرد يحصل إذاً على لسان هذه العرّافة التي تلجأ دولوم إليها من أجل إعادة كتابة تاريخ البشرية وبعض أساطيرها من منظور نسائي داخل نصٍّ هلسي، انتقامي وطريف يشكّل أداءً كتابياً فريداً من نوعه تتشابك فيه حوارات الآلهة الإغريقية، المنظومة وفقاً للبيت الإسكندري، مع فصول محاكمة العرّافة. محاكمة تحصل في ملعب كرة قدم، وتباع بطاقات حضورها بأسعار خيالية، وتُطرَح مستندات إثبات التهمة خلالها في المزاد العلني، وتكتب محاضر جلساتها شخصيةٌ معروفة من عالم الأزياء، وتتخللها وقفات إعلانية وإعلامية مضحكة ومسابقات ينال مَن يفوز بها زيارات مجانية لطبيب الأسنان.
قصة خيالية إذاً تلك التي تسردها دولوم في روايتها، لكنها تشكّل خير ركيزة لها من أجل توجيه نقدٍ لاذع الى المجتمع الفرنسي، والى عالمنا عموماً، وتسليط الضوء على المشاكل السياسية والاقتصادية والدينية والبيئوية والاجتماعية الكبرى الراهنة التي ستؤدّي حتماً إلى كوارث عظمى في حال عدم إيجاد حلول سريعة لها. ومن هذه المشاكل: السياسات الليبرالية التي تتّبعها جميع الحكومات اليوم والمسؤولة عن ارتفاع نسبة الفقراء في شكلٍ مرعب، سياسة الغرب المخزية تجاه المهاجرين، لجوء المسؤولين السياسيين إلى الخطاب الأمني للجم الحريات والتحكّم بمصير المواطنين، عملية استهلاك كوكبنا وتلويثه المسعورة، الانحراف وتنامي الأصوليات التكفيرية، الارتهان الجماعي الخطير سواء لآخر صرعات الموضة أو لشركات الخليوي أو لوسائل الإعلام التي تقتل حرّية تفكير متابعيها بدلاً من تعزيزها، من دون أن ننسى البرامج التلفزيونية الترفيهية التي تجذب ملايين المشاهدين، وتستعين دولوم بقوانينها للهزء من عالمنا المعاصر الذي أصبحت الحياة فيه شبيهة بواحد من هذه البرامج.
أما لماذا اختارت فرنسا كجغرافيا لروايتها، وأيضاً كاستعارة لعالمنا ككُلّ، فتجيب الكاتبة من طريق العرّافة: «تطلّب مشروعنا بلداً الإيمان فيه جرحٌ، والخيبة عادةٌ، ومفهوم المستقبل مزحةٌ. بلدٌ في انتظار معجزة سياسية وجاهز لتصديق عبارة «أن نقول يعني أن نفعل» (فرنسوا هولاند). بلدٌ نوايا مواطنيه حسنة، لكنهم يتأفّفون من التضحيات وأضحوا متخصّصين في الامتعاض والتذمّر». وفي هذا السياق، لا تتردد في منحنا بعض الأرقام المعبّرة، دائماً على لسان العرّافة التي تقول بسخرية في مكان ما من الرواية: «فرنسا هي بلد حقوق الإنسان، لذلك تتعرّض عشرون في المئة من النساء فيها للعنف الأسري، وتتفاوت معاشات النساء والرجال بنسبة ثلاثين في المئة لمصلحة الأخيرين، ولا تتجاوز نسبة النساء ثلاثين في المئة في ميدان البحث العلمي، وعشرة في المئة في البرلمان».
باختصار، نصٌّ يتعذّر تصنيفه للجوء دولوم فيه إلى أنواع كتابية وسردية مختلفة، كالنشرة الإخبارية والمرافعة القضائية والرسائل الإلكترونية، من إيميلات وهاشتاغ. وإذ نتيه أحياناً داخل نثره الهاذي وبنيته المعقّدة، لكننا نتابع قراءته حتى النهاية محمولين بطرافة أسلوبه، خصوصاً حين تسرد نزوات الإله زيّوس الذي «تنحدر جاذبيته مع كل زيغان أو مغامرة عاطفية»، أو تصف عملية تعزيم مبنى وزارة الاقتصاد والمالية في باريس من أجل طرد روح مارغريت تاتشر منه.
وفي حال أضفنا عرض الكاتبة فيه مختلف التيارات والأشكال النسوية التي عرفها التاريخ، وبراعة تملّكها الاقتباسات من أجل تعزيز خطابه، وصياغتها الفنية المدهشة له التي تظهر في أداءاتها اللغوية المختلفة وتلاعبها الممتع والحاذق بالكلمات، لتبيّن لنا ثراء وفرادة هذا النص الذي إذ يبرهن على شيء فعلى أن الخرافة التأملية المحرّرة من أي قيد والكتابة الهزلية والساخرة على طريقة رابليه وباختين تشكّلان سلاحاً أمضى وأكثر فاعلية من السرد الروائي التقليدي لنقد تاريخنا الطويل وفضح واقعنا الراهن.
من الرواية
اسمي سيبيل. لا اسم آخر لي. لا تكونوا سخفاء، الشيطان في التفاصيل، لا في الأسماء المستعارة. وُلدت في مدينة سيمي الإغريقية وعمري… سأعود إليه لاحقاً. أما حياتي، فهذا ليس الوقت المناسب. أنا جاهزة لرواية كل شيء لكم، لقد التزمتُ بذلك وأنا أحترم التزاماتي، لكن كل شيء في أوانه.
مهنتي: عرّافة، مؤسِّسة لـ «حزب الدائرة»، مستشارة الآلهات، متخصّصة في توارد الأفكار والفطنة والاستبصار. وبصراحة، كنت أفضل أن أكون فنانة، لكننا لا نفعل دائماً ما نريد.
طبعاً أنا مذنبة، لم أسعَ إطلاقاً إلى إنكار ذلك. أنا مسؤولة عن أفعالي، ولا أتهرّب من الاتهامات الموجّهة لي، باستثناء «تأسيس تنظيم إرهابي» و»المسّ بأمن الدولة» و»ارتكاب جرائم ضد البشرية»، لأن هذه التهم غير صحيحة، سيدي الرئيس. فلتسجّل الكاتبة ذلك ولتأخذه هيئة المحلّفين في عين الاعتبار: أنا مذنبة ومسؤولة، لكن ليس عن كل ما تعتقدونه.
أصلاً، أنا كنتُ ضد مشروع الحزب. إذ لم أكن أرى أي فائدة من إنقاذ العالم عبر تسليم زمام أموره للنساء، بل كنتُ أشمّ رائحة المأساة والفشل الذريع في هذا الأمر، وأختنق من جرّائه. لم أكن أريد أن نتدخّل، كنت أعلم إلى أين سيفضي بنا ذلك. عليكم أن تفهموا: رؤية الكوارث قبل حصولها هي في طبيعتي. لكن، كيف أقوله لكم، لا أحد يصغي إليّ.
تريدون إعادة تشكيل الأحداث، ضعوها في تسلسلها الصحيح. في الأصل، «حزب الدائرة» جمعية سرّية تأسست لتجنُّب نهاية العالم التي حدّدها مخطوط الـ «مايا» في الواحد والعشرين من كانون الأول 2012. صريحة كانت النبوءة: كان من المفترض أن يتوقف الزمن في ذلك التاريخ. لم يكن هنالك أي مشروع مبتكَر من أجل إعادة الانطلاق، بل تصفية حاسمة، نهاية البشرية.
تريدون وضع لائحة بأفعالي السيئة، حسناً، لكن لا تحاكموني على ما لم أقترفه: أن يدوم الجنس البشري، أنا كنت ضد ذلك. أي إنسان يتمتع بالحد الأدنى من البصيرة ويعرف تفاصيل الملف كان قد خلص إلى الاستنتاج نفسه. لا يملك الكائن البشري أي غريزة سوى غريزة التناسل. الكارثة تولّد الكارثة. عليكم أن تفهموا: إفراز الكوارث مع الاعتقاد أنكم تتطوّرون هو في بنيتكم. أنا كنت ضد ديمومة البشرية. ولا أظن أن ذلك جريمة. ربما جريمة رأي. لكن في النهاية، لم يغيّر ذلك أي شيء. فعلى الرغم من إلحاحي، لم يجتح الأرض أي سيلٍ من الحمم البركانية، لم يدمّرها أي نيزك عملاق، لم يغمرها أي طوفان. كما قلت لكم: لا أحد يصغي أبداً إليّ.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق