متابعات ثقافية و فنية

لمحات ثقافية

مودي البيطار

القلم عصا سحرية

> كان الميلاد الحقبة الوحيدة التي أسعدت الأم، واقتنعت الطفلة بأن فرح المرأة الميلادي أصابها بعدوى صامدة. تخلط جينيت ونترسن القصة بالتاريخ والذكريات والفلسفة الشخصية ووصفات الطبخ في «أيام الميلاد» الصادر عن دار كيب، ويهضم النقاد خليطها بلذّة. «صاندي تلغراف» اعتبرته كتاب السنة، و «صاندي تايمز» رأت المزيج رائعاً. كُتّاب قلائل، قالت، يقدرون على التنقّل الرشيق في ثلاث صفحات بين الإله الروماني جينوس، قوة الذاكرة والنبيذ الأحمر الملائم لرقاق الجبن. قصص ونترسن عن القسوة الديكنزية وخسارة الحب، لكنها أيضاً عن العزاء والخلاص – والغفران الذي يبدو الميلاد المناسبة الكاملة له.
حكت أغنية للأطفال عن العاشق الذي يهدي حبيبته في كل من أيام الميلاد الاثني عشر هدية يزداد ثمنها اطّراداً. في كتاب ونترسن دزينة قصص ووصفات لأيام العيد الذي ترك الأطفال قبله مآكل لسانتا كلوز خارج البيت في حين وضعت جينيت هدايا لفرسان الرؤيا الأربعة. فصّلت الكاتبة المتبنّاة قسوة السيدة ونترسن في روايتها الأولى «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» ومذكراتها «لماذا تكون سعيداً حين تستطيع أن تكون عادياً؟». كانت امرأة إنجيلية مكتئبة احتفظت بمسدس في جارور نفّاضة الغبار، وحبست ابنتها في قبو الفحم، لكن ظهورها يلين في «أيام ميلادية». اعتقدت أن حركة الفئران تدل على روحانية، وركّبت راديو قصير الموجة لتبثّ رسائل دينية الى غير الإنجيليين. تنشر الكاتبة وصفة الكعك بالمربى الذي أعدّته، الى أخرى تعلّمتها من أقرباء وأصدقاء. أحبّ والدها «ترايفل» الفاكهة وكريم بريستول، وحضّرته له قبل وفاته بأيام. فرحت بالميلاد الأخير معه لأنه أعاد كتابة نهاية علاقتهما، وختمها بالغفران لا المأساة. زوجتها سوزان أورباخ قدّمت وصفة سمك السامِن. كوني آكر التي لا تستطيع أن تطبخ أو تحرّك الطبخة أعطتها وصفة الكاسترد. الكاتبة الراحلة روث رندِل طبخت الملفوف الأحمر بالتوابل، وكانت الأم الطيبة التي دعمت ونترسن ولم تُدِنها. تركتها تحكي وتكون من هي، وأمضت ونترسن الميلاد معها وكتبت في منزلها روايتها الثانية «الشغف».
في «الأسد، الحصان ذو القرن وأنا» تروي حكاية الميلاد بصوت الحمار الذي يصبح أنفه ذهبياً لدى احتكاكه بقدم ملاك حطّ على سطح الإسطبل. كانت نشرت القصة في 2009، وقالت في مذكراتها إنها هي كانت الحمار القزم الذي احتاج الى أنف ذهبي. في «رجل الثلج» تقول إنه ليس أكثر من ثلج شكّله رجل لم يؤمن به أو يحبه، لذا ذاب ولم يعش. ماما ثلج المحبة لا تتبرّع لتقديم الأوهام. حين تقول فتاة إن المفترض بالأهل رعاية أطفالهم تجيب أن «الحياة هي ما هي عليه». مسز ريكيت، صاحبة الميتم، افتقرت الى المشاعر، لكن الميلاد أصابها بنوبة عاطفية مثل كثيرين مثلها، وجعلها ترغب في تقديم شراب البانش الساخن والجيلو المذاب للمرتّلين. ثمة أطفال يُترَكون خارج البيت، ويُحبَسون في الخزائن وغرف الثلج، لكن المرح والنهايات السعيدة يسودان. تحوّل الكاتبة قلمها عصا سحرية، وترشّ سحر الميلاد على شقة نيويوركية باردة يغمرها الدفء حين تظهر فيها فجأة شجرة مزينة ومنيرة.

ضربة ضمير

> كانت أهم إنجاز فرنسي وفق أميركي فرنكوفوني، واحتاجت ولادتها الى أربعة عشر عاماً وثلاثة بلدان. في «رواية القرن» الصادرة عن «بارتيكولر» يقول ديفيد بيلوز، بروفسور الأدب الفرنسي في جامعة برنستن، إن ملحمة الفقر الشهيرة جلبت لفكتور هوغو ما عادل سبعة وتسعين كيلوغراماً ذهباً، أي ثلاثة ملايين جنيه استرليني اليوم. طبعت في بلدان أوروبية عدة في الوقت نفسه وسط حفاوة صاخبة استنكرتها قلة بينها شارل بودلير الذي رآها «قذرة وغير بارعة» وغوستاف فلوبير الذي قال إنها كُتبت لـ «الحمقى الكاثوليك الاشتراكيين». شاءها هوغو قصة حب وعطف ونداء للمصالحة، وخرج بعد ألف وخمسمئة صفحة رجلاً مختلفاً. بدأها ملكياً في 1848 حين خلع لوي نابوليون بونابارت الملك لوي فيليب، وانتهى «ناطقاً باسم القضايا التقدمية» حين رأى فساد الحكام وبؤس الأكثرية. رافق تحوّل هوغو الاجتماعي والسياسي التغيير في «البؤساء» التي جمعت القصة الجيدة وأفكار التنوير والخلاص الفردي والاجتماعي.
عجز هوغو عن الكتابة بعد انقلاب 1851 الذي حوّل لوي نابوليون بونابارت نفسه من رئيس الجمهورية الثانية الى الإمبراطور نابوليون الثالث. هاجر الى جزيرة غيرنزي البريطانية مع أسرته وعشيقته، وعاد الى «البؤساء» في 1860 يكتب على أوراق زرقاء ويسترجع أزقة باريس ومجاريرها المظلمة في غرفة مشمسة تشرف على البحر دعاها «الإطلالة». حمل بلاط الجدران في غرفة الطعام الحرفين الأولين من اسمه، وسكنت عشيقته جولييت قرب داره بمعرفة زوجته أديل. لكن شهيته تعدّت المرأتين الى بائعات الهوى اللواتي التقاهن في طريقه للسباحة التي واظب عليها. أنهى الرواية التي استُقبلت بإقبال كبير في فندق بلجيكي يطل على موقع معركة ووترلو، وأطلقها في بروكسيل في حفل قدّم للمدعوين ثلاثين طبقاً من الأصناف الفاخرة. آمن مثل تشارلز ديكنز بالإحسان والاجتهاد وترقية الذات، ورأى الخلاص من الفقر في العمل لا المساعدات الحكومية. لم يُدِن الرأسمالية على رغم اعتباره شيوعياً باسلاً سبق زمنه، ولم يكن ملحداً كما شاءه البعض. المطران ميرييل في الرواية يغيّر البطل بإحسانه: «يجب أن يؤمن التقدم بالخالق. لا يستطيع اللامؤمن القيام بالخير. الملحد لا يصلح قائداً للرجال».
ترصد «البؤساء» جان فالجان الذي يسجن تسعة عشر عاماً لسرقته رغيف خبز ومحاولته الهرب تكراراً. عند إطلاقه يجد شخصاً واحداً يبيته، فيشكره بسرقة الفضيّات. حين تقبض الشرطة عليه يحميه المطران ميرييل بالادعاء أنه أهداه إياها. يتوب فالجان بعد سرقة أخرى، ويعتمد اسم مسيو مادلين، ويثرى من الخرز الأسود. يؤسس مصنعاً في بلدة مونتروي يوظف أهلها ويجلب لها الازدهار. تعود فانتين الى بلدتها بعد أن تنجب ابنة غير شرعية تودعها لدى صاحب نزل وزوجته. تعمل في مصنع مادلين، وتبيع جسدها حين تطرد من عملها. تمرض، ويعدها مادلين باستعادة طفلتها كوزيت، لكنها تموت قبل أن تراها حين يضطر الى الاعتراف بأنه جان فالجان بعد اعتقال الرجل الخطأ. يهرب من السجن ويستعيد كوزيت ويقنع الراهبات بقبولهما في الدير. ينقذ غريمه المفتش جافير من ثوار 1848 الذين أرادوا قتله، ثم يهرب بماريوس، حبيب كوزيت، في مجارير باريس ليجد جافير ينتظره في نهايتها. يحار المفتش ثم يقرر إطلاقهما، لكنه لا يستطيع تقبّل مخالفته القانون ويحلّ أزمة ضميره بالانتحار.

عودة الروح

> تستعير يا غياسي عنوان باكورتها «الذهاب الى البيت» من اعتقاد أفريقي بأن روح العبد تعود الى ديارها لدى الموت. الكاتبة الغانية الشابة، ستة وعشرون عاماً، هاجرت الى أميركا في الثانية وتخرّجت من ستانفورد ومشغل الكتابة الإبداعية في آيوا. تبدأ روايتها في منتصف القرن الثامن عشر مع هروب العبدة مام من حريق في منزل مخدومها. تترك خلفها طفلتها الجميلة إيفيا التي تنجو من الحريق وتتزوج لاحقاً الحاكم البريطاني. تسمع عويلاً من الزنزانات تحت القصر حيث أُسرت أفريقيات سينقلن الى أميركا. تنجب مام طفلة أخرى، إيزي، من زعيم من منطقة الداخل مثلها، لكن الابنة المدللة تؤسر وتباع للبريطانيين الذين يشحنونها عبدة الى أميركا. ستسمع إيفيا بكاءها في القصر من دون أن تدرك أنه نحيب أختها.
يروي كل فصل متحدّر من سلالتي إيفيا وإيزي ليضيء تواطؤ أهل أفريقيا الغربية في تجارة العبيد على الأطلسي. ماركوس المتحدر من إيزي يدرس علم الاجتماع في ستانفورد ويجهل تاريخ عائلته. يلتقي في حفلة في كاليفورنيا مارجوري المنتمية الى سلالة إيفيا التي أمضت عطلات الصيف في غانا، وعرفت قصة الأسرة من جدتها. تضع الشابة قلادة تحمل حجراً أسود أعطته مام لإيفيا، ويجهل ماركوس أنها منحت إيزي حجراً مماثلاً فقدته بعد أسرها. جهلت الأختان وجود الأخرى، وتقول الكاتبة إنهما مثل امرأة وانعكاسها، حُكم عليهما بالبقاء على جانبي البركة. تروي غياسي عذاب العبيد على أيدي البريطانيين، لكنها لا تلومهم وحدهم بل تدين أهلها الأفارقة أيضاً.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة