متابعات ثقافية و فنية

‘مانيفستو أيوب’ رواية الجسد المرح

محمد ناصر المولهي

بداية ما يلفت النظر منذ مطلع رواية “مانيفستو أيوب” للصحافي التونسي صابر سميح بن عامر هو المقطع الذي صدّر به الرواية بلغة شعرية كثيفة، قريبة من النبوءات وسجع الكهان، منه نستشف أننا على مشارف نص محبوك لغة، منذ لحظة ولادة أيوب البطل ناقصا جسديا.

جاء التصدير شأنه شأن بقية أجزاء النص الروائي معنونا بـ “أمل منقوص” ومبوبا في باب “الحرف الأول” حرف الألف، وجاء في شكل حوار، يقول فيه الكاتب “أيوب، ذاك الوليد المبتور الذي ولد قبل أوانه، وفي أوانه فسُمي أيوباً!/ الأم: كم هو وسيم!؟/ الأب: لكنه مبتور اليد والساق./ الجدّة: هو الله أراد له أن يكون./ الأم: سوف يكبر وتُولد يده وساقه من جسده؟/ الأب: لن أرحم الطبيب!/ الجدّة: دعها على الله، يا بنيّ”.

آثرنا استحضار فاتحة النص كاملة لأنها ستمثل عتبة مهمة لقراءة شخصية أيوب وما سيأتي من أحداث من بعد، حيث كل ما يحدث يدور حول الجسد، جسد الطفل الذي لا يكبر.
اكتشافات مرحة

بطل الرواية أيوب يظهر بداية أنه يعاني من خلل في ساقه ويده، وهنا قد يعتقد القارئ أنه سيكون بصدد مشكلة جسد ستصنع شخصية تعالج قضايا في ذلك المنحى، لكن أيوب ونحن نتتبع مساره تغيب ساقه الاصطناعية ويده المنقوصة، ولا تحضران إلى من حيث المرح، حيث يسمي مثلا ساقه “عربتي”.

المرح في مطلع الرواية كان قائد الأحداث وكشّاف تفاصيل وشخوص وأمكنة، حيث نتتبع السرد على لسان الراوي العليم عن الطفل وأحاديثه التي تنبئ بفطنته المبكرة وحدة ذكائه واعتداده بنفسه، يعامل كل ما حوله ببراءة المكتشف وشغفه، يكتشف جسده دون أن يرى فيه “عيبا” أو نقصانا، ونستحضر هنا مشهد أيوب عند “الخياطة” وحضوره في المدرسة، حيث يبدو هذان التفصيلان مجردين بسيطين، لكن الكاتب ضمنهما أحداثا تاريخية، مثل ثورة الخبز التي حدثت مطلع الثمانينات من القرن الماضي في تونس، ولو بشكل خاطف.

الرواية واقعية تتبع حياة أيوب في مختلف مراحلها وهي أقرب إلى السيرة الذاتية، ولو أن المؤلف يؤكد أنه رغم ما في سرديته من ذاته فإنها ليست سيرة ذاتية كاملة شروط السيرة، إذ الكثير من الأحداث هي أحداث متخيلة.
الإيحاء اللغوي

كتبت “مانيفستو أيوب” بلغة متينة ومقتضبة قريبة إلى لغة الكاتب التونسي محمود المسعدي النابعة من لغة النص القرآني، حيث قام تقسيم الرواية على التقسيم الأبجدي، في كل حرف من حروف العربية مقطع سردي قد يطول أو يقصر، لكن الأسلوب المحوري هو الاقتضاب والتكثيف، ورغم أن السرد خطي فإنه لم يخل من لعبة الزمن، ويذكرنا أسلوب بن عامر بالطريقة التي يكتب بها إدواردو غاليانو، ومانويل غونزاليس في اعتمادهما على الفقرات المكثفة، رغم أن الرواية التي نحن بصددها تمايزت بالسرد الخطي المترابط، فإنها أقامت بنيانها على فقرات مكثفة توحي أكثر مما تقول.

في عودتنا إلى أيوب الذي تدور حوله الأحداث، والذي يحضر في كل مشاهد الرواية، كنا أكدنا على سرده المرح المكتشف، لنستجلي من خلاله عالمه البسيط الذي تدرج في اكتشاف الجسد، حيث الجسد محور الرواية كما سنبين ذلك لاحقا. التحول في السرد من الهدوء إلى التوتر حدث منذ بداية مراهقة أيوب، وأول علاقة جسدية خاضها مع فتاة، كانت بالنسبة إليه نقطة تحول من رحلة اكتشافه لجسده إلى تشارك هذا الجسد مع جسد آخر، واكتشاف أجساد أخرى وأحاسيس جديدة نابعة من عمق الإنساني.

نبدأ منذ تلك اللحظة في تتبع مغامرات أيوب مع النساء وتنقله في الأمكنة وصولا إلى أميركا وعودته منها إلى تونس، مغامرات جسدية تعطّلت بانتقام امرأة منه بأن أخبرته أنها مصابة بالإيدز، ليعيش أصعب فترات حياته معيدا تقييم العالم والنظر إلى الأشياء بشكل مغاير كان ينبئ بانقلاب أحداث الرواية إلى عمق آخر، لكن ما إن يتبين للبطل أن الأمر مجرد مزحة انتقامية يعود إلى مغامراته، لكن بنفس آخر وهو في سنين شبابه باحثا عن الحب وعن الطرف الآخر.

ربما يصنف أحدهم الرواية على أنها نص إيروتيكي، رغم أن المشاهد الجنسية كانت على حياء، ولم تحمل بين طياتها كامل عناصر الخطاب الإيروتيكي الصريح، لذا نسم النص السردي بنص الاكتشاف من بوابة الجسد، جسد لم تنحصر فيه المروية بشكل أحادي، حيث أيوب كان ذلك الشاب الفطن والحساس أيضا.

منذ بداية الرواية في الحقيقة يحضر الجسد منذ التصدير ومنذ مشهد الخياطة والساق الاصطناعية والمستشفى، كلها عناصر كان محورها الجسد، وكأننا أمام جسد يحكي تاريخه ونظرته وأحاسيسه، وربما نعود هنا إلى مقولة الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه بأن “الجسد هو العقل الأكبر”، حيث ليس الجسد عورة ولا عارا ولا عنصرا دنسا كما تروج لذلك بعض الأصوات، وخاصة في الحضارة العربية، بل هنا نجد الجسد سيرة لها وقعها ولها تفاعلاتها ومرحها وحكاياها الخفية.

هدوء وتوتر

نتتبع مغامرات أيوب من امرأة شريكة في صناعة الحدث إلى أخرى، إلى غاية رحلته إلى أميركا رفقة حبيبته، والتي كانت أطول فصول الرواية، حيث عاش قصة الحب التي تمرد عليها نظرا إلى أنها تحولت إلى شيء من الاستعباد ليهرب منها قافلا إلى تونس، ويأتيه الحب فيها مع امرأة لم يكن يتوقع أن يغرم بها، حيث خطان يدفعان الأحداث هما الجسد والعاطفة.

نلاحظ في نص الرواية حضور بعض القصائد والأغاني التي كان يرددها أيوب من حين لآخر وخاصة في لحظة تمرده التي أتى فيها بأبيات لأبي القاسم الشابي. لذا نؤكد مرة أخرى على أن السرد رغم خطيّته فإنه ظل محافظا على لعبة التشويق، والتعدد.

ما نخرج به من رواية صابر سميح بن عامر هو أن الجسد محوري وأنه طريق وجودي عميق، حيث يغير نظرتنا إليه ويمحي تلك النظرة الدونية ويفندها بسلاسة تامة.

يبقى أن الرواية مستلهمة من ذات الكاتب وسيرته، وهذا رغم أنه كان من أسباب تماسكها إلا أنه في بعض الأحيان جانب العمق، وهنا لا نقصد العمق الذي حدث به ناقد فنانة تشكيلية في إحدى قصص باتريك زوسكيند.

ربما نفهم نرجسية البطل التي تعجبنا مطلع الرواية، لكنها تحجب الكثير من الشخصيات التي كان من الممكن تطويرها، لكن الحكاية رغم إشاراتها الذكية والخاطفة إلى أحداث تاريخية وأفكار المؤلف، فقدت قليلا من ذلك البريق منذ عاد ما بعد توهمه الإصابة بالإيدز، لتظل الرواية حركة هادئة إلا في تمرد البطل في أميركا، ولكنها عادت إلى الهدوء السابق. ويبقى هذا العمل الروائي الأول للكاتب الذي اختار أن ينحت طريقا متمازجا بين تقنيات السرد المكثف واللغة المتينة، ما خلق جمالية مختلفة.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة