فن تشكيلي

عالم لولوة الحمود يتوهج بالزخرفة والهندسة

عبد الرحمن السليمان

تتميّز تجربة الفنانة السعودية لولوة الحمود بأنّها تستلهم تفاصيلها من الزخرف الإسلامي من جهة، وتعانق التوجهات الفنية المعاصرة من جهة أخرى، فترتكز في عملها على المنجز الفني بذاته، بغض النظر عن القواعد التي اصطُلح عليها. إنها تجربة تستدرك أولاً الحالة الفنية التي تسعى إلى تحقيقها وفق المراجع التقليدية التي تبعها عدد من الفنانين مستفيدين من المعطى التراثي الإسلامي، بخاصة في ما يتعلق بالوحدة الزخرفية الإسلامية التي شغلت الأماكن والأدوات وغيرها. هكذا تجد الفنانة ضالتها في الاشتغال على الوحدة وفق تراتيل التكرار واللعبة البصرية حيناً، ووفق ما يستدعي التأمل والتفكير أحياناً.
ثمة رؤية خاصة تطغى على عناصرها ووحداتها، إضافة إلى حالة تأملية تستعين بها في العمل على الفنون الزخرفية الإسلامية، ولا سيما في حالة التكرار أو الإيحاء بالحركة والديمومة والدوران. هي تخلق منها نموذجاً أو تستدعي معها حالة بصرية تستفيد فيها بطبيعة الحال من الفنون البصرية أو الأوب أو اشتغالات فازاريللي التي تميزت كأحد أوجه الحداثة. واللافت في تجربة لولوة الحمود توجهها أو ربما استفادتها من المعطى العربي أو الإسلامي عبر توظيف الحرف العربي تارة أو الزخرفة طوراً، ومن خلال الكتابة العربية مرّة أو بالمزاوجة بينهما مرّات.
تستعير الفنانة بعض الحروف أو الكلمات كما جاء في عملها “الأسماء الحسنى”، علماً أنها اهتمت بالخط العربي فدرسته مع يقينها بأهمية معرفة القواعد وضرورة دراستها، على اعتبار أنّ التغيير أو التحديث لا ينبغي أن يمس بالأصول. من هنا نجد الفنانة في بحث دائم عن الجديد مما يُشكّل إضافة في ساحة تملأها التجارب والصيغ. وهي ترى بالتالي أن الهندسة ترتبط بنظام الكون وأن على المشاهد المشاركة والسعي والتأمل، وتعتبر نفسها تابعة إلى مدرسة الفن الإسلامي في العلاقة بالمحدود واللامحدود. وقد يتمثل ذلك في الحركة أو البصرية التي تشي بها بعض أعمالها. لكنّ الغموض البصري عند لولوة يستوجب المشاركة، لذا فإنك تجد في توجهها رمزية تومئ إلى التداخل الأبدي بين المعرفة والإيمان والحب، في وقتٍ تستهويها الهندسة كشكل مجرد يحرر اللغة الخفية للكون. لذا فإنّ أعمال الفنانة- على رغم انحيازها أو استلهامها من الفنون الإسلامية- هي تعنى بالشكل الهندسي كالمربع والمعين وغيرهما، وتشكل من هذه الوحدات لوحتها الفنية، مضيفة أحياناً، وفق التراكيب والأشغال، كتاباتها المؤلفة من كلمات لها معناها وفق نظام يضع العمل في سياق الوحدة الكلية التي يتجزأ منها المعنى أو الحالة البصرية والجمالية.
وبعيداً من الحالة الشعرية الانفعالية عند لولوة الحمود، فإن انحيازها لهذا الإيقاع الجمالي الهندسي يوقعها أسيرة قانون هندسي يعيد ترتيب الأشياء وفق استحضار القوانين الصارمة. وحين تحاول في بعض الأعمال الفكاك من هذا الأسر نحو إضافة ما أو كسر إيقاع التراتب والتماثل، يظلّ منهجها مستنداً إلى العلم والرياضيات، من دون أن تكون أسيرة لمشاعرها أو لاستجابة عاطفية إزاء حدث يومي.
هكذا فإن فنها لا يدور حولها أو حول أي تجربة تخصها؛ وهي تصف علاقتها بفنها كأنه حالة من التأمل الروحي، وتعترف بحرصها على ترسيخ شعور هادئ وأبدي، بطريقة تُبقى أثراً لدى مشاهد أعمالها.
كاندينسكي بريادته التجريدية هو واحد من الفنانين الذين تحبّ أعمالهم، وتقول إنها قد تستفيد من جماليات الجانب الروحي أو التأملي النظري في أعماله، في وقت استفادت من آخرين في مسألة الخداع البصري، فيما اقتربت من توجهات أحمد مصطفى في كتاباته وتكويناته. أما المشاهد فيمكن أن يلتمس قرباً بين أعمالها وأعمال الفلسطيني كمال بلاطة.
درست لولوة الحمود الفنون في بريطانيا وحصلت على الماجستير في وسائل الاتصال المرئية من كلية “سنترال سانت مارتينز”، بعدما تخصصت في تصميم الغرافيكس. تنظم لولوة عدداً من المعارض، وقد أقامت معارضها المشتركة والفردية في المملكة السعودية وفي مدن عربية لأخرى، منها الرياض والشارقة ودبي والدوحة وبيروت، إضافة إلى دول أجنبية مثل هولندا وبريطانيا وسويسرا وهونغ كونغ وكوريا والصين وغيرها.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة