إصدارات

الكتابة ليست شيئا آخر سوى صمت من نوع خاص

أشرف القرقني

يذهب القاص التونسي محمد الحباشة، في عمله الروائي “خلدون ميشال”، إلى أبعد ممّا يتيحه الرّوبرتاج، متقصّيا واقعا تونسيّا اجتماعيّا وسياسيّا ضمن حبكة سرديّة متقنة ومغايرة. ولعلّنا نتلمّس من خلال هذا العمل الرّوائيّ إمكانية تشكّل مدوّنة سرديّة طريفة لصاحبه.

ينقطع أكرم، وهو السّارد في هذه الرّواية، عن دراسة الفلسفة في الجامعة بسبب انتحار حبيبته مريم. مريم انتحرت لأنّها حملت من أكرم. بينما يريد هو أن يصير كاتبا. فيعوّل على قراءاته. ويتفرّغ للعمل في مطعم والديه. يطمح للسّفر إلى الخارج. فتأخذه أمّه إلى قبر خاله خلدون ميشال في المقبرة المسيحيّة وهو الذي سافر إلى فرنسا فارّا من سطوة النّظام السّياسيّ بسبب كتابته لشعارات مناهضة له. يدخل أكرم في علاقات إنسانيّة مختلفة: أوّلا مع فتاة تودّ الانتحار، فينقذها، ويسمّيها باسم حبيبته الأولى مريم، وثانيا مع رجل عجوز أبكم، ومن ثمّ مع نادلة حانة الروتند التي يرتادها بانتظام.
البناء الحكائي

كان البناء الحكائيّ موفّقا إلى حدّ بعيد. فالسّارد أكرم ومن ورائه المؤلّف يصوغ الأحداث ويسردها على نحو يجعلنا نبحث عن جواب لأسئلتنا في الصّفحات التي تلي. ولا نتوقّف عن الشّعور بالمفاجأة أو الرّغبة في استكناه سرّ ما. اكتشاف ضريح خلدون ميشال يزاوج منذ البداية بين التجلّي كحدث مهمّ من خلال حرص الأمّ على مرافقة الابن إليه بعد فكرة سفره إلى الخارج، وبين ظهوره كحركة ثانويّة في مسار حياة الشّخصيّة. ومع ذلك تبرز شخصيّة الأبكم المسنّ بكلّ غموضها وغرابتها في لحظة التعرّف على ضريح خلدون ميشال، وتقتحم حياة الشّابّ. فيرتادان الحانة معا. ويلاحظ أكرم أنّ النّادلة التي تعجبه تسترعي انتباه الأبكم العجوز. في حين نظنّ أنّها تستثير رغبته.

ونكتشف في النّهاية أنّ كلّ المواضع التي احتلّتها شخصيّات الرّواية تحتاج إلى إعادة ترتيب في ضوء الاعتراف الذي قدّمه خلدون ميشال المتقنّع في شخص البحّار العجوز الأبكم: اهتمامه بالنّادلة سببه أنّها ابنته. هو ليس مجرّد بحّار عجوز فقد قدرته على الكلام. إنّه خال أكرم السّارد. وله أيضا أن يسرد حكايته في رواية مضمَّنة داخل الرّواية الإطاريّة.

هناك توازٍ عجيب بين حياة أكرم وخاله إلى درجة أنّك لا تميّز من منهما محور الحبكة السّرديّة. تتوقّف قليلا لتفكّر في عنوان الرّواية “خلدون ميشال”. ثمّ تتساءل: فيم يختلف أكرم عن خاله؟ كلاهما طمح إلى أن يصير كاتبا. وكلاهما جعله هذا الطّموح مطارَدا من النّظام السّياسيّ إلى درجة الرّغبة في الهجرة. أحدهما نجح في ذلك وهو الخال. لكنّه انتهى مجهض الأحلام، تماما مثلما حدث مع ابن أخته.

تتفاجأ الشّخصيّات بما في ذلك الرّاوي الرّئيسيّ بما يحدث لها مثلما نتفاجأ نحن حين نقرأ الرّواية. ولا يتحوّل السّارد مطلقا إلى كائن ميتافيزيقيّ يطلّ من علٍ ويمسكُ بزمام العالم الذي يسرده لنا. إنّه شخصيّة تعيش عالمنا الحديث بكلّ تناقضاته وتخضع لتقلّباتها داخل أمواجه المتلاطمة.
مديح الصمت والكتابة

تتصدّر الرّوايةَ، الصادرة عن دار زينب للنشر والتوزيع في تونس، جملةٌ لرسول حمزاتوف من كتابه “بلدي”. وهي “إنّ الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلّم الكلام وإلى ستّين عاما ليتعلّم الصّمت”. وقد يبدو هذا التّصدير مجانبا لمحور الرّواية، غير أنّ النّصّ برمّته يعمل على مواربة محوره. فحتّى من جهة الكمّ، تتوزّع الرّواية على 123 صفحة هي في مجملها حكاية أكرم ما عدا خمس وثلاثين صفحة هي قصّة خلدون ميشال يرويها بضمير المتكلّم في شكل اعتراف خلّفه لأكرم تحت باب المطعم وموقّعا عليه بقبّعته التي تعتلي الأوراق.
الكتابة ليست شيئا آخر سوى صمت بليغ. وخلدون مدفوع إلى الكتابة -التي نزع إليها شابّا- لأنّه قد قطع لسانه من قبلُ إثر عودته إلى تونس هاربا من جريمة خلّفها في فرنسا. لقد قتل عشيق زوجته التي انتسب إليها استبدالا لانتسابه إلى عائلته. قطع لسانه خوفا من داء الهذر والثّرثرة الذي يمكنه أن يتغلّب عليه. فيعترف بجريمته. لكنّه كتبَ سيرته في اللّحظة المناسبة. أكرم كذلك يريد أن يكتب سيرته في عمل أدبيّ كي يتفوّق على خيباته الكثيرة. يقول “وفي الواقع، كانت حاجتي إليها تفوق حاجتها إليّ. غير أنّي كنتُ فعلا أحتاج قليلا من العزلة لأكتب. قرّرت أن أكتب رواية سيرة ذاتيّة. كنتُ أشعر دائما بأنّي لم أنجز شيئا في حياتي. وكنتُ محتاجا لتجاوز ذلك”.

في عالم لا يحتفي إلاّ بالثّرثرة المربحة -إذ يرفض صاحبُ جريدة “الواقع” مقال أكرم فقط لأنّه يستقدم الجدل بدل الرّبح الوفير- لا سبيل إلى من يحفر في ذاته الفرديّة بحثا عن جوهرها سوى الكتابة. فالكتابة هي الصّمتُ الذي نكونه في الكلمات والذي تعجز الكلمات عن قوله، ولهذا ليس الأمر يسيرا، بل هو يحتاج إلى حياة بأكملها. على حدّ رأي حمزاتوف.

إنّ رواية خلدون ميشال المضمّنة في رواية أكرم الإطاريّة تتّسع في دلالاتها لتشمل العمل برمّته. كما تنبّهنا إلى أنّها ليست شيئا آخر مختلفا عن رواية أكرم. فكلاهما مجتمعان أقلّ من الاثنين. ليس بسبب حلم الكتابة وانسداد أفق حياتيهما جرّاء هذا الحلم فحسبُ. وإنّما بسبب علاقة كلّ منهما بالمرأة التي أحبّها أيضا. فأكرم كذلك لم يستطع التّخلّص من انتسابه إلى مريم. وظلّ يطاردها في عشيقته التي بلا اسم.

إنّ الكلمات التي وضعها المؤلّف على الغلاف الخلفيّ والتي تسم تمزّقا بين المرأة والكتابة والحياة التي تملؤها الخسارات هي كلمات أكرم على غلاف رواية “خلدون ميشال”. تأمّل هذا جيّدا. فربّما تكون أنت أيضا -وعلى نحو ما- خلدون ميشال.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة