متابعات ثقافية و فنية

بحثاً عن نموذجها الحقيقي: القصة القصيرة جدا: إشكالية التجنيس والبناء الفني

صفاء ذياب

البحث عن أنواع أدبية جديدة أصبح هم الكثير من الكتاب، خصوصاً بعد أن بدأ الشعر والرواية والقصة القصيرة، وحتى النقد الأدبي الذي أصبح نصّاً موازياً لهذه الفنون الإبداعية، يتشظى إلى أنواع من الصعب حصرها.
من جانب آخر، أخذت الأنواع الأدبية تتداخل في ما بينها، وتحديداً بعدما ترجم كتاب «مدخل لجامع النص» لجيرار جينيت للعربية، هذا الكتاب الذي خلخل الكثير من مفاهيم الأجناس والأنواع الأدبية، فما عاد الكثير من الكتاب يجنسون كتاباتهم، بل يكتبون عليها (نصوص) هرباً من محاكمة نصوصهم إذا كتبوا عليها قصة أو رواية أو حتى شعراً.
هذا ما جعل بعض الأدباء لا يعبأون بالتجنيس من جهة، بل سعوا لابتكار أنواع أدبية لم تركن إلا إلى قواعد وقوانين قارّة حتى الآن، من ذلك القصة القصيرة جداً التي انتشرت في الآونة الأخيرة في الأدب العراقي، وصدرت مجموعات خصصت لها.. غير أن المتابعين يرون أن هناك خلطاً بين فن القص من جهة، والشعر عموماً من جهة أخرى، وبين قصيدة النثر التي عرفت بسرديتها من جهة ثالثة.. فهل تمكن الأدب العراقي من تقديم القصة القصيرة جداً بنموذجها الصحيح وبتمثلاتها الفنية والنفسية في الوقت نفسه؟

مساحات المناورة

القاص والروائي سعد محمد رحيم يرى أن القصة القصيرة جداً ليست جنساً أدبياً مستقلاً، بل إنها شكل من أشكال جنس القصة، يميّزها شريطها اللغوي القصير وكثافتها ونسيجها الدقيق المتماسك.. هذا الشكل الذي يقع في منطقة متاخمة لقصيدة النثر، على الرغم من قرابتها وانتمائها للعائلة السردية، لا يتيح مساحة واسعة للمناورة، والإسهاب والتعقيد، وتعدد البؤر ومستويات السرد، والتكثير من الدلالات. وقد يتراوح حجم القصة القصيرة جداً بين الجملة الواحدة وبضع صفحات. لكن هذه السمات لا تجعل منها فناً سهلاً ومطواعاً يمكن لأي كان إتقانه.. وبحسب رحيم، فإن هذا الشكل يتطلب موهبة خاصة عند كاتبها قوامها الاقتصاد باللغة، والانضباط في حبك الحدث القصصي، والتركيز على خيط دلالي محدد يتوضح غالباً في جملة الإقفال الأخيرة ويثير التفكير والدهشة. مضيفاً، جرّب معظم كتّاب السرد وغير السرد من أدباء العراق كتابة هذا الشكل السردي، إلا أن من نجح منهم في إنتاج نصوص ذات قيمة فنية عالية لا يتعدون عدد أصابع اليد الواحدة.. وربما من بين عشرات النصوص هناك نص واحد جيد أو أكثر بقليل لكل كاتب. غير أن هذا لا يجعل منهم جميعاً بارعين في إبداعها. وغالباً ما أقدم الكتّاب على تجريب هذا الشكل في أوقات فراغهم، أو في فسحات الاستراحة بعد كتابة الروايات أو القصص الطويلة، أي أن القصة القصيرة جداً بقيت في هامش اهتماماتهم، ولم يولوها حقها من العناية، وما يحتاج من صبر في الصياغة وإحكام البناء. فجاء معظم ما كتبوا، وفق هذا الشكل، مسطّحاً وساذجاً وباهتاً وبلا إشعاع إبداعي لافت. فهم إما يكتبون القصة القصيرة جداً وعينهم على الرواية، أو أنهم يكتبونها من غير دراية كافية بروحها وشروطها الفنية والجمالية، فالصحافة الورقية احتضنت هذا الشكل لعقود طويلة واليوم مع انحسارها، أخذت مواقع التواصل الاجتماعي هذا الدور، فصارت، إلا في النادر، مكبّاً لكل ما هو غث ورث ومهلهل يحمل اسم القصة القصيرة جداً.

زمن الانتظار

في حين يصف القاص حميد الزاملي هذا النوع الأجنبي كما خريطة أولية لعمارة متعددة الطوابق مرسومة بقياسات محددة على الورق لبناء كبير يمكن تنفيذه على الأرض ناطحة سحاب أو طابق واحد، هي مشاريع كتابة القصص. حدث ما في زمان ما ومكان ما، تصبح قصة ما، قصيرة أو ق. ق. ج، هنا تأتي الحرفية والإمكانيات والصياغة والتحكم في طولها أو قصرها، في الوقت نفسه كلهم يمارسون ذلك، في خواطرهم، ومضاتهم، ملاحظاتهم، نقاشاتهم، تعليقاتهم الفيسبوكية أو دردشاتهم، وحتى كلامهم باللهجة العامية، بل حتى الهواجس أو الاحتراقات أو التمارين.
كل ذلك يضعه الزاملي تحت يافطة القصة القصيرة جداً، من هنا كان لابد لها من التطور ومجاراة الأنواع الأدبية الأخرى، لكن العكس هو الذي حدث، فقد استمرت القصة القصيرة جداً تراوح مكانها، بل تراجعت كثيراً في الآونة الأخيرة، ربما تدخل الذائقة أو عدم وجود تجارب كبيرة مختصة كانا سبباً في النكوص والتأخر، كلنا يرغب بقلة الكلمات والتكثيف المركز والقفلة المبهرة والمفاجأة والرمزية العالية في الكتابة، ولكن للأسف لم نصل إلى ذلك، ولم تتمكن القصة القصيرة جداً من إجبارنا على عقد صداقة دائمة معها، استسهلها البعض وأساء إليها، و»لكي أكون منصفاً لا أنكر أبداً وجود بعض النصوص الجادة والمهمة مستوفية لشروطها المطلوبة، أعتقد أن عصر السرعة وتقنيات الاتصالات الحديثة والإنترنت يتطلب مثل هذه الكتابات، فلم نعد نرى مسافراً يقضي انتظارات وصوله بقراءة كتاب أو حتى صحيفة أو مجلة، بل رأينا الجميع يحملون أجهزتهم النقالة الحديثة، يغردون تارة أو يتصفحون تغريدات غيرهم تارة أخرى. وبدل أن تتطور القصة القصيرة جداً فنياً ونوعياً لأسبابٍ كهذه أصبحت مباشرة وملتبسة وغير واضحة المعالم».

استمالة القراءة

لكن، إذا جاز لنا القول بأن القصة القصيرة جداً في العالم، ولدت عقب التطورات الشاملة والجذرية في العالم بعد انتشار مد العولمة والتغيير الهائل في جميع مفاصل الحياة، لذا يجوز لنا أيضاً أن نعدها واحدة من إفرازات انحسار مد تداول الكتب والمطالعة بشكل عام، حسبما يقول القاص باسم القطراني، ما دفع باتجاه البحث عن الأشكال المختصرة في الكتابة التي تمتطي صهوة المشاكسة والمفارقة، كتعبير عن الاحتجاج أحياناً أو كصورة جديدة من صور الأنواع الأدبية بعد مخاضات عديدة. ويضيف القطراني: وإذا كانت القصة القصيرة جداً في أوروبا لم تستطع أن ترسم مسارها الواضح نتيجة الجدل الكبير حول معاييرها الكمية والفنية والتداولية، بالإضافة إلى خصائصها الدلالية، فإن هذا الفن لم يجد أقداماً راسخة عربياً عموماً، وفي العراق خاصة، بسبب المحاولات غير الموفقة لاستنساخ تجربة جديدة دون الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات والأجواء، فضلاً عن الذائقة التي تحكم النجاح والفشل. نعم كانت هناك محاولات جيدة من قبل عدد من المبدعين العراقيين لتأطير اشتغالاتهم تحت هذا المسمى أمثال (هيثم بهنام بردى، إلياس ألماس، قصي الخفاجي، ناصر قوطي، كاظم الحلاق) وغيرهم، إلا أنها بقيت محاولات فردية لم تؤسس لتجربة غنية في تداول القصة القصيرة جداً في العراق، ولذلك نشهد انحساراً واضحاً لها، على العكس تماماً من الرواية والقصة القصيرة التي تزدهر في العراق بشكل لافت ومتميز. القصة القصيرة جدا لن تحتل حيزاً كبيراً في ذائقتنا كونها لم تكن نتيجة حتمية لتطور الشكل كما في قصيدة النثر، بل جاءت كمحاولة لاستمالة القراء في زمن تراجع سلطة الكتاب والقراءة.

تقاليد راسخة

ومن وجهة نظر القاص والمترجم نجاح الجبيلي، فإن القصة القصيرة في العراق تواجه تراجعاً مستمراً على صعيد الإبداع والانتباه النقدي، بسبب سيل الروايات التي صدرت بعد عام 2003، والتي تميزت بالتراكم الكمي وافتقدت إلى النوعية، فما بالك بالقصة القصيرة جداً التي جرى إهمالها وواجهت الرفض ولم يؤلف عنها سوى كتاب أو كتابين ولم تكتب عنها سوى مقالات معدودة، على الرغم من أن الكثير من كتاب القصة في العراق قد اشتغل عليها مثل عبد الرحمن مجيد الربيعي وأحمد خلف وعبد الستار ناصر وجليل القيسي وحنون مجيد وغيرهم. ويشير الجبيلي إلى أنه لم يجر الاتفاق على ترسيخ قواعد لها، هل هي نوع أدبي مستقل أم متفرع عن القصة القصيرة، وجوبه بالرفض بسبب الاستسهال في كتابتها وتداخلها كشكل مع القصة القصيرة وقصيدة النثر.
وقد وصفها أحد النقاد كونها «ظاهرة خطيرة لا تبنى إلا على تخلف وميل إلى التعامل السهل مع الإبداع وركون إلى الكتابة المتعجلة» وعلى الجانب الآخر هناك المتحمسون لها الذي يشيرون إلى أصولها في الموروث السردي العربي. مبيناً، لا توجد تقاليد راسخة لهذا الصنف القصصي ولم يؤثر كثيراً في السردية العراقية وكان يلاقي الإهمال وحتى التهكم من قبل بعض القصصيين والروائيين العراقيين ويعدونه دليل عجز، على الرغم من أنه ترسخ في الغرب وسمي بأسماء عديدة مثل «قصة الومضة» و»قصة المفاجأة» وغيرها، وتوجد مجلات مخصصة لها فقط يجري من خلالها تنظيم المسابقات لكتابتها ونشر الدراسات عنها. إن القصة القصيرة جداً في العراق لا تمتلك ثقلاً وحضوراً فاعلاً في السردية العراقية، ومن أجل تفعيلها اقترح أن تكون هناك ملتقيات وحلقات دراسية عنها أسوة بقصيدة النثر وتخصيص ملفات عنها في المجلات الثقافية، إضافة إلى إقامة مسابقات لكتابتها ودراسة جدواها كنوع أدبي.

تعدّد النماذج

القاص والكاتب علي كاظم داوود يرفض القول بوجود نموذج دقيق – أي مثالي أو نهائي للقصة القصيرة جداً، وهذا يسري على الفنون الأخرى أيضاً؛ فهو شأنٌ لا يخضعُ لمعيارٍ صارمٍ واحدٍ، بل يتباين لاختلاف الأذواق والرؤى الفنية، كتابةً وتلقياً. إذن كيف أمكنَ أو يمكنُ تحديد ماهية القصة القصيرة جداً؟ في البدء كانت الكلمة، القصة، ثم جاءت التنظيرات والتحديدات والتعريفات، أي أن النص سابقٌ عليها فلا يمكن أن يخضع لها، وقد جاءت هذه التنظيرات والتعريفات لتكشف عن خصائصه لا لتكون سجناً وقيداً له. كانت القصة القصيرة جداً بكلماتها القليلة ووصفها المقتصد وسردها المختزل ولغتها المُكثّفة وأحداثها وشخصياتها المحدودة جداً، ثم جاءت التنظيرات لترسم حدود هذا الفن، فمن يتفوق من الكتاب ويبدع داخل حدود هذا الفن أو حتى من يخرج عليها بشكل لا يخل بحقيقته القصصية، ويقدم نموذجاً راقياً واحترافياً فيه، فإنه ربما يعد نموذجاً حقيقياً لهذا الفن. النماذج المثالية إذن ستتعدد، وسيمكن الإتيان بغيرها باستمرار.
في العراق نجد العديد من التجارب الناجحة في هذا الفن القصصي المميز، إلا أنها تبقى قليلة أو محدودة، مقارنةً بالفنون السردية الأخرى، أي الروايـــــة والقصة القصيرة، وذلك يُعزى لأسباب فنية داخلية، إذ إنه نمطُ كتابةٍ ليس من اليسير العثور على وصفةٍ سريةٍ لإتقـــــانه، ولأسباب خارجية تتمثل في ما يقدمه هذا الفن من رواج أو إشهار لكاتبه مقارنة أيضاً بالرواية أو القصة القصيرة، فضلاً عن الشعر، فربما يمكننا القول بانخفاض عدد قراء ومريدي هذا الفن على مستوى الكِتاب والمجاميع، على الرغم من انتشاره على مستوى الصحف ووسائل النشر العامة الأخرى ورقية كانت أو إلكترونية.

بحث عن الروح

فيما يشير القاص والروائي هيثم الشويلي إلى أن القصة القصيرة جداً من الفنون السردية المهمة، التي لا تقل شأناً عن بقية الأنواع السردية الأخرى، فهي من الفنون الصعبة، لأن القاص لابد أن يتعامل مع المفردة المختزلة التي لا تحتمل المناورة أو التأويل، وهو بذلك يتعامل مع مساحة ضيقة من الاشتغال السردي الذي يختزل الكثير من الأحداث مسدداً ضربته القصصية في خاتمة النص القصصي المختزل، وعليه فإن هذا اللون من الأدب ليس سهلاً أبداً، وقد اتجه الكثير من الكُتاب والأدباء إلى هذا اللون ربما لاستسهاله وعَده لوناً بسيطاً نظراً لقصر النص الذي لا يجدُ فيه البعض أي مشقة وعناء في ترتيب بعض المفردات، لكن الأديب الحقيقي هو من يقامر في الدخول إلى ساحة ضيقة لكتابة نص مترابط يدهش القارئ، ولعل من أبرز كتاب القصة القصيرة جداً هو القاص شكري الطيار، وإبراهيم سبتي، وبثينة الناصري، وخالد حبيب الراوي، وهيثم بهنام بردى وغيرهم، فحين نقرأ لإبراهيم سبتي في قصته القصيرة جداً «العربة» التي كانت مكتملة من الناحية الفنية والتي عالج بها قضايا نفسية ممتزجة بين شخصيتين متضادتين أحدهما كان يمسك لجام الفرس ويضربه بشدة والآخر كان يراقب كل هذا ممتعضاً من هذا التصرف..
« توقف الحصان ولم يتحرك خطوة أخرى.. رمى السائق بأحمال الرجل الضخم وصرخ بضجر ويأس..
– سألقي بك في الجحيم إن لم تغادر العربة
فأنت الذي يمنع الحصان من الحركة..
رفع الرجل رأسه إلى الأعلى وقد نفرت عروق وجهه.. تأمل صاحب العربة الهائج بكراهية واستفزاز وقال بسخرية..
– ارفق به.. إنه لا يحتمل ضرباتك
وهذا يبين لنا العمق الروحي والنفسي في الأسلوب القصصــــي عند رواد القصة القصيرة جداً من الكُتاب العراقيين.

(القدس العربي)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة