.

بطل مزيف يقتنص الفرص ليجالس جنود العدو

عواد علي

مسرحية “أنت لست غارا” للكاتب التركي عزيز نيسين واحدة من أنجح المسرحيات الكوميدية الساخرة والأصيلة في مبناها ومنحاها. وقد حظيت باهتمام الكثير من المخرجين في المسرح العربي، فقدموها بأشكال إخراجية مختلفة، لم تتخطّ أي منها المغزى الأساسي للنص، وهو فضح السلوك الانتهازي والوصولي للمسؤولين الحكوميين، الذين لا يردعهم وازع أخلاقي عن قلب الوقائع، وتزييف الحقائق، وإيهام الناس البسطاء بصحة أكاذيبهم بغية تحقيق مصالحهم الشخصية، وذلك بجعل رجل جبان وخسيس وجاسوس بطلا قوميا.
بطل مزيف

المخرج الأردني أشرف طلفاح واحد من المخرجين الذين أغراهم هذا النص، فقدمه في عرض متقن جماليا ودلاليا، بسينوغرافيا تعبيرية متقشفة، مسندا شخصياته الثلاث إلى: أحمد العمري (في دور صالصي رئيس جهاز الأمن السري)، وعماد الشاعر (في دور برين مدير بلدية البلدة)، وعبدالرحمن صايمة (في دور غارا). وقد تمكن هؤلاء الممثلون من تجسيدها على نحو بارع بما يمتلكونه من حضور طاغ في الإلقاء المبالغ في نبراته والمثير للسخرية المريرة، وفي الحركات والإيماءات الجسدية الطريفة.

يقوم النص على حكاية بطل مزيف اسمه غارا تكرِّمه السلطة الحاكمة الفاسدة في بلدة يونتابور، على أساس أنه أدّى أعمالا بطولية خارقة في الحرب، وضحّى بحياته من أجل وطنه، في حين أنه في الحقيقة إنسان يائس وجبان حاول الانتحار عدة مرات، وتطوّع في الجيش ليرتاح من زوجته العاهرة التي حاول أن يطلقها أكثر من مرة، إلاّ أن بعض كبار السادة في البلدة حالوا دون ذلك ليغطي على علاقتهم بها. وكان غارا يتمنى في إحدى المعارك أن تنال منه رصاصة واحدة تريحه، لكن ما من رصاصة نالت منه سوى تلك التي وجهها إليه قائد المعركة فأصابه في ساقه وهو يحاول الهرب.‏

تبدأ المسرحية بحفل إزاحة الستار عن النصب التذكاري للبطل القومي الشهيد غارا، الذي أشيع عنه أنه استبسل في معارك عديدة. ويتسابق على تمجيده والإشادة ببطولاته كل من رئيس جهاز الأمن السري، صالصي، ومدير بلدية البلدة برين. الأول يلقي خطابا رنانا يزعم فيه أن غارا كان من أقرب أصدقائه، وأنه تعلم منه الكثير من المثل والأخلاقيات التي تشجّع على التضحية بالنفس من أجل عزة الوطن وكرامته، ويقرر أن يغير اسم بلدته من يونتابور إلى غارابور تكريما له، ويتكرر الخطاب ذاته مع مدير البلدية بادعاءات ومبالغات جديدة في وصف الشهيد ومناقبه.

وبينما صالصي وبرين على هذه الحال يدخل شخص مشرّد إلى المسرح ويتبوّل على النصب، فيطير صوابهما من هذا التصرف الشائن، ثم يتفاجآن بأن هذا المشرّد هو غارا نفسه، فتشكّل عودته عبئا ثقيلا عليهما وكشفا لأكاذيبهما أمام أهالي يونتابور، وعائقا أمام طمعهما في الحصول على مناصب عليا، لذا يبدآن بالتحقيق معه ويقرران التخلص منه ومحو هويته الحقيقية للإبقاء على هويته الوهمية المزيّفة التي صنعاها.‏
وبما أن غارا عائد إلى بلدته بعد غياب دام عدة سنين ليرى أمه وشجرة السنديان التي تحمل ذكريات طفولته، فإنه يقدم لهما كل المعلومات الحقيقية عن نفسه، فإذا به ليس بطلا، وما روي عنه من مواقف ليست إلّا أوهاما ومغالطات، من ذلك مثلا أنه عندما حمل الرقيب الجريح بعيدا عن ساحة المعركة ليسرق الأموال التي في جيبه ظنوا أنه يحاول إنقاذه، رغم شراسة المعركة، فأعطوه وساما، وعندما فتش جيوب أحد الجنود القتلى ولم يجد معه شيئا انتزع سنّيه الذهبيتين، ولكنهم ظنوا أيضا أنه يحاول أن ينقذ جريحا فمنحوه وساما ثانيا. وهكذا راح يحصد العديد من الأوسمة على ما اقترف من نذالات.

وبسبب خسته كان يقتنص الفرص ليجالس جنود العدو، ويلعب القمار معهم على أوسمته. وبهذه الاعترافات الصادمة، والمثيرة للسخرية يفضح غارا تسلق رئيس جهاز الأمن السري، ومدير البلدية إلى منصبيهما اعتمادا على خدعة البطل القومي. ولذلك فهما يحاولان منعه من دخول البلدة، ويرشيانه بمبلغ قليل من المال وعلبة سجائر لحمله على العودة من حيث أتى، وحين يرفض يشدّان حبلا على رقبته ويخنقانه وهما يصيحان “أنت لست غارا”. وبموت غارا وتضيع الحقيقة المؤلمة، وينتصر الزيف، ويظل الناس مصدّقين الكذبة التي صنعتها المصالح.
صورة مقلوبة لغارا

سبق للروائي الجزائري رشيد ميموني أن كتب رواية بعنوان “النهر المحول” عام 1986 تقوم على علاقة تناصية مع هذا النص المسرحي، لكن بصيغة معارضة، أي أنه تعامل معه تعاملا تحويليا لا ينفي الأصل بل يسهم في استمراره وقابلا للتجديد. وقد كيّف الكاتب الجزائري عمر فطموش هذه الرواية إلى نص مسرحي يحمل العنوان نفسه، أخرجته حميدة آيت الحاج عام 2007. يروي العرض، كما الرواية، قصة مقاوم جزائري كبير اسمه محند العربي، يصاب في معركة مع الاحتلال الفرنسي فيفقد وعيه، وبعد سنوات طويلة يستعيد وعيه ويقرر العودة إلى بلدته حيث يعيش أهله (والداه وزوجته وابنه) ليجد عالما مختلفا لا يعرف تفاصيله، فيسأل أول شخص يقابله في البلدة عن بعض معالمها العمرانية مثل أيّ غريب تطأ قدماه عالما جديدا، وتقوده خطواته إلى ثلاثة أنصاب من الرخام نُقشت عليها أسماء شهداء المقاومة، فيطلب من الشخص ذاته أن يقرأ له الأسماء المنقوشة، ويفاجأ بأن اسمه مدرج معها. ومن هنا تبدأ رحلة صراعه ومعاناته، وهو يحاول إقناع الجميع بأنه محند العربي، ويسعى إلى استرجاع هويّته ولقاء أهله، لكن سلطات البلدة كلها تهدده وتنصحه بالرجوع من حيث جاء، أي العودة إلى عالم النسيان لكي لا يؤثر على امتيازاتها ومصالحها التي حصلت عليها من جراء استشهاده.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة