متابعات ثقافية و فنية

المسرح المغربي «يتنفّس» تلفزيونياً

مبارك حسني

إذا كان هناك فن يحتاج إلى نَفَسٍ جديد تعيد إليه الحياة فسيكون بلا شكّ المسرح، «أب الفنون قاطبة». في المغرب، كان المسرح يعيش قوّة وريادة عبر تيارات فنية راسخة، منها مسرح الهواة، المسرح الاحتفالي، المسرح العمالي، وقد سجلت جميعها شهرة عربية واسعة. ويكفي على سبيل المثل ذكر أسماء مثل سعد الله عبدالمجيد ومحمد قاوتي كمؤلفين من عيار كبير، والممثلة ثريا جبران، التي حازت مرة جائزة أحسن ممثلة على مستوى العالم العربي. هذا إضافة الى شخصيات أخرى أثبتت خبرتها الطويلة في مجال المسرح، الذي ظلّ سنوات بمثابة قاطرة الإبداع الثقافي في المغرب، أي قبل أن يأخذ الفن السابع الشعلة منه بدل أن يتكاملا ويستمرّا مع بقية الأجناس الإبداعية.
«أنفاس مسرحية»، برنامج ثقافي يأتي الى خريطة التلفزيون المغربي بفكرة رائعة- فعلاً وبثّاً- كي يذكّر بأهمية المسرح. يعيد الإهتمام الى هذا الفنّ العريق، شاحناً فقراته الغنية بكثير من النوستالجيا المؤثرة. ويقوم هذا البرنامج على أرشيف نادر، ذلك الذي يقبع في خزانة التلفزيون فيعود إلى المشاهد كذكرى تنفع الغافلين عن الشأن الثقافي المغربي في شقّه المسرحي.
وفي ظل كل الإهمال والتغافل عن المسرح وأهميته، يأتي هذا البرنامج ليكون شهادة حية تكشف عيانياً وعلانية عن أن معظم الأسماء المشهورة في الغناء والسينما والدراما مرت أولاً عبر باب المسرح، قبل أن تسجل حضورها الفني المعروف.
هذا الأمر يشبه إعادة انبعاث محمودة على الشاشة الصغيرة. أليس المسرح مهد الفكر الأول؟ وعبره تتجسد ثقافة الأمم؟ ويعود الفضل في هذا العمل إلى المسرحي والمخرج المعروف عبدالواحد عوزري، الذي يُعدّ ويُقدم هذه اللحظة الفنية القوية شجناً ومادة، هو العارف بها والمختبر لكل دقائق المسرح المغربي، بما أنه ساهم في تكريس دور المسرح عبر عمله البحثي والأكاديمي، إضافة الى ارتباطه بفرقة «مسرح اليوم»، التي كانت رائدة في هذا المجال.
يعتمد البرنامج إجمالاً في نشر فقراته على ثلاث لحظات قوية هي «محاور» و«إعلان» و«درس». يتناول المحور الأول حدثاً راهناً، مهرجاناً أو لقاء على المستوى الوطني، يتم إلقاء الضوء على أنشطته فيما هو استطلاع حي ومواكب. والمحور الثاني يتعلق بموضوع مسرحي إشكالي يتطلّب النقاش وتنويع وجهات النظر حوله، ويتـــم من خـلاله اســـتقراء الآراء من لدن مختصين ومهنيين ونقاد.
أما المحور الثالث، وهو الأهم من حيث فرادته، فيستعيد ذاكرة المسرح الوطني، من خلال فقرات من المسرحيات الشهيرة وحيوات مسرحيين وحركات وتيارات تركت آثارها على المشهد الثقافي.
وهذا التنويع المحوري يساهم في تقديم صورة شاملة للمسرح المغربي. وتتلخص خصائص البرنامج بثلاث نقاط هي: الخبر والمعرفة والتاريخ. وهو ما يمنح المشاهد متعة متعددة تتجاوز المعطى المسرحي الخالص كي تعانق ديناميكية فنية أوسع. إنه تغيير من نمطية تقديم البرامج الثقافية التي يتكفل بها ناشطون غير منخرطين حقيقة في هذا المجال.
في الحلقات الأخيرة التي بثت خلال الشهور السالفة، والتي جعلتنا نتابع ملامح من حياة كل الروّاد، تبدّت بصمات لأشخاص مثل أحمد الصعري، تمثيلاً وحضوراً وإدارة، ثم الممثلة نجوم الزهرة التي اشتهرت في مسرحية لا تنسى هي «الزهرة بنت البرنوصي».
واكتست حلقات معينة بطابع انطولوجي حققت مقاربة جمعت بين المتعة والاكتشاف والتميز. واللافت أنّ المقاطع المأخوذة من مسرحيات بيّنت أنّ معظم من قام بإخراجها تلفزيونياً هم مخرجون سينمائيون معروفون مثل محمد الركاب وعبدالكريم الدرقاوي.
هذا البرنامج إنما هو رد جميل للمسرح. ردّ تقدمه القناة الأولى مرّة كل شهر.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق