فن تشكيلي

ثائر هلال تجريدي في زمن العذاب السوري

فاروق  يوسف

في معرضه الجديد «علامات فارقة-2» الذي تقيمه قاعة أيام- دبي يتخلى الرسام السوري عن مفرداته، بل إنه يهبنا عالماً يخلو من المفردات الواضحة. لذلك يصعب العثور على أشكال يمكنها أن تشكل مفاتيح، تعيننا على الدخول إلى ذلك العالم من خلال فهم ما استغلق منه علينا. ولأن هلالاً كان منذ سنوات وجد ضالته التعبيرية في اللوحات ذات الأحجام الكبيرة، فإنه يعرض علينا هذه المرة مشاهد يبدو كما لو أنه استعارها من كوكب بعيد، غير أن نظرة تأملية بطيئة يمكنها أن تعيد تلك المشاهد إلى الأرض، بمعنييها الواقعي والعاطفي معاً، فالرسام المقيم في الشارقة منذ زمن طويل يسعى من خلال تلك الرسوم إلى استعادة علاقة لطالما شغلت حيزاً عظيماً من ذاكرة طفولته التي قضاها في مدينة تنام على كتف النهر.
فما الذي يفعله الماء بالتراب؟ وما الذي يقوله التراب للماء؟ سؤالان يستحضر الرسام من خلالهما الحواس كلها.
تلك الأشكال المتخيلة التي تنتجها تلك العلاقة السائلة هي في حقيقتها صور توزع أثرها بين الحواس التي يسعدها أن تتبادل الأدوار في ما يشبه الخلخلة التي أشار إليها الشاعر الفرنسي آرثور رامبو في إحدى رسائله، لكن بطريقة معكوسة، فالصور هنا هي التي تنتج أصواتاً وهي التي تطلق روائح وهي التي تترك طعمها على اللسان وهي التي تتسلل بإلهامها الروحي إلى الجســد من خلال الأصابع. حياة كاملة يرتجل تفاصيلها الرسام الذاهب إلى طفولته في محاولة منه لتحييد حنينه إلى تلك البلاد التي صارت صورها تمتزج بأصواتها وروائحها وملمس تربتها وطعم فاكهتها في مشهد سحري، صار خيال الرسام يستعرضه كما لو أنه يلتقط إيحاءه من عالم بعيد.
سوريا بالنسبة لثائر هلال ليست ما يُرى منها. يمكنه أن يحدثنا بلغة غامضة عن سوريا التي أحبها. تلك البلاد التي غمرت حواسه بكرم عطائها. وهو كرم يصيب من يمسه بنوع من الهذيان الذي سعى الرسام إلى تجسيده على هيئة صور لاشكلية، لا ترعى معنى بذاته بقدر ما تقيم في معان، كان الرسام حريصاً على استخلاصها لتكون مادة عاطفية لخياله.
تقنياً، حرص ثائر هلال على تقليد الطبيعة، وهو يدرك أن الرسم لا يفارق الطبيعة إلا بعد أن يمتلأ بلذائذها. متعة أن يكون المرء رساماً تكمن في قدرته على التقاط اللحظات التي تخلص فيها الطبيعة لجمالها، بعيداً من الإنسان، بشرور ماكنته الاستهلاكية.
لقد عثر ثائر على ضالته الجمالية في الطبيعة، فصار عليه أن يتعلم منها أبجدية خيالها، وهو خيال غير مثقل بالأفكار بل هو خيال تقني، يمجد الشيء المرئي لذاته باعتباره حدثاً قادماً من مكان خفي. ما فعله الرسام في لوحاته هو الشيء ذاته التي تفعله الطبيعة كل لحظة.
علاقة الماء بالتراب هي بالنسبة إلى ثائر هلال علاقة تأملية يطمح الرسام من خلالها إلى انجاز هدف شخصي يمكن تلخيصه برغبة الرسام في أن يعهد بذكرياته التي لم يعد حاضر حواسه قادراً على استيعابها، إلى الرسم.
«ليذهب الماضي بكل آثار عصفه إلى الوهم»، أهذا ما يمكن أن يقوله الرسام في رسومه التي تبدو أشبه بالحفريات التي أهملت بعد أن أصيب حرفيوها بذلك المس الشيطاني الذي يُذكر بالوطن؟
يبدو لي هذا المعرض بعد كل الغزل الجمالي الذي اتسمت به تجربة ثائر هلال الفنية أشبه بتصفية حساب مع وجدان معذب. وجدان لم يعد نافعاً في ظل الظروف المأسوية التي تعيشها سوريا. تجريدياً ذهب الرسام إلى هدفه الروحي لكي يقول له «وداعاً». لقد غرف الرسام من طين سوريا بيديه المغمورتين بالأصباغ ليروي من خلالها مغامرته في الغربة.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة