متابعات ثقافية و فنية

«أبطال» مازن معروف قساة بالفطرة

شيرين ابو النجا

في غمرة انشغالنا بالتفاصيل المزرية اليومية، أفقنا ذات يوم لندرك أن واقعنا الأساسي هو الحرب. ليس مهمّاً من ضد من، ولا من هو المنتصر ومن المهزوم، لا يهم إن كنا نتقدم أم نتقهقر، المهم أن تبقى الحرب مشتعلة، وهي بالفعل كذلك. الخطأ الأكبر الذي نقترفه الآن- نحن سكّان هذا الجزء من العالم- هو أننا ننتظر انتهاء الحرب. لن تنتهي، لأن من يشنّون الحروب ويديرونها لن يجدوا شيئاً أكثر منها متعة لتمضية الوقت في هذه الحياة. الحرب واقع وكل ما عداها فانتازيا وخيالات وتمنيات قلبية سعيدة، كل ما عدا القتل والدمار والصواريخ ومضادات الطائرات والقنابل والأقبية والتعذيب والخطف مجرّد هامش يسعى الإعلام إلى إيهامنا بوجوده وبحقيقته. كيف يُمكن التعامل مع هذا الواقع بحرفيته؟ بقسوته؟ بوحشيته؟ بدمائه؟ بعدد قتلاه؟ بلغة أسلحته؟ لا يكفي أن تسرد ما يقع، فهذا السرد لا ينجح في إيصال شعور القسوة عارياً، وإن كان ينجح في نقل الصورة، كأدب السجون وأدب المخيمات وأدب الحصار.
للقسوة تاريخ اجتماعي في الفكر والنقد، وهو تاريخ محكوم بظروف كل عصر وتوقعاته الجمالية. يتم مثلاً التأريخ دائماً بمسرحية «انظر خلفك بغضب» لجو أوزبورن (1958) كعمل أثار غضب المجتمع الإنكليزي، وعندما تقرأه الآن قد تتعجب من سبب غضب الجمهور آنذاك. ومن قبله، قام الكاتب الفرنسي أنطونين أرتو بوضع مانيفستو لـ «مسرح القسوة» في كتابه الشهير «المسرح وقرينه» (1938)، مؤكداً فيه أن القسوة تهدف إلى تحرير كل أشكال الاستجابة لدى الممثل والمتفرج معاً، وذلك سعياً إلى إسقاط الخيالات والأوهام والابتعاد عن الزيف والنمطية. وفي العقد الأخير من القرن العشرين ظهرت في إنكلترا حركة مسرحية بعنوان «في وجهك»، كانت تقدم على المسرح كل أشكال القسوة الروحية والنفسية والجسدية، وذلك من أجل التمرد على المنظومة القيمية التي رسخها عهد مارغريت ثاتشر. ومن أهم أسماء هذه الحركة الكاتبة سارة كين التي ماتت منتحرة وهي في السابعة والعشرين. تختلف التوجهات في تقديم القسوة لكنها تتفق على أن ما يُعرض ليس إلا جزءاً كامناً في الروح الإنسانية، كلنا هذا الشخص عندما تتاح لنا الظروف. وقد أُتيحت لنا بالفعل، وما علينا سوى التنزه بين نشرات الأخبار- ولمدة عشر دقائق يومياً- كي نرى قدرتنا المدهشة في ممارسة أفعال توصف بأنها «لا إنسانية»، مع أنّ الإنسان قادر على ذلك وأكثر.
في هذا السياق، يؤكد الكاتب مازن معروف في مجموعته القصصية الثانية «الجرذان التي لحست بطل الكاراتيه» (دار براءات المتوسط) أن الإنسان قادر على إبداء هذه القسوة بسلاسة وطبيعية وهدوء، كأنها فِطرته، أو ربما هي كذلك.
تضم المجموعة عشر قصص، كلها في زمن حرب. المكان غير محدد، بل يتخذ شكل أحياء يقوم عليها مسلحون. تارة يسميها الحرب وطوراً الحصار. لكنها في الأساس حرب تجعل من الموت مجرد فعل طبيعي، وتحول التعذيب إلى هدية عيد ميلاد لطفل، وتجعل من شنق الأرنب عرضاً يصفق له الجمهور، ويتحول خرم أذن الكلب بالخرامة إلى متنفّس للحزن، والمسلح مهووس بفأر هامستر، ومسلح آخر مُحب عاشق تنفصل أظافره عن أصابعه.
وفي حين تبدو كل قصة مستقلة عن الأخرى، تُعاود الشخصيات الظهور في أشكال مختلفة، حتى أننا نعرف من إحدى القصص أن الأطفال الثلاثة في قصة «سكند هاند رابيت» كانوا مصابين بمتلازمة «داون». تُغلف الفانتازيا الكثير من القصص، لكنها تقدم نفسها بوصفها الواقع المعيش ولا تسعى إلى حمل عبء الرمزية. هي مشاهد فانتازية لا تقدم أي محمول دلالي، فالفانتازيا هي الواقع عينه، لا شيء سواه. فانتازيا تقدم الواقع عارياً تماماً، لا شيء يستر قسوته، حتى أن رد الفعل الطبيعي الوحيد جاء من الكلب الذي كان يتألم عندما يخرم الطفل أذنه بخرامة الورق. وهو الطفل نفسه الذي كان يتسلى بتعذيب الأطفال في السجن يوم عيد ميلاده. لا يقتصر دور فانتازيا القسوة على العلاقة بين الكاتب والقارئ، أي العلاقة القائمة على توصيل المغزى من رسم هذا العالم، بل تنسحب على العلاقة بين الشخصيات أيضاً.
الشخصيات تصدق الفانتازيا إما رغبةً في الهروب أو دفاعاً عن النفس أو لمجرد تمضية الوقت. فالشخصيات كلها معطوبة بشكل أو بآخر (ألسنا جميعاً كذلك؟). الأطفال غالباً مصابون بمتلازمة «داون» أو معتقلون في السجن حيث يتم ابتداع طرق لتعذيبهم، والرجال إما يبصقون بلغماً أو هم مسلحون يمارسون «هواية» القتل أو يكونون بصحبة هامستر. النساء أيضاً، إما يساعدن في التعذيب كتلك التي تعود من عملها في السجن وهي ترتدي مريولاً ملطخاً بالدم والمخاط، أو المعلمة التي تطلب من التلاميذ تخيل أكثر المواقف فزعاً وهلعاً.
هكذا جمع مازن معروف مفردات حياتنا اليومية وقام بوضعها في قالب سردي يقوم على مفارقة زكريا تامر، حيث تحدث الكوارث وتتحول إلى مألوف وطبيعي. إنها حروبنا في اليوم العاشر، فمثلما قبل النمر الترويض الكامل في «النمور في اليوم العاشر» لزكريا تامر، نقبل الموت والقتل والبتر وكل تداعيات الحرب في اليوم العاشر. كنا نحتاج إلى التذكر أنّ الحياة ليست هادئة مستقرة كما نحب أن نصدق، بل هي فوضى عارمة نسير فيها ونتنفس بمنتهي السهولة، كم نحن أبطال.
إنه الدمار الذي يقذفه الشاعر السوري وفائي ليلاً في ديوانه «رصاصة فارغة، قبر مزدحم» (2015)، الصادر عن «براءات- المتوسط» أيضاً. تتحول الحرب إلى «روتين» حيث «كل صباح/ توزع المدن قتلاها/ الطاغية يعد نياشينه/ المراهق يعد حبيباته اللاتي سقطن في حبائله/ الولد يعد الفوارغ من الرصاص الذي سيلهو به إلى آخر المساء/ الرجل العجوز المتقاعد يعد القبور التي سيحفرها هذا المساء». روتين يومي تسجله القصيدة كمألوف وطبيعي ومستمر، لكنه فوق الاحتمال، إلا أنه لا خيار إلا هذا الروتين. روتين القسوة، واحتراف القتل. ينخفض سقف الأمنيات حتى يصبح المطلوب بسيطاً: «حين ستغطون وجهي بقميص عتمتكم/ اخفضوا أصواتكم/ لا أريد أن أعرف أن قاتلي له اللغة نفسها». تستعصي قصائد الديوان وقصص مازن معروف على التحليل، لأنها أعمال تقدم نفسها بنفسها، تفهم العالم عبر النظر إليه والدخول في ثناياه، لا تلجأ إلى أية وسائل مساعدة خارجية أو تقنية سوى من العالم ذاته. الحقيقة أنها أعمال تستعصي على التحليل لأنها تقدم تحليلاً للعالم وبالتالي لا يمكن أن نعيد التحليل في اتجاه معكوس. لقد انفرط العالم الذي نعرفه وحلّ مكانه عالم جديد كل ما يسعنا عمله هو أن نناشد الجنون قائلين: «أيها الجنون كلّه/ هبنا كلّ احتمالات المستحيل كي لا ندرك/ كي لا نرى/ كي لا نسمع». ربما يكون هذا هو سبب ظهور أطفال كثر في قصص مازن معروف مصابين بمتلازمة داون أو أشخاص بالغين لديهم أمراض تأخر عقلي، كأنها محاولة أخيرة من الكاتب ليجد عذراً لهذا الجنون والقتل.
حين كتب أوزبورن «انظر خلفك في غضب» كان يهدف إلى مواجهة الطبقة البورجوازية بزيف قيمها، وحين كتبت سارة كين مسرحيتها الأولى (التي غضب منها الجمهور وغادر المسرح) وعنوانها «لعين» أرادت أن تسبب صدمة للجمهور الذي يعيش متنعماً في أفكار نمطية تعمي بصره عن قسوة الواقع. أما القسوة التي نقرأها في الأدب العربي فهي ليست مقصودة بقدر ما هي مفروضة باعتبارها المفردة الأساسية في حياتنا اليومية. كل ما في الأمر أننا اعتدنا عليها كـ «النمور في اليوم العاشر».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة