.

عرض بلجيكي يغضب الجمهور العربي: اللاجئ السوري خطر فاحذروه

عائشة عللون

سكيتش ظهر في أواخر عام 2015 عن اللاجئين السوريين في بلجيكا، وراج لفترة على مواقع التواصل الاجتماعي. لم يثر الكثير من الغبار حوله آنذاك، لكنه عاد إلى السطح هذه السنة ليتداوله من جديد بعض مستخدمي الشبكات الاجتماعية بنوع من الفخر والابتهاج بهذا السوري الذي يظهر على أنه لاجئ مثالي، فهو مميز ومتعلم وذكي ومثقف. أخطأ عدد من السوريين -لاجئين وغير لاجئين- عندما أعجبوا بهذه الصورة البراقة للسوري التي من شأنها أن تدغدغ كبرياء أي شعب. يبدو طريفا ولطيفا في ظاهره، إلا أنه يحمل في طياته أبعادا ربما تغيب عن المشاهد للوهلة الأولى لأنه يكون مأخوذا بأحداث التمثيلية وبالضحك.
العرض (https://www.youtube.com/watch’v=atc_DaY9B6Q&t=3s) للفكاهي البلجيكي الشهير باسم فرانسوا بيريت (François Pirette). تبدأ الأحداث بوصول موظف (فرانسوا بيريت) إلى مكتبه يحمل قنينة بيرة وسندويتش. يفتح سجلاته ويهم بتناول لقمة من السندويتش، لكنه يتذكر العمل فينادي بالفرنسية «suivant» (التالي). ويضيف: «كان عليّ أن أتعلم العربية» فيضحك الجمهور. يدخل لاجئ سوري (James Deano). يبدو تائها مترددا باهتا خجولا. ينظر إليه الموظف باستغراب. يعرض عليه قطعة من السندويتش ليعتذر في ما بعد ساخرا: «آه لكنكم لا تأكلون الخنزير». ثم يسأله إن كان يشعر بالعطش عارضا عليه تذوق «البيرة». يسأل اللاجئ: «هذا كحول؟» فيجيب الموظف ساخرا: «طبعا.. لحسن الحظ أنه كحول»، ومرة أخرى يتذكر: «آه أنتم لا تشربون الكحول». ويضيف ساخرا: «نحن نشرب الكحول وكتابنا لا يحرم الكحول، حتى أن رهباننا يشربونه، بل يصنعونه أيضا.. طبعا أئمتكم لا يصنعون البيرة».
كل هذا واللاجئ السوري لا ينطق بأي كلمة ويبدو أنه لا يفهم ما يقوله الموظف، ويكتفي بالهز برأسه. ثم تبدأ المقابلة، يحرص الموظف على مخاطبة اللاجئ بفرنسية «بدائية» (من نوع أنا.. يكلم.. أنت) باعتبار تبسيط الحديث على لاجئ لا يتقن لغة بلد اللجوء. ومن «سين» إلى «جيم» حول الاسم والحالة العائلية والمؤهل الدراسي والمهنة السابقة في سوريا، ينتهي السكيتش بأن «يزيح» اللاجئ الموظف ويجلس على كرسيه ليتولى بنفسه ملء الاستمارة وإتمام الملف. انقلبت الأدوار، أصبح اللاجئ السوري موظفا في ما جلس الموظف البلجيكي على كرسي اللاجئ. استخدم الكاتب هنا تقنية «تبادل الأدوار» ليقول إن اللاجئ سرق مكان ابن البلد. ثم يوقّع اللاجئ على الاستمارة ويمدها للموظف –الذي كان في حالة تردد وارتباك – لكي يوقّع عليها أيضا. يخبره السوري بأن المقابلة انتهت ويودعه. لقد أصبح البلجيكي هو «الباهت الخجول» ونراه يخرج غير مصدق، ثم ينادي اللاجئ السوري بكل ثقة، وقد صار هو الموظف: «التالي».
مع تقدم المشاهد والحوار يتكشف للحكاية بعدٌ آخر. لقد أراد المؤلف أن يكتب حكاية تختزل مسيرة اللاجئ السوري الذي يظهر تحوله التدريجي من شخص خجول وباهت إلى شخص يتحدث الفرنسية بطلاقة وفصاحة ويحمل شهادات جامعية مرموقة وله طموحات مهولة، خصوصا عندما يسرد على الموظف خطة مسيرته المهنية المأمولة في بلجيكا من تدريس جامعي وأبحاث في توازنات الشرق الأوسط والغرب. نراه يصحح الأخطاء الإملائية التي يرتكبها الموظف البلجيكي بلغته الأم ويصوّب معلوماته. يتضح تفوّق اللاجئ على الموظف الذي تغادره فجأة حالة الفوقية التي أبان عنها في البداية عندما راح يسخر من اللاجئ لضعف احتمال اندماجه في المجتمع الجديد لأنه يرفض المشروبات الكحولية ولحم الخنزير، كما سخر من كثرة أطفاله. حتى أنه استهزأ من اسمه المركّب والمعقد.
الكاتب اختار للاجئ اسم فاليب أرتيرو مورير. خيار ليس عبثا. يخلق هذا الاسم ما يسمى في فن الإضحاك بـ»اللُبس الكوميدي» الذي يصنع من جرْس الكلمات أو جِناسها لبسا سماعيا عند المتلقي بغرض إضحاكه. اسم عندما يُقرأ متّصلا على الطريقة الفرنسية في ربط أواخر الكلمات بأوائلها، فهو يحيل إلى جملة مفادها «إما الرحيل أو الموت» (Fallait-partir-ou-mourir). ومن هنا يحيل المشاهدَ إلى الواقع السوري الذي يدفع المواطن إلى الخيار العسير بين البقاء مع احتمال الموت برحى الحرب، أو الرحيل للنجاة بالنفس والأحباء.
في بداية العرض يتبادر إلى الذهن بأنه يسخر من إدارة اللجوء وروتينها وعنصرية بعض موظفيها ويشيد باللاجئ السوري الذي يأتي من سوريا ليعرّف أوروبا بحضارة شرقية عمرها آلاف السنين، متميزا بشهادات وقدرات ومواهب ستفتح له كل الأبواب. كثير من السوريين ظنوا أن بلدان اللجوء الأوروبية تنتظر بفارغ الصبر أدمغتهم وسواعدهم. واصطدموا بأن قدومهم لا يعدو كونه «القشة التي قصـــمت ظهــر البعير الأوروبي» وأن وجودهم ليس مرحبا به بالدرجة المتخيَّلة، وأن واقع الحياة اليومية في أوروبا قاس وجاف ومن الصعب مجاراته. لذلك لم يلتقط كثيرون الأبعاد الكامنة في مشهد اللاجئ والموظف. هذا اللاجئ السوري عبء إضافي وخطر مبيّت في نظر كثير من الأوروبيين. فهم يرون أن هؤلاء اللاجئين سيتحولون مع مرور الزمن إلى أجيال ستتغلغل في بلد اللجوء وستصبح كفاءات تزاحم أهل البلد وتأخذ مكانهم. السكيتش يقدم الرسالة واضحةً من قارة أوروبية ضاقت ذرعا أصلا بمهاجريها العرب منذ عقود وعقود. ولم تعد تدّخر جهدا للتخلص منهم فأخذت تسنّ قوانين تضيّق الخناق أكثر عليهم وعلى حريتهم في المعتقد والملبس.
في الواقع نحن أمام شحنة إهانة كبيرة للاجئين والمهاجرين السوريين. ويبلغ الإمعان في تحقير اللاجئين السوريين ذروته عندما يواصل المؤلف لعبة الكلمات والرموز. خلال المقابلة، يُسأل اللاجئ من أين أتى، فيجيب أنه من Damas (دمشق)، وهنا يخطئ الموظف في النسبة إلى دمشق بالفرنسية، إذ يقول Damassien (والصواب Damascène دمشقي). ثم يسأله عن عدد الدمشقيين الذين أتوا معه فيجيب: 101. فيسجل الموظف بصوت عال: 101 damassiens (في إحالة إلى أحد أفلام ديزني: مئة كلب وكلب دلماسي) ويعلق الموظف تحت قهقهات الجمهور: يا له من قطيع – أي أنه يرى اللاجئين السوريين «قطيع كلاب». ما يرشح به هذا العرض بكل تفاصيله وأبعاده وبحبكة سافلة هو أن اللاجئ السوري كالمهاجر العربي الذي سبقه بعقود… يتمسكن ليتمكّن وأن على الأوروبي ألا يُلدغ من الجحر مرتين.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة