.

ثائر يساري يتحول إلى رحالة متصوف

زكي الصدير

لا يعرف الشاعر والروائي العُماني محمد قراطاس بداياته، لكنه يحاول أن يتوقع نهاياته، وفي ما بينهما ما زال يكتب الشعر وينشره على صفحات الإنترنت، وفي بعض الصحف المحلية والدولية. كما يكتب قراطاس الرواية، فيما يتمنى أن يستطيع الموازنة بين الشاعر والروائي في داخله، فلا يقتحم طرف الطرف الآخر مع احتفاظه بأفضلية الشعر في قلبه.
رواية الأعتاب

أصدر قراطاس مؤخراً عن دار الساقي روايته الأولى “الأعتاب” راصداً من خلالها بعض تفاصيل ملامح الضياع الوجودي والأيديولوجي والنفسي لدى ثوار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج في ظفار في منتصف ستينات القرن الماضي وحتى سبعيناته، وبالتحديد ساعة تسليمهم السلاح لحكوماتهم، ليرسم المشهد بين الواقع المقرف والمثالية الثورية الكاذبة.

تأخذنا الرواية من حالة الوعي إلى حالة اللاوعي مستضيئةً بإرث عرفاني صوفي ديني، حاول قراطاس أن يوظفه في رسم عوالمه السردية، مغيباً للعقل بمعناه الديكارتي أمام الدين ويقينياته. فقد رسم البطل العربي في رحلته العرفانية الكونية بصورة السندباد الحكيم، والسوبرمان المخلص، والعرفاني المتسلّح بالأذكار والآيات والطلاسم، فهو يعلم الغيب وما كان وسيكون، ومواعيد المطر والإنجاب والموت والحياة، الأمر الذي جعل بعض القراءات للرواية تتهمها بتوظيف الأدب في الدعوة إلى التصوف. وهذا ربما ما أوقعها في جدل فكري، خصوصاً وأن بطلها الثوري المتصوّف ينحدر -في الأصل- من أفكار يسارية نضالية لا تؤمن بالدين إلا بمعناه الثقافي العام.

يحدثنا قراطاس عن عوالم الرواية قائلا “وجب التنويه بأن الرواية هي محض خيال، أي أنها غير واقعية وكل أحداثها متخيلة، وهي لا تعكس بالضرورة الأثر النفسي الواقعي للثوار الذين عادوا إلى حضن الدولة. وإنما قد نجد لا محالة أسباباً مشابهة لأسباب تخلي العفّار الشخصية الرئيسية في الرواية عن النضال المسلح وعودته إلى الحياة الطبيعية في مدينته أو قريته.

وربما نجد فعليا من آمن بالأيديولوجيات التي كانت تقاتل الجبهة بمقتضى أهدافها وطموحاتها. لكن في ما يخص الشخصية الرئيسية فقد رأيتم كيف انتهى بها المطاف بعد إصابتها بالإحباط الشديد جراء ما يحدث أمامها من تجاوزات للأفكار المثالية التي كانت تحملها وتؤمن بها، وكيف تتحول المثل العليا إلى مطامح أيديولوجية دولية وشخصية”.

هذا التوصيف للرواية دفعنا إلى الحديث عن القراءة الظالمة التي ربما تقع على الثورة حين يجعل قراطاس من بطلها كافراً بها، وناقماً عليها، لمجرد أخطاء فردية قد تقع فيها جميع الثورات، وجميع التنظيمات بدون استثناء، بمعزل عن انتماءاتها اليسارية أو اليمينية.

يعلّق ضيفنا على ذلك قائلا “الثورات نتيجة لطبيعة إنسانية مقدسة، وهي الوهج الذي تعيش على نوره الشعوب الحرة. لكن العملية نسبية دائماً؛ فحين نخضع التاريخ لهذا التساؤل نجد أن أغلب نتائج الثورات -إن لم تكن جميعها- التي ظهرت في الدول النامية سواء في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو الشرق الأوسط قد انتهت بصناعة دكتاتور ثوري حول البلاد من دولة كانت تعيش على الهامش إلى دولة خارج الأطر النظرية لحقوق الإنسان والمواطنة. والسبب أنهم (الثائرين) تحولوا من متمردين على ظلم نظام إلى عناصر في نظام ظالم جديد، ولم يتمردوا أو يصححوا الأخطاء الجسيمة لثوراتهم. فهل من الظلم أن يثور ثائر صادق ومخلص يطلب العدالة الاجتماعية لوطنه على ثورته التي بدأت تتحول إلى كائن أكثر ضراوة وظلما من النظام الذي تمردت عليه؟ هناك ثورات نجحت لكنها تظل الشذوذ الذي يثبت القاعدة”.

تذكرنا “الأعتاب” بروايتي “حاج كومبوستيلا” و”الخيميائي” لباولو كويلو، حيث تتجلّى حالات الرياضة الروحية، والتصوّف العالي، والبحث الرمزي عن الحقيقة في زمن التحولات النفسية العميقة التي تضرب الروح من عمق اليسار حتى أقصى اليمين.

ويرى ضيفنا أن التحول الإنساني من خلال رحلات يقوم بها الإنسان لوحده أو مع رفيق ليست حكرا على باولو كويلو أو غيره من الروائيين. وهي الحالة الإنسانية للبحث عن التغيير. وقد انتهجها الأنبياء والصالحون والشخصيات العظيمة التي غيرت وجه التاريخ. ولن تكون الأعتاب الأخيرة التي تتحدث عن الارتحال الخارجي والداخلي للإنسان سواء كان هذا الارتحال روحانيا أو عقليا أو غيره من المسميات. لذلك تلك العوالم لا تخص أحدا كما أن الحديث عن فكرة الحب الإنساني لا يتفرد به كاتب عن آخر”.
الخروج عن الطريق

وعن سؤال ما إذا كانت الرواية تتوجه بشكل واضح إلى الركون لمنهج الصوفية في البحث عن الحقيقة والسلامة النفسية ورضاها، وكأنها الخلاص الأنسب في زمن الصراع الأيديولوجي، في حين يرى البعض أن التصوف ما هو إلا منهج تخديري للعقل الثوري السياسي؟ يجيب قراطاس قائلا “حتى الشخصية الرئيسية وإن كانت رحلتها روحية وعرفانية فإنها لم تنج من البراغماتية في أحداثها.

إن الحقيقة تشكل بالنسبة لطلاّبها الهدف البعيد وإن اختلفت الطرق سواء كانت هذه الطرق روحانية أو سياسية أو عقلانية أو غيرها من الطرق التي يسلكها الإنسان في رحلته. تحول الإنسان من مشهد أيديولوجي إلى آخر لا يعني بالضرورة الهرب من أيديولوجيا معينة وإنما يعني الخروج عن الطرق التي لا يرى الضوء في نهايتها. وهذا ما حصل للعفار”.

قادنا الحديث عن الرواية وثورة ظفار إلى رأيه في حرية الرأي والتعبير في ما يخص المشهد العماني على وجه الخصوص، لا سيما بعد مجموعة استدعاءات طالت المثقفين العمانيين. يقول ضيفنا “هذا السؤال خارج سياق الحديث عن الرواية، ولكن بالنسبة إلى حرية الرأي والتعبير في عمان أنا أجد أنها توسعت بشكل كبير وواضح خلال السنوات الماضية، سواء في ما يخص الإصدارات الأدبية والسياسية أو في ما يتعلق بالحديث الإعلامي. وأفضل مثال أضربه لك هو معرض الكتاب في مسقط الذي لم يمنع أو يصادر أي إنتاج سواء داخلي أو خارجي.

صحيح أننا لن نصل إلى كامل الحرية، وهو ما لم تصل إليه حتى الدول التي تتشدق بالحرية، حيث نشاهد ما يحصل في تلك الدول من انتهاك لحرية التعبير بشكل فج وصارخ، لكننا نأمل في الأفضل دائما. وأنا ضد أي توقيف لقلم أو مثقف كتب وعبر لأجل المصلحة العليا للوطن. لذلك آمل أن تنتهي كل الأمور لمصلحة الوطن”.

ويرى قراطاس أن المشهد العماني ليس من ثقافته التقسيم على أساس طائفي، فهو -حسب قوله- ثقافة متوارثة، والدولة لم تتأثر إلى هذه الساعة بهذه الموجات الطائفية. ويحدثنا عن ذلك قائلا “صحيح أن هناك أفراداً ربما يحملون في داخلهم هذا الأمر بسبب التأثير الاستثنائي للأعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لكنهم يعلمون أنه من غير المقبول التحدث أو الوقوف على هذا الأساس في المجتمع العماني. لذلك إلى هذه الساعة المشهد العماني ربما ينقسم فكريا وأيديولوجيا، وهذا حق للإنسان وحالة صحية في المجتمعات، لكنه لم ولن ينقسم على الأساس الطائفي المدمر”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة