الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «بنقا في زنقة عنقني» لحسين القهواجي: كتابة التخييل التاريخي أو السرد الفولكلوري

«بنقا في زنقة عنقني» لحسين القهواجي: كتابة التخييل التاريخي أو السرد الفولكلوري

رياض خليف

«ما انفك الكاتب التونسي حسين القهواجي يدفع إلى الساحة الأدبية بنصوص ذات نكهة تراثية ماضوية، ويفتح أوراقا مسكوتا عنها ضمن سير روائية متتالية، واظب على إصدارها منذ سنوات، متجولا بقلمه في الذاكرة الجماعية إذ ينطلق فيها من معالم ورموز وأزمنة قديمة ليلتقط جانبا من التراث الشعبي السردي، ولتحفل كتاباته بالمنسي والمغيب وليفضح المسكوت عنه تاريخيا.
ولعل كتابه الأخير «بنقا في زنقة عنقني» الذي يحمل تحديدا أجناسيا بالانتماء إلى جنس السيرة الروائية يدخل في هذا المدار حيث يجدد حسين القهواجي وقفته مع سيرة المكان، مقتطفا من حكاياته وأسراره وطقوسه ونواميسه في كتابة تقترب من الكتابة التاريخية، وتنهل من الإرث الشفوي ومن الذاكرة وربما من المخيلة. إنها كتابة التخييل التاريخي المستمدة حينا من أوراق التاريخ، وحينا من الذاكرة الشفوية، وحينا مما يروق للخيال الإنساني ويتخيله.
إذا كانت كتابات القهواجي السابقة تكتظ بالقيروان، فإن هذه الكتابة تبدو شاملة فهي من ذاكرة المكان التونسي قاطبة، فنجد في هذه النصوص المتفرقة كتابة تنهل من الرسمي والهامشي في آن، فهي تجمع بين أسرار الملوك والقصور وبين كواليس الحياة العامة وظواهرها وعاداتها.
يبدو التخييل متصلا حينا بالذاكرة الشعبية وما حفظته من حكايات وعادات ونجد لذلك حضورا في حديثه عن البربر، وعن شخصية بوسعدية الفولكلورية، فيغوص السرد حينا في عالم العبيد والزنوج الذين تم استقدامهم في تاريخ تونس القديم، وحينا في العادات والتقاليد التي يعتمدها البربر، التي خصها بفصل «الحب عند البربر» وتحدث فيه عن جانب من تقاليدهم في هذا المجال «إذا احتبس عنهم الغيث راحوا يدقون الطبول، وإذا غمرهم الفيض هبوا يقرعون المهاريس، وكلما عزموا على الحرب تقدموا إليها بذبح أرخى سوداء».
كما يستعيد الكاتب ظاهرة اجتماعية معروفة في ذاكرة الأجيال وقد أدركها قبل انقراضها، وهي ظاهرة «بوسعدية» المعروفة وهي شخصية فولكلورية تراثية اشتهرت في الأوساط الشعبية قديما، وقد تطرق لها الكاتب ضمن نصه «لذة الهرج بوسعدية» كما خصها بالغلاف الأخير من خلال رسم عنونه بـ»مهرج الزنج بوسعدية» وارتبط العنوان الرئيسي باسم الآلة الموسيقية التي يستعملها.
نجد في النص استطرافا لهذه الشخصية ووصفا لتأثير عزفها على الناس «بوسعدية يدير نسق الإيقاع ثم يرده إلى ترجيع شهي بلا نظام، تقبل عليه المهجة وتكاد تنهلع له الأوصال من شدة التقمص مقام هذه النوبة الموسيقية الساخنة راست عبيدي خاص بالسودان تهيج الوجع الدفين وتستفز الرغبات، بل تحث السامع الطروب على الكرم، في حين تراه يخرج النقود من جيوبه وربما أهدى برنسه لفقير يترنم في محفل».
بتناول القهواجي شخصية بوسعدية بأسلوب سردي من جوانب كثيرة منها الفني والتاريخي والاجتماعي والصحي، من خلال خبر عن دور الموسيقى في علاج المرضى العقليين. «حدثني العازف المغني حسونة الشهيبي لسمر كانت لي مع الجوق نوبات يزهو لها قسم الأمراض النفسية في القيروان عشية كل إربعاء، تخوض غمار الشطح وسط المهووسين والحمقاوات أغلبهم من ضحايا صدمات الاخفاق» ولا تخلو هذه الكتابة من البعد الذاتي ومن تجربة الكاتب وشهادته الذاتية «كنت أجذبه وأهرب مستطرفا ذكاءه المسرحي وغمغماته اللا مفهومة، ما أبهى قهقهاته الساخرة من العالم وأسياده لنقل هو مهرج سليل أدغال».
كما نجد في الكتاب نمطا من السرد المعتمد على التخييل التاريخي لأحداث مختلفة مثل وصول وصيفات حسان هدية من مملكة السودان إلى المنصورة، في نص «باب الفتوح»: «وصلت هدية من مملكة السودان إلى المنصورة تشمل وصيفات حسان مع مئة رطل من مسك الغزال ومآزر خضر تزينها حمرة شيطانية أخاذة… السيوف مكللة بالجوهر ورهطباز مبرقش يصفق تهليلا يليق بسمو الأمير المنصور سنة 990 خرج من قصره يمتطي الأدهم، وسط خدم وفتيان بأيديهم الشموع المسرجة، يتفرج مغتبطا بمرور قافلة عليها الصناديق المرصعة، تتبعهم حمارة وحشية مخططة تخطيطا يعم بدنها الرشيق»،
أو وصول الأمير الحبشي جناب أحمد السناري إلى القيروان «وجد الأسواق في أجمل صفة تبهر بالفوانيس الملونة والزرابي المبسوطة على الحيطان كسوة للتأمل في توافق مثلثاتها وتناظر حاشيتها بالغصون». كما نجد حديثا عن الوزير صاحب الطابع واصفا إياه بوزير الوبال والويلات وعن مرسوم تحرير العبيد، وغير ذلك من الأحداث التاريخية. ومما لاشك فيه أن الكاتب اعتمد نمط التخييل التاريخي متبعا حينا الشكل السردي القديم، وهو شكل الخبر، وحينا الأسلوب السردي القصصي الحديث مرصعا لغته بمعاجم تراثية الاستعمال. وهكذا صاحبنا حسين القهواجي مرة أخرى بنصوصه السردية ذات النكهة التاريخية التراثية إلى مواضع مختلفة من التاريخ ومحطات مغيبة من الذاكرة وهو لا يعيد كتابة التاريخي بتاريخيته القديمة، التي تعج بها كتب التاريخ، وإنما بنفس سردي حداثي تشقه الاستطرادات الحديثة وتحضر فيه الذاتية.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …