الرئيسية / . / مسلسل ‘الأب الروحي’: اقتباس عشوائي

مسلسل ‘الأب الروحي’: اقتباس عشوائي

سارة محمد

“الأب الروحي” أو “العرّاب” الهوليوودي من كلاسيكيات السينما العالمية، بل اعتبره النقاد أفضل فيلم في تاريخ السينما العالمية، وحاز على العديد من جوائز الأوسكار ومأخوذ عن رواية بنفس العنوان كتبها الروائي الإيطالي ماريو بوزو، وأصبحت موسيقاه التصويرية واحدة من أهم المقطوعات التي ما إن يستمع المتلقي إلى بدايتها حتى يتذكر الفيلم على الفور، لذلك كان على صناع المسلسل المصري التزام الحذر الشديد والتحلي بحرفية عالية قبل تجرؤهم على الإقدام على التقليد.

ورغم اختلاف المرحلة الزمنية التي دارت فيها أحداث الفيلم في الأربعينات من القرن الماضي، حيث انتشرت عصابات المافيا في أميركا، إلا أن تركيبة “الأب الروحي” ذاتها بقيت مسار جذب للكثيرين من صناع الدراما، حتى وإن لم يقلدوا القصة بحذافيرها واتخذوها رمزا، يدور حول “القيادي” الذي يدير شؤون العائلة ويتحكم في أفرادها.
لا مجال للمقارنة

بالتأكيد المقارنة بين مسلسل “الأب الروحي” ونسخة الفيلم الأصلية، تبدو غير واقعية لعدة أسباب، أولها المدة الزمنية لكل منهما، إذ لا يمكن مقارنة عمل مدته ساعتان بعمل تزيد مدته على 18 ساعة، وثانيا لاختلاف طبيعة الحقبة التي تدور فيها أحداث كليهما، وثالثا لأنه من الظلم المقارنة بين الدراما الأميركية بما حققته من تفوق في تنفيذ مشاهد الأكشن (العنف) والإثارة، فضلا عن أداء الممثلين بنظيرتها المصرية.

يمكن المقارنة مثلا بين المسلسل الدرامي المصري الذي يقوم ببطولته النجم محمود حميدة، والمسلسل السوري الذي حمل العنوان ذاته وأدى دور البطولة فيه النجم السوري جمال سليمان منذ عامين وحقق نجاحا كبيرا على المستوى العربي.

ربما يرد إلى الأذهان أيضا مسلسل “العرّاف” الذي لعب بطولته الفنان عادل إمام وإن كان نسخة كوميدية اختلفت عن القصة الأصلية، حيث جعل شخصية الأب نصابا، لكنه يتمتع بصفات الأب الروحي في معاملته لأبنائه الذين يعيش كل منهم في محافظة بعيدة عن الأخرى، ثم يتجمعون حول الأب ولكل منهم مطالب وأهداف معينة.

إذا استبعدت النسخة الكوميدية وأجريت المقارنة بين مسلسل حميدة ومسلسل سليمان، فنحن بصدد عملين اتخذ كلاهما من المقومات الأساسية لفيلم “هوليوود” قاعدة للبناء الدرامي، وفي “عرّاب” سليمان تم تطوير الفكرة لتتلاءم مع طبيعة المجتمع السوري، وما طرأ عليه من تغيرات، وظهر ذلك في الحوار الذي دار على لسان الأبطال منذ الحلقة الأولى، وبعدها بدأت شخصية “أبو عاليا” (جمال سليمان) تتضح في الحلقة الثانية وظهرت قوته وجبروته، رغم ملامح الهدوء والطيبة التي خيمت عليه في حديثه الهادئ مع ابنته في بداية تعرف المشاهد على الأحداث.

وإذا انتقلنا إلى العمل الدرامي المصري سوف نلاحظ عدم تماسكه منذ حلقته الأولى، حيث لا نكاد نعرف تفاصيل عن الكثير من الشخصيات، ولا حتى شخصية “الأب الروحي” ذاته، أو الحاج “زين العطار” الذي يجسد دوره الفنان محمود حميدة، فقط نسمع أنه “الكبير” الذي يقود العائلة وتبدو ملامح كل فرد فيها مبتورة حتى مع توالي الحلقات.

سوف نحتاج إلى مشاهدة ثماني حلقات كاملة لنتعرف، وبعد أن يكون “الكبير” مات، على شخصية هذا “الكبير” من خلال الـ”فلاش باك”، عندما يأخذ المسلسل في استعادة ذكريات شبابه وتطور حياته.

في الحلقات الأولى من “الأب الروحي” (النسخة المصرية) نرى رجلا صاحب نفوذ ويتمتع بقلب عطوف نحو أبنائه، لكن التعرف الحقيقي على رحلة صعوده جاءت متأخرة، وكان على المؤلف هاني سرحان إذا أراد استخدام الـ”فلاش باك” أن يقدم ذلك بموازاة عرضه للأحداث في الحاضر، لتحقيق تلك “التوليفة” بنجاح، لكن يبدو أن طول المدة الزمنية للمسلسل جعل المؤلف يلجأ إلى ذلك (الإسراف في الـ”فلاش باك”)، سعيا لاكتساب المزيد من الحلقات.

المتابع لأحداث النسخة المصرية لرواية “الأب الروحي” سوف يشعر بالغرابة لعدم وجود ربط بينها وبين المجتمع إلى حد كبير، فالحلقات تحتوي على عدد كبير من مشاهد الأكشن والمطاردات والقتل وانقلاب السيارات، وهو مناخ يبتعد عن قوام الحياة في مصر وغالبية الدول العربية، فكأن هذا “العطار” وعائلته وأعداءهم يعيشون في عزلة عن العالم المحيط بهم، أو في منطقة نائية.
استسهال وتعجل

حاول صناع العمل الاقتراب بصورة هزلية من أحداث الفيلم الشهير الذي تنفذ الجريمة فيه بحرفية عالية وفي مدة زمنية لحظية، وتجسد هذا “الهزل” في مشاهد انقلاب السيارات، أو الاقتحام وإطلاق النار، وكأنه فيلم “كارتوني” يقلد بصورة هازئة قصة الفيلم الذي تم تقديمه في سبعينات القرن الماضي.

كان في المسلسل خط هام لم يتم استثماره في المعالجة الدرامية ومن ثم صياغة الأحداث بناء عليه، ألا وهو العلاقة بين السلطة ورأس المال، لكن المشاهد يفاجأ بنموذجين لرجل الشرطة لا نعرف ما القصد من تقديمهما بالضبط، وهما اللواء “زين” الذي لا تتضح تفاصيل شخصيته، وهل هو صديق محمود حميدة “زين العطار” أم عدو له؟ ثم نموذج الضابط الصغير الذي يريد الإيقاع بـ”الكبير” من أجل توفيق أوضاعه المالية مع أعدائه والدخول معهم في أعمال مشتركة.

المسلسل تدور أحداثه بالأساس حول عالم تجارة السلاح من خلال اللواء “زين” الذي يسيطر على السوق وله أعداء كثيرون يريدون التخلص منه، أما “الكبير” أو “الأب الروحي” أو “زين العطار” فإنه أب لخمسة أبناء يعيشون معه في منزله وإثنين آخرين يعيش كل منهما في منطقة منعزلة، وفرض على أحدهما “الإقامة الجبرية” داخل دار للأيتام، بينما بدا كأنه تبرأ من الابن الآخر.

كل الشخصيات، ومعها أبناء العم والأخوات وغيرهم، غير واضحة المعالم، وهو ما يؤكده الناقد المصري نادر عدلي الذي قال لـ”العرب” إن المسلسل غلب عليه “الاستسهال والتعجل” في رسم الشخصيات، والمؤلف ترك استنتاج الأفكار والخيوط للمشاهد، لافتا على سبيل المثال إلى عدم التعرف من أين استمد اللواء زين بالضبط تلك السطوة كلها؟ ولا من أين أتت قوته؟ كما أن مبررات الصراع بينه وبين أعدائه لم تتضح.

وأكد عدلي أن لعبة الأسلحة تحديدا تتمركز في أغلبها، كما عرضها المسلسل، في شخص أو إثنين يعملان بالاتفاق مع السلطة، وبالتالي فلا يوجد مبرر لقوة زين الاقتصادية هذه، لأنه لا يمارس إلا أعمالا تجارية تقليدية، وأصبحنا أمام “اقتباس” للنسخة الأجنبية دون تنفيذ جيد.

وأوضحت الناقدة ماجدة خيرالله لـ”العرب” أن افتقاد عنصر الزمن من الأسباب التي أضعفت العمل الدرامي، وأن أحد مقومات الفيلم الشهير لهوليوود تمحور حول زمن انتشار عصابات المافيا في الولايات المتحدة في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، واتخذ من عالم الجريمة المنظمة في ذلك الوقت مجالا لتطور الحدث الدرامي، أما في مسلسل “الأب الروحي” المصري فإن عنصر الزمن مفقود والأحداث تدار بطريقة عشوائية.

(العرب)

شاهد أيضاً

طريق طويل.. ل -حيدر محمود-

-حيدر محمود-   أنا وأنت ِ والطريق يحاول تقبيلك بين الخطوة وألاخرى والاشجار التي في …