الرئيسية / . / «سينما العائلات»… مقاربات فنية لأزمات أوروبا الاجتماعية

«سينما العائلات»… مقاربات فنية لأزمات أوروبا الاجتماعية

عبد الله الساورة

بداية نجد أن فيلم «العرّاب» لفرانسيس كوبولا يشكل حجر الزاوية لما يُسمى بـ«سينما العائلة»، التي تتخذ من الأسرة وأفرادها أساساً لأحداث الفيلم. وفي «العرّاب» تبدو الصورة القصوى للعائلة في تمددها وتفرعها وقناعاتها في إيجاد حلول لمشكلاتها، كعائلة مهاجرة من إيطاليا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبالضبط في مدينة نيويورك.
داخل هذا الفيلم نكتشف تلاحم العائلة وأصدقائها وتماسكها وتضحياتها الكبيرة، محملة بأسرارها الخطيرة في عالم المافيا، لتحصل العائلة على مكانة التحقق والمهابة بين العائلات الكبيرة. فالعمل يتعدّى عالم العصابات ليكشف عن بنيات اجتماعية واقتصادية وتحولات سياسية في المجتمع الأمريكي وقتها. وضمن هذه الصيغة ــ العائلة ــ يأتي العديد من الأفلام السينمائية المتباينة، سواء على مستوى المشكلات التي تعالجها، أو المستوى الفني والتقني للسرد السينمائي. ونستعرض في ما يلي خمسة من هذه الأفلام، التي من خلالها تتم مناقشة أزمات وأحلام مجتمعات دول الاتحاد الأوروبي.

العائلات الكبيرة

فيلم فرنسي كوميدي (2015/المدة 113 دقيقة) من إخراج المخضرم جون بول ربينو، 83 عاما، وهو فيلمه التاسع، بعد ابتعاده عن السينما 12 عاما. تتمحور قصة الفيلم حول حياة جيروم (ماثيو مالتغي) مستثمر فرنسي يعيش في مدينة شنغهاي الصينية، رفقة صديقته التي تتكلف بكل مهامه التجارية والمهنية تدعى شين ـ لي (أدت دورها الممثلة فيما شان). في سفره القصير إلى باريس لإجراء مفاوضات تجارية تخبره والدته وأخوه أن المكان الذي ولد فيه وعاش طفولته هناك في قرية «أمبراي» سيتم بيعه. وفي محاولة لعدم فقدان المنزل والأرض التي تربى فيها، سيذهب لمعرفة ما يقع هناك بالضبط، ولكن الذي لا يعرفه جيروم أن هذا السفر القصير سيغير حياته إلى الأبد. تظهر العائلة في هذا الفيلم أنها متماسكة، ولكن في عمقها كل واحد يبحث عن مصالحه الخاصة ويبدو أصدقاء الطفولة الذين أصبحوا رجالا ونساء يحملون غلا وحقدا كبيرين لهذا المستثمر الذي أصبح برجوازيا ينافح بأمواله وبعلاقاته المتعددة. ورغم أن الفيلم يبدو كوميديا، إلا أنه تتخلله في الكثير من اللحظات حالات الجديّة واللحظات العميقة، ورغم مآل الرحلة التي انتهت بخيبات أمل كبيرة.

زوران .. ابن أخي المغفل

وفي الفيلم الإيطالي «زوران، ابن أخي المغفل» (2013/106 دقيقة) من اخراج ماثيو أوليتو، تأتي الحكاية عن شخصية (باولو)، رجل في منتصف الأربعين من العــــــمر، لا شيء يقلقه ولا شيء يعجبه، بائع للخمور، متعـــــب من كل شيء، يمتاز بمزحاته الحادة والساخرة، يعيش في منطقة ريفية من فريولي على بعد خطوات من سلوفينيا.
حياته تمضي على الوتيرة نفسها، حيث يذهب كل يوم إلى مستودعه الممتلئ ببضاعته من الخمور ويجلس على أريكته، ويداوم على بيعها ثم يعود سيرته كما كان. وهكذا حتى تصله فجأة أخبار من سلوفينيا من عمة منسية هناك تركت له إرثا غريبا.. ابن أخ، يبدو مغفلاً بعض الشيء. ومن خلال كوميديا بسيطة غير معقدة تتشابك العلاقات العائلية، وكيفية رعاية الآخر والتورط في العديد من المشكلات سعياً لتحقيق حالة من التفاعل الاجتماعي والأسري، حتى لو لم يلتفت صاحبها أو يتشكى منها في بادئ الأمر. فـ»زوران» الفتى اليافع ليس مغفلا كما يبدو من عنوان الفيلم، لكنه يمتاز بالدقة والانضباط وقوة الملاحظة.

أختي الرائعة

أما الفيلم السويدي «أختي الرائعة» (2015/ 105 دقيقة ) فهو من إخراج سانا لانكن، وقد شارك في الدورة 65 من مهرجان برلين، ومن بطولة أيمي ديامون وأنيكا هالـــــين. تدور الأحداث عن أختين متعلقتين بالرياضة، خاصة رياضة التزلج الإيقاعي، رغـــــم أوزانهما الكبيرة. تسرد الحكاية من وجهة نظر الطــــفلة «ستيلا» التي لا تتجاوز الحادية عشرة من العــــمر، والتي تكتشـــف مشـــكلات شقيقتها مع نظامها الغذائي/الحمية. الحكاية رغم بساطتها تكشــــف الكثير عن أحوال الأسرة والعـــلاقات المتفــــرعة عنها، من صداقة وحب وخيانة، إضافة إلى التوتر الدائم الناتج عن حالة المنافسة في رياضة التزلج الإيقاعي.

صديقات أغاثا

ومن إسبانيا «صديقات أغاثا» ( 2015/70 دقيقة) من بطولة أربع طالبات جامعيات في سنتهم الأولى من الدراسة في مدينة برشلونة. ويحكي عن مجموعة من الشابات، من خلال نظرة أغاثا طيلة الـفــــترة الأولى من حياتهن الجامعية. يقمــــن برحلة من مدينة برشلونة إلى شواطئ مدينة كوســـتا برافا في الشمال الشرقي الإسباني، خلال هذه الرحــــلة تتقاسم أغاثا عالمها ورؤيتها للحياة ومفهــــومها للصداقة مع صديقاتــها في الطــــفولة: كـــارلا، أري، مار… الفيلم يسلط الضوء على قيـــمة الصداقة والأهواء التي تتجاذب الفتيات في علاقتهن مع الآخر. وما يمثله الرجل داخل الدائرة المغلقة والمتعددة الأسرار.

بين الأصدقاء

وفي الأخير يأتي الفيلم الفرنسي «بين الأصدقاء» (2015) من إخراج الممثل والمخرج أوليفي بارو، وهو فيمله السابع الطويل. ويحكي عن ثلاثة من الأصدقاء يتعدون الخمسين عاما، ريتشارد، جييل، وفيليب. قرروا ذات صيف اكتراء يخت رائع وتوجهوا صحبة خطيباتهم في سفر إلى جزيرة كورسيكا السياحية.
التعايش على متن المركب ليس بالأمر الهين والسهل، لأن كل زيجة من المجموعة لها مشاكلها الخاصة خصوصا في هذا العالم المغلق/البحر، وكأنهم يعيدون إنتاج حياتهم من ناحية أخرى، منفصلين عما اعتادوا عليه في حياتهم. وبين الضحكات المتعالية والاعترافات المتتالية للرجال والنساء والشكاوى والغيرة تخرج الأسرار الكامنة في النفوس، وعلى كل منهم أن يراجع حياته الخاصة بعلاقته مع الآخرين في ظل سؤال مركزي: عن قيمة الصداقة والتضحية واستمرارها في مواجهة العاصفة المقبلة، والمتمثلة في إعصار طبيعي مقبل، إلا أن العاصفة الحقيقية هي ماذا بعد الكشف عن كل ما يحملونه داخلهم من أسرار.
وفي هذه الأفلام نجد مقاربة جادة لمفهوم العائلة، وما يتجاذب هذه العلاقات من تلاطم المساعي والعلاقات الاجتماعية وقيمة الصداقة المحفوفة بتضارب المصالح والإغراءات التي تكسوها بين الفينة والأخرى. أفلام ذات طبيعة اجتماعية تزكي هذه العلاقات وتؤسس لسينما العائلة بمنظور إنساني حيث محاولات الخير الدائمة للانتصار على الشر.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …