الرئيسية / . / الأخوان مَلَص يجسّدان بالكوميديا وجع اللاجئ السوري

الأخوان مَلَص يجسّدان بالكوميديا وجع اللاجئ السوري

كاتيا الطويل

«صحيح أنّنا لاجئون لكنّنا في الواقع أناس لطيفون جدًّا، نحن أناس في غاية الطيبة!» قد تكون هذه الجملة من أكثر الجمل التي يحاول أن يعبّر عنها اللاجئ العربيّ المقيم في أحد بلدان الاغتراب، أحد البلدان الحضاريّة المتقدّمة. فما إن يعلق المرء في خانة اللجوء وتلتصق به هذه التهمة الاجتماعيّة، حتّى يُحكم عليه بالرجعيّة والجهل والفقر والفساد وغيرها من قبيح الصفات. وليس هذا حُكمًا تعسّفيًّا على المجتمعات الأجنبيّة ولا حكمًا تقييميًّا، فمن المنطقيّ أن يخشى أهل بلد ما أن يدخل أرضهم سكّان غرباء لا يمتّون إلى حضارتهم بصلة، لتتحوّل حياة اللاجئ إلى حياة صعبة، كلّ شيء فيها صعب حتّى الموت!
يقدّم «الأخوان مَلَص»، أحمد ومحمّد، مسرحيّة تراجيديّة – كوميديّة بعنوان «اللاجئان» (Les Deux Réfugiés) وهي مسرحيّتهما الأولى بالفرنسيّة يعرضانها على مسرح بيكسل الباريسيّ وتجول في مدن فرنسيّة. وقد تمكّن الشقيقان مَلَص من تقديم عرض كوميديّ متماسك تعرّض إلى مشاكل اللاجئ العربيّ اليوميّة والنفسيّة والإنسانيّة. فعلى رغم أنّ البعض قد يرى أنّ في النصّ نوعًا من السطحيّة والمتوقّع إلاّ أنّ الشقيقين السوريّين تمكّنا من أن ينقلا حالة حقيقيّة من دون أن يُشعرا المتفرّج بضرورة الشفقة عليهما. لقد أطّرا المشاكل الحياتيّة بنوع من الهزل الخفيف الحقيقيّ الذي يفهمه أيّ مهاجر أو لاجئ أجنبيّ إلى باريس.
ومن أبرز مواضع الضحك التي تتخلّل العرض هي المواضع التي تُظهر التعارض بين طبيعة المواطن الفرنسيّ وعاداته وبين طبيعة الإنسان العربيّ ورؤيته الى الأمور. فحــبّ الفرنسيّ لكلبه وتعلّقه به أمر لا يستوعبه اللاجئ. الغياب شبه الـــكامل للعلاقات الاجتماعيّة بين الجيـــران أمر قاتل بالنسبة لامرئ قـــادم من حضارة الضيافة والكرم والتلاحــم الاجتماعيّ. المترو نفسه أزمة لِمَن اعتاد سيّارات الأجرة أو الباص أو حتّى التنقّل سيرًا. وتبقى الأمور الإداريّة مصيبة المصائب، من إقامة، إلى ضمان، إلى مشاكل المساعدات التي تقدّمها الدولة. كلّ شيء مختلف. كلّ شيء جديد. طريقة تعامل الناس مع بعضهم هي بحدّ ذاتها غريبة، تهذيبهم، احترامهم للحرّيّة الفرديّة، تعاطف الممرّضات مع المريض ورقّتهنّ معه وحرصهنّ على مشاعره. الجارة الفرنسيّة الجميلة. كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة يدعو إلى الاستغراب، إلى الضحك.
وينصرف المتفرّج إلى تتبّع حياة هذين اللاجئين المجبرين على التحدّث مع بعضهما بالفرنسيّة على أنّ أيًّا منهما لا يجيدها ولا يجيد حتّى التلفّظ بالكلمات التي يعرفها بطريقة سليمة. ساعة من الضحك لا يملّ فيها المتفرّج ولا يتوقّع الآتي من الأحداث. إنّما تختبئ تحت مظاهر الطرفات الاجتماعيّة والخفّة، مشاعر حنين إلى الأمّ، إلى الوطن، مشاعر غضب ورغبة في إثبات النفس والقدرة على التأقلم وتعلّم اللغة. تحت أقنعة الضحك والكوميديا وحدةٌ ووجع وكفاح، اختلاط مشاعر الغربة بعدم القدرة على العودة إلى الوراء وحزن. فيقول أحد اللاجئين ويكرّر مرارًا وكأنّه يقنع المتفرّج، يقنع الفرنسيّين كلّهم، يقنع نفسه حتّى: «أنا لستُ تعيسًا، أنا قويّ جدًّا».
ولا يمكن أن ننكر أنّ «الأخوين مَلَص» وقعا أحيانًا في فخّ المـــبالغة، ففـــي بعض المواضع رضــخا للكليشيهات المتداولة عن اللاجئيـــن العرب على رغم أنّهما كان يجب أن يكونا أوعى من ذلك بحكم تمرّسهما في مهنة التمـــثيل منذ سنوات انطلاقًا من ســـورية ووصـــولاً إلى باريس مرورًا بمـصـــر. كما أنّ التمثيـــل احتاج إلــــى التخفيـــف من حدّته وبخاصّة عند ضحك إحدى الشخصيّتين التي ظهرت بمظهر المُصاب بالبله.
«اللاجئان» عرض متماسك طريف موجع، يقدّم على طبق من الفكاهة الوجعَ العربيّ وعزيمة اللاجئ الرائعة على الانخراط في مجتمع لم يتعلّم بعد كيف يتعامل معه. مسرحيّة تُدخل الموسيقى الفرنسيّة (جاك بريل، إنديلا، أزنافور) بقصائد العرب الرنّانة وأناشيدهم (قل لمن يفهم عنّي ما أقول) بتحيّة جميلة إلى شعوب عربيّة بدأت كفاحها منذ يوم الولادة؛ كفاح من أسفل الهرم لبلوغ النور يومًا ما: «نحن اللاجئين لا نعرف الشمس، نعيش تحت الأرض؛ تحت الأرض؛ تحت الأرض… «
(الحياة)

شاهد أيضاً

جبين يابس.. ل -لبنى دهيسات-

-لبنى دهيسات-   المستقبل ما هو إلا القشة التي نسير إليها.. نحن الغارقون في الأرض …