الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / الشاعرة الفرنسية ماري كلير بانكار تحتفي بالحياة في حضرة الموت

الشاعرة الفرنسية ماري كلير بانكار تحتفي بالحياة في حضرة الموت

أنطوان جوكي

لمَن يبحث عن شعرٍ معاصر يختلف عن الكتابات المنمّطة الرائجة اليوم، تبقى الشاعرة الفرنسية ماري كلير بانكار صوتاً يتعذّر تجنّبه. إنه صوتٌ طبعته تجربة الشلل (poliomyélite) منذ الطفولة، ومع ذلك لم تستسلم صاحبته لعارض الجمود الملازم لهذا المرض وتنسحب من العالم. بالعكس، يبدو الواقع، بصُدَفه ولقاءاته، كلّيَّ الحضور في نصوصها، ضمن حساسيةٍ نادرة إزاء الأشكال الحيّة الأكثر تواضعاً، وضمن استكشافٍ بصير للإنجازات البشرية الأكثر عظمةً.
وهذا ما يتجلى بسرعة لقارئ دواوين بانكار الشعرية الغزيرة (22 ديواناً)، وآخرها «الآتي من بعيد» الذي صدر حديثاً عن دار «كاستور أسترال» الباريسية ويشكلّ نشيداً للحياة التي كادت الشاعرة تفارقها أخيراً إثر وعكةٍ صحية خطيرة ألمّت بها.
«البعيد» الذي تقصده بانكار في عنوان ديوانها، وترصد له قصائد كثيرة، يقع أولاً في الزمن، وبالتالي يشمل تلك الانفعالات والأحداث التي اختبرتها طوال حياتها، من أحاسيس مطمورة «كانت تتظاهر بالموت»، إلى ذكرياتِ أماكن تعيد إحياءها: «يجب أن نكون متقدّمين جداً في السن كي نتذكّر أماكن قديمة/ أضحت اليوم أبعد من القمر». لكن هذا «البعيد» هو أيضاً هاوية، كما يتجلى في عبارة «revenir de loin» الفرنسية التي تعني الإفلات من موتٍ محتم. وفعلاً، يُدخلنا ديوان الشاعرة في بدايته إلى غرفة العناية الفائقة التي لازمتها بانكار طويلاً داخل مستشفى خلال الفترة الأخيرة، ولم يكن يَحُم فيها سوى شبح الموت داخل صمتٍ لم تكن تقطعه سوى صفّارات الإسعاف أو أصوات الآلات الموصولة إلى جسدها. مكانٌ يستحضر «الزائل، مثل هذا العالم ومثلنا»، وتروي الشاعرة فيه رحلة شفائها وإعادة تملّكها حياتها بتلك «الطاقة القليلة والحارّة»، متوقفةً مراراً عند ما يجعل منها ومنا كائنات هشّة في عالمٍ يستحضر كل شيء فيه الزمنَ الذي يطحننا، كـ «الكتب التي تشيخ/ حولنا» و «الحياة التي تغادرنا جزءاً جزءاً».
لكن استنتاج بانكار هشاشتنا لا يقودها إلى رفض العالم، بل يعزز فضولها في سبر لغز الوجود ويدفعها إلى تساؤلات ميتافيزيقية حول «ما قبل الولادة» مثلاً، أو حول الكون الذي تنظر إليه كـ «رياضيات مجسَّدة»، مع علمها أن كثيراً من تلك التساؤلات ستبقى بلا جواب، لأن حتى «كينونتي/ لا تعرف/ كل شيء من كينونتي». أما الموت الذي يظلل عدداً كبيراً من قصائد ديوانها، فتقاربه ضمن رؤيةٍ مادّية، ترابية، كما تشهد على ذلك قصيدتها الآتية: في الخارج، التراب دافئٌ/ غذاءٌ بسيطٌ/ غطاءٌ ناعمٌ/ لحيواناتٍ وبِذار/ ممتلئاً بالبراعم/ يُهيّئ تحت حماية الآسِن والأكمد/ بريقَ ألوانٍ وعطور/ يتحرّكُ برقّةٍ في مكانه/ يفيضُ حياةً/ يدعونا/ إلى الملامسة/ في زحمته/ ويعملُ في السرّ/ من أجل رمادنا القادم/ الذي يتلقّاهُ زَهْراً بين/ زهوره المقبلة».
باختصار، تتابع بانكار في ديوانها الأخير ذلك الحلم الحاضر في جميع دواوينها السابقة. حلمٌ في اتحادٍ مع الكون، ضمن نظرة أمومية تجاه الحيوانات والزهور والحشرات، وأيضاً ضمن تلك الرغبة في «مناغمة/ فرضيات العلماء/ كلمات كل يوم/ وكائنات الصُدفة». فحين نتخلّى عن الأوهام و «الأحلام التوتاليتارية»، لا يعود يتبقى سوى الحياة الأكثر عرياً وحقيقةً، حياة مكوّرة داخل التفاتات كل يوم، «في تلك الكسرة من أبديةٍ/ في تلك الثانية/ حيث تلتقي أيادينا/ كل مساء لتمنّي ليلةٍ سعيدة (…)». حياةٌ ننتشي بها بعدما نكون قد «تعلّمنا الاحتفاء بما هو هشّ».
ولا نعجب من احتفاء بانكار بالحياة المستعادة، فداخل مَن يُكتَب له عمرٌ جديدٌ، بعد لمسه الحدود التي تفصل الأحياء والأموات، ثمة شيءٌ جوهري يتغيّر ويغيّر علاقته بالكون. ثمة بصيرةٌ جديدة وميلٌ لا يقاوَم إلى السعادة يدفعه فجأةً إلى تذوّق جميع «اكتشافات لغز حياتنا اليومية»، كـ «تقشير ثمرةٍ» أو «تقطيع بياض بيضةٍ كما لو أنها غيمة».
ولأن العودة إلى الحياة تعزّز أيضاً حدّة أحاسيسنا، فتبدو شموس الوجود أكثر إشعاعاً، والعتمة أكثر سواداً، تدرك الشاعرة بحدسها أن «كل موضوع يلامس الشاسع مثلما يلامس الهاوية»، وكل ثانية قادرة، إن عرفنا سبيلاً إلى الإصغاء، على تغذية قدرتنا على الاندهاش إلى ما لا نهاية. لكن بالنسبة إلى بانكار التي تعرف كيف ترتقي باليومي، لا تتوقف مهمة الشاعر عند الوصف الدقيق للواقع والانتشاء به، بل تشمل لعب دور الكشّاف وتعرية كل ما يحدّنا من أجل «توحيد الفضاءات» المدوخة التي يقف الإنسان عند تقاطُعها: ما قبل الحياة الذي تراه كمكانٍ مُهدى للغز الأصل أو المصدر، وما وراء الموت الذي يظهر كثقبٍ أسوَد، كفضاء انحلالٍ ينقلب الكائن فيه داخل المجهول.
لماذا نحيا ما دمنا سنموت؟ سؤال تطرحه الشاعرة مراراً في ديوانها. ومن بحثها الغائي، نستخلص أن لا خيار للإنسان سوى احتلال موقعه داخل الكون، في جوار الحيوانات والأشجار والأعشاب والهواء… أما الشاعر، فعليه حفر المسافات بلا كلل، عبور «السماكة المتعددة للكلمات»، محاصرة الطَعم الغامض للموت المتضمَّن في حياتنا، والعمل قدر المستطاع على مصالحة الأشياء التي تبدو غير قابلة للتوفيق. وهو ما تنجح بانكار في تحقيقه بمهارة فريدة، مستعينةً في نصوصها بصورٍ ملموسة واستعارات مشحوذة ومقارنات آسرة ومعبّرة لا تخطر على بال.
ديوانٌ رائع تجتمع فيه الجغرافيا الحميمة للشاعرة والأسئلة الوجودية الكبرى، «الآتي من بعيد» يذكّرنا خصوصاً بأن الإنسان يُكتب كنقطة وصلٍ بين الكينونة والعدم، بين هوّتين يتعذّر وصفهما، وهما أشبه بـ «لغزٍ لا ينفكّ يضيّق خناقه علينا»، وفي الوقت نفسه يفلت منا.

(الحياة)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …