الرئيسية / . / الحراك الاجتماعي وقصيدة النثر في مصر

الحراك الاجتماعي وقصيدة النثر في مصر

خاص (الجسرة)

حسام الحداد
يرى الفكر الجديد أن المعرفة تتخذ الآن أشكالاً مجزأة بصورة تتزايد باطّراد، وهذا يعنى تفكك الأنماط والأساليب السابقة جميعها، والكتابة الجديدة اليوم ستدفعنا الى تأمل معنى التغيير بشكل عام، والتغيير في واحد من أهم التعريفات المستحدثة، هو دخول إلى مجال مختلف عن كل ما سبق، من حيث البنية والوتيرة وشكل الصراع، بحيث يصبح الجديد خطاباً ينطلق من نقطة خارج دائرة حياتنا، حيث هذه الصيرورة الدائمة، وهذه التحولات التي تعصف بكل القَناعات، وتضع المفاهيم القديمة في مواجهة مآزقها. لقد حدث هذا الانقلاب المعرفي الكبير، في سياق التغيرات الكبرى، وفى سياق الانقلابات الجذرية في كافة المستويات الحضارية والاجتماعية، والتي لا تزال تمثل صدمة مختلفة نوعياً لسدنة الفكر السابق

ومن ثم تم تصنيف الحراك الاجتماعي ومبدأ تكافؤ الفرص كاثنين من أبرز آليات تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية في أي مجتمع ما، الذي لا يتحقق إلا بآليات ينشئها المجتمع بعدما يسأم الاستبداد وسوء توزيع الدخل والفقر والفساد.

ويدور مفهوم العدالة الاجتماعية حول المساواة في عضوية المجتمع المدنيّ والدّولة السياسية، وتعزيز حقوق الشعوب، وإزالة الحواجز التي تواجهها. فهو يعني إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع، و توفير متساوي للاحتياجات الأساسية. كما أنها تعني المساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي.

أما الحراك الاجتماعي، فهو يشير حسب “بتريم سوركين”، إلى: “انتقال الفرد أو الجماعة مِنْ طبقةٍ أو مستوى اجتماعي اقتصادي مُعَيَّن إلى طبقة أخرى أو مستوى اجتماعي اقتصادي آخر؛ بحيث يرتبط بهذا الانتقال تغيُّر في مستوى وظيفة ودخل الفَرْد، وقد يكون هذا الانتقال إلى أعلى أو إلى أسفل”. كما يطلق على كل نزوع يسعى إلى الاهتمام بالحاضر وتعقُّله في مواجهة الماضي، في هرم التدرج الاجتماعي. وطالما تردد على أذهاننا ارتباطه الوثيق بالحداثة والعقلانية والتغير والانتقال من الفكر التقليدي إلى الوعي الحديث، الذي بدوره يولّد صراعا محتدمًا بين أنصار الحداثة والتنوير وأنصار الأصالة الذاتية والخصوصية الحضارية في أي مجال من المجالات،‏ حيث يتطلب نوعًا من الوعي التاريخي باختلاف المرحلة الحالية عن سابقتها، أو كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي “رولان بارت”:‏ “الانفصال عن الذي لم يعد ممكنًا‏”. (1)

قصيدة النثر والحراك الاجتماعي
وهناك ثمة توافق كبير بين مفهوم الحداثة والحراك الاجتماعي؛ حيث نستطيع اعتبار الحراك الاجتماعي هو الذي يجعل التحديث واقعا، وقد يأخذنا التفسير الماركسي للحداثة، إلى التقريب الشديد بينها وبين معنى الحراك الاجتماعي، الذي يمثل مقاربة منهجية متماسكة لتفسير هذه الظاهرة، ويقوم على أن العامل الأساسي في التغيير الاجتماعي أو التحديث ليس أفكار الفلاسفة والمفكرين ولا رغبات القادة السياسيين‏،‏ وإنما تبلور القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التحديث‏

ومن بين الآراء المهمة والتي ترى ان لقصيدة النثر دورا مهما في الحياة الاجتماعية راي الكاتب صبحي موسى في حوار مع ميدل ايست بإجابته عن السؤال المحوري في هذا الحوار بالنسبة لنا، هل تؤمن بأن قصيدة النثر كانت اليومي والهامشي ولا علاقة لها بالقضايا الكبرى؟
وكانت اجابته عن السؤال: في ديواني “يرف رف بجانبها وحده، قصائد الغرفة المغلقة ” كنت مؤمناً بدرجة ما بهذه المقولة، وإن لم أكن ملتزماً بها تماماً، ففي ظني أنها مقولة تم اختراعها كي يسمح كهنة قصيدة التفعيلة بموطئ قدم لقصيدة النثر على الأرض في الساحة الثقافية المصرية، فهم بحكم سيطرتهم على مقاليد الأمور الثقافية والإعلامية ما كان لهم أن يسمحوا بوجود هذا النص إلا إذا استعطفهم شعراء النثر بالتهوين من شأن نصهم قائلين أنه مختص باليومي والمعاش ولا قدرة له على معالجة القضايا الكبرى صاحبة الاختصاص بنصوص التفعيلة والعمودي، ومع الوقت زاد إيماني بهذا الظن أكثر من الكلام عن اختصاص فن بموضوعات دون غيرها، ومن ثم فبدءاً من “هانيبال” كان انشغالي بالهم الاجتماعي والسياسي أعلى عن الديوانين الأولين، وقد آمنت خلال الأعمال الثلاثة بأن قصيدة النثر لا يمكن حصرها في ما يسمى باليومي والهامشي، وإن كان ذلك أدواتها في التعامل الشعري مع الحياة، لكنها كأي نوع شعري لا يمكنها تجنب القضايا الكبري والهموم الإنسانية والانصياع لما يمليه المحيط الاجتماعي والثقافي على كاتبها، ومن ثم فلا بد لها أن تكون قصيدة مكتملة الأطر، ومتماسة مع واقعها وقضاياه وما يعانيه أهلها من أزمات وهموم عامة وخاصة، وقد كتب عدد من النقاد عن هذه الملامح في الديوانين الأخيرين، بينما لم ينتبه أحد للأعمال الأولى، ربما لأن الوسط الثقافي لم يكن يعرفني بشكل كاف، وربما لأنني كنت على استحياء أتعرف على الآخرين وأقدم لهم أعمالي، مؤمناً بفكرة مثالية مؤداها أنه على الشاعر أو الكاتب أن يكتب وعلى الناقد أو القارئ أن يبحث ويتابع لا أن ينتظر أن يقوم الأول بإهدائه إليه مشمولاً بعبارة الاستجداء الشهيرة “أرجو أن يليق بإعجاب سيادتكم”.(2)

كما يرى الشاعر محمود قرني اتهام قصيدة النثر بأنها لا تشتبك مع القضايا الاجتماعية اتهام باطل‏,‏ ففي شعره مثلا ستجده منحازا للموقف الاخلاقي‏(‏ الاجتماعي بالأساس‏),‏ وستجد أصداء متصلة لفكرة العدالة الضائعة التي تنتظرها كائنات هذه القصائد‏,‏ حيث مازال لديهم الأمل في أن تأتيهم هذه العدالة ملفوفة في أناشيد‏.‏ ويجب الاشارة إلي حقيقتين‏:‏ الأولي‏:‏ ما يتم اشاعته عن أن قصيدة النثر قدمت الصورة الهشة لحياة الانسان عبر الاحتفاء بالمفردات البسيطة والراهنة‏,‏ تأكيدا لفكرة انها قصيدة يومية وليست قصيدة قضايا كبري‏..‏ اعتقد ان الشعراء الذين سلموا بهذه الحقيقة فقراء المخيلة ولن يدخلوا نسيج الشعر أبدا‏,‏ الثانية‏:‏ تتعلق بمفهوم عن دور الشاعر في الحياة الاجتماعية‏..‏ حيث عليه طبقا لهذا المفهوم أن يكتب قصائد المناسبات ويمدح الحاكم أو يشتمه‏,‏ ويتحدث بلسان جماعته ويدبج المدائح في المناسبات الوطنية‏..‏ الخ‏..‏ أما الحقيقة الباقية فهي أن الشعر لن يعود أبدا إلي تلك الصورة المليئة بالرطانة التي كرسها الخطباء والثوريون‏..‏ لأن الشاعر لا يملك ـ هذه الأيام ـ صك الحرية حتي لنفسه‏.‏(3)
الشعر القديم أنجز عقلا شديد الخصوصية‏,‏ تميزه بداهة الصحراء ووضوحها‏,‏ وأنجز الشعر الحر عقلا حداثيا قامت علي أعمدته الدولة القومية‏,‏ أما قصيدة النثر فهي الأكثر حيرة لأنها تريد أن تعيد الشعر إلي الأهل في زمن العولمة وتريد أن تتواضع أكثر من ذلك لتترك قضية الوجود إلي الحديث عن هموم شديدة الذاتية‏,‏ لكن تواضعها هذا كان سببا في إخراج الكثير مما يكتب من حقل الشعر جملة وتفصيلا‏.

دراسة تطبيقية

بعد ان قام الباحث بعمل مقدمة نظرية وايضاح بعض الرؤى في ارتباط قصيدة النثر بالحراك الاجتماعي في الجزء الأول من هذه الورقة، سوف يقوم بمناقشة عملين لتأكيد ما تم طرحه في الجزء النظري، وأول محطة له هي ديوان الشاعر يوسف ابو مسلم والمعنون بـ”فقه الغضب” وليس من السهل الدخول لعالم يوسف مسلم الشعري، فلابد ان تكون مسلحا بكم هائل من التنوع الايديولوجي، وان تكون محملا بكم هائل من التنوع الفكري والاطلاع على وقائع مجتمعك الذي تعيش فيه، حيث ينطلق يوسف مسلم من الذات الكاشفة العارفة إلى الواقع حيث يقدم رؤيته الخاصة للأني والمعيش في جدلية بين الذاتي والموضوعي من ناحية وبين الفكر وممارسته من ناحية اخرى.

يتكون عنوان الديوان من لفظتين يدور حولهما الكثير من التعريفات اللغوية والاصطلاحية، فنجد اننا امام عنوان مشكل في حد ذاته فلفظة ” فقه ” اختلف العلماء حول معناها، فقيل : مطلق الفهم، وقيل: فهم غرض المتكلم من كلامه، والقول الثالث: أنه فهم الاشياء الدقيقة.

أما الفقه اصطلاحا فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية .

واذا قمنا بالقياس المصطلحي من خلال قراءتنا للديوان الذي بين ايدينا وهو العلم بالأحكام العملية للغضب ، حيث هو المسيطر على الحالة العامة في الديوان . وكيفية التعامل مع هذا الغضب وتحركاته على أرض الواقع.

اتفق العلماء العرب القدامى على أن الغضب ثوران في القلب لقصد الانتقام. ومن حيث المفهوم فيرى علماء النفس ان الغضب احساس أولي، وطبيعي، وناضج مارسه كل البشر في بعض الأوقات على أنه شيء له قيمة وظيفية من أجل البقاء على قيد الحياة . فالغضب يمكنه تعبئة الموارد النفسية لاتخاذ أفعال تصحيحية، كما أن الغضب الغير متحكم منه يمكنه ان يؤثر على الاصلاح النفسي والاجتماعي.

وحول هذه المفاهيم تدور النصوص لتنتج لنا فهما حقيقيا وشعوريا واعيا بالغضب.

البعد الطبقي للنصوص

من البداية يعلن الكاتب انحيازاته الطبقية والتي تشكل وعيه وممارساته الابداعية، فينحاز لأكثر الفئات الاجتماعية غضبا ، مصدرا ديوانه بسطر شعري لمحمود درويش

سنصيرُ شَعْبًا حِينَ لَا نَتْلُو صَلاَةَ الشُّكْرِ للوطَنِ المقدَّسِ، كُلَّمَا وجَدَ الفَقِيرُ عَشَاءَهُ

وعنوان النص لدى درويش ” ان اردنا ” مجسدا اهم الخطوات التي يجب علينا اتخاذها كي نكون ” شعبا” وتتساوق نفس الفكرة في الديوان الذي بين ايدينا حيث انه يضعنا امام انفسنا، في مواجهة صادمة لحقيقتنا التي نحن عليها بكل تناقضاتها . محدد في الوقت نفسه انحيازاته وراصدا مآسينا فيقول (4) :

• فتتسَاقَطُ صُورُنَا مبرُومَةً

كذكْرِيَاتٍ قذرةٍ مِنْ كابُوسِ يَقَظَةٍ . (5)

***

الأَطْفَالُ الذاهبونَ إِلَى مدارِسِهُمْ

لابَسِينَ أحذيةً مِنْ القَشِّ

” وكانتِ المَدَارِسُ مَحْضَ زنازنْ ” ص12

***

عِطْرٌ فقيرٌ نَخْنِقُ بِهِ عَرْقَنَا

عَنْدَمَا ندِّخرُ بَعْضَ قُرُوشٍ

لنلاقي فتياتِنَا

عِنْدَ نَاصِيَةٍ فـي آخِرِ العَالَمِ، ص 15

***

هَادِئُونَ فـي الليلِ وودعاءْ

تتَقَاسَمُونَ وجعًا يملككُمْ،

ورَغيفًا لا تملكونَهُ،

تدَنْدنُونَ لحْنًا سكرانًا لا يسكرُكُمْ

ترفعُونَ أيْدِيكُمْ إلى سماءٍ صماءٍ

ثُمَّ تقبّلُونَ الكفَّ مِنْ الوجهيْنِ

ممتنينَ على كُلِّ مكرُوهْ . ص22

كل هذا الزخم الكاشف بدقة عن انحياز طبقي داخل النص هو في نفس الوقت داعي لرؤية مهمة يؤكد عليها من خلال ثنائيات طبقية مسميا الاشياء بأسمائها دون تحوير او انحراف بالغة فنجد ألفاظ مثل ” فاشستي ، برجوازي ، مارشال … وغيرها” موصلا لنا رسالة مفاداها أن الثورة التي كنا نريد لا يصنعها الفقر بينما يصنعها الوعي بالفقر وشتان الفارق بين الحالين .

الواقع السياسي

تقوم النصوص على امتدادها بصفحات الديوان بعملية كشف للواقع مقدمة بين الحين والآخر ثقبا للهروب أو الفرار منه لكنه لا يكتمل حيث أصبح الواقع سجنا والوطن لا وطن واللاعبون كثر من بينهم :

الإله

والذي يظهر في النص الاول في صور متعددة فيقول الكاتب على لسانه

بَيْنَما كُنْتُ ألهَثُ صَارِخًا

» أَجملُ الآلهةِ لَمْ يُعْلَنْ أُلُوهِيّتَهُ بعدْ «ص 8

ثم يظهر الإله في بقية المقاطع بمفردات فاعلة ” يقف، يقترب، يقلص، يدقق، ينتقي، يلعب، يعزف ” وكلها افعال مضارعة ومعروف ما للفعل المضارع من دلالة الحدوث والتجدد ، أي: الاستمرارية في الحدث. فهو لذلك يعزز موقف الشاعر في إرادة البقاء. وهكذا معظم الأفعال المستخدمة في الديوان مما أعطى الألفاظ حيوية وحركة مستمرة

ويتضح جليا تقسيم النص وتشريحه للمجتمع في قصيدة ” تصبحون على وطن ” ص 21

فيقدم قصيدته مخاطبا المجتمع:

تَائِهُونَ فـي الظهيرةِ

والشمسُ تدْهَسُ رؤُوسَكم دُونَ رَحْمَةٍ

وكأنه يطور هنا مقولة “محمد ابو سويلم ” في فيلم الارض ” تروح الشمس فين من على قفا الفلاح ”

تلك الشمس التي كنا نصطلي حرارتها ونحن تائهون نبحث عن حقوقنا من بداية الثورة حتى الأن، نتخبط بين متاجرون بالدين وبين طغمة مالية وثالثة عسكرية . نتقاسم وجع يملكنا ورغيفا لا نملكه ، رغم ذلك نكون ممتنين على كل مكروه يحدث لنا. واللاعبون المهرة الذين يتاجرون بأحزاننا هم الذين يملكون الأعمار وحتى الثورات المبتسرة التي قمنا بها ويطالبنا فريق أخر من هؤلاء بالرحيل من أوطاننا بحثا عن أوطان جديدة ، ولا نجد أمامنا سوى ذلك الحكيم الذي يوجه خطواتنا انه ” الشارع”

يُحدِّثكُم الشارعُ :

ما الذي تملكونَه الآن؟!!!

وكالعادَةِ تقولُونَ: لَا شَيْء

فيقولُ : إِذَنْ فلتقاتلوا

مِنْ أجلِ هذَا اللاشَيْء. ص 26

وهنا فقط يظهر العنوان جليا واضحا

ربَّما تتعلمونَ الغَضَبَ فجأةً

فالرصيفُ يمنحُكُمْ فِقْهًا للغَضَبِ

وتمنَحونه المزِيدَ مِنْ دمائِكم ص 28

تلك هي المعادلة الحقيقية التي يتركز النص فيها ليكون فقه الغضب هنا هو بداية التغيير فالدم المراق على أسفلت الشوارع والارصفة هو الثمن الحقيقي للتغيير الذي ننشده . رغم ان هذا الرصيف الذي منحكم فقه الغضب هو نفسه الذي ينتج لكم كائنات تلتهمكم ، وكأنه يقول لنا لو تفهمون الغضب وتحولوه الى قوة تغيير حقيقية لان له قيمة وظيفية من أجل البقاء على قيد الحياة . حيث ان الغضب يمكنه تعبئة الموارد النفسية لاتخاذ أفعال تصحيحية، الا أن الغضب الغير متحكم منه يمكنه ان يؤثر على الاصلاح النفسي والاجتماعي ، من الممكن لهذا الغضب أيضا نتاج كائنات تأكل الأخضر واليابس.

الموقف من السلطة

تتجسد السلطة في النصوص بتنظيماتها العسكرية سواء كانت شرطة أو جيش، فالنص معادي للسلطة نفس عدائه لهؤلاء المتاجرون بالدين وهؤلاء الذين نطلق عليهم مجازا ” فلول” حيث ان الجميع في بوتقة واحدة وهم فقط مجموعة من السماسرة الذين يأخذون أوامرهم من المارشال أيا كان قابع هذا المارشال ربما يكون محلي وربما يكون عالمي .

فـي العُيُونِ التـي لَا تَفِيقُ،

أَرَى وجْهَي مَضْغُوطاً بَيْنَ رَصيفٍ وحِذاءٍ،

يمرُّ بـي النهارُ متخفيًّا فـي سُتْرَةِ شُرْطِيّ مُخَنَّثٍ،

يُربـّي فـي قَلْبِهِ القَساوةِ ..

يَشتمُنـي .. فَأَشْتِمُهُ ..

يَضربُنـي .. فَأَضْرِبُهُ ..

يطرحُنـي على الأرْضِ ..

يُعفِّرُ عَيْنـي بكُبشةٍ مِنْ رمادٍ يتجشَّأه ..

يُفتّشُنـي .. فيُخرجُ مِنْ جُيُوبـي

مُدُنًا وصَحَارَى وقَبَائِلَ

شُعرَاءَ وشُيُوعِيّينَ قُدَامَى

وعُشَّاقًا ينحنُونَ، فـي جلالٍ،

على سُيوفِهُمْ الَّتـي خلَّفتها الهزائِمُ. ص45

هذا نموذج للسلطة تطرحه النصوص وهناك نماذج أخرى نأخذ منها مثال أخر:

هُو عاشقٌ

كان يحلُمُ بأرصفةٍ دونَ عساكرٍ

يلوثونَ خطاكما

لذا..

سيصحبكِ يومًا إلى قاهرتِه

بعيدًا عن العَسْكرِ والمُخْبِرين والقَوَّادين

حيثُ لا مطاعمَ للبيتزا فـي شوارِعِها

ولا مُولاتٍ تُفْرِخُ حُكماءً للعالمِ الجديدِ ص 56

وفي هذا المقطع يجتمع كل أعداء الشاعر الطبقيين تلك الفكرة المهيمنة على الديوان وكأنه يقدم لنا منفستو جديد بديلا عن ” البيان الشيوعي “الشعر مسكون بالسياسة في فقه الغضب ليوسف مسلم

بينما النموذج الثاني لشاعر من نفس درجة الانحياز الطبقي والمعرفي وهو ديوان “جيكا” للشاعر أحمد خالد والذي يوثق فيه أحداث ثورة 25 يناير بداية من عنوانه الذي يحمل اسم “جيكا” احد شهداء الثورة ويحتوى الديوان على 21 قصيدة، يحمل بعضها أسماء شهداء الثورة مثل مريم فكرى وعماد عفت والحسيني أبو ضيف وبالطبع قصيدة جيكا، التي جاءت على الغلاف، وفيها يقول:

لا تشيروا: هذه أم جيكا..

نادوها باسمها.. حتى لا تتذكر.. وكما لو أنكم تضيفون مرمرا إلى العنبر..

تحدثوا معها عن الفقراء.. وستسايركم..

هذه الرفيقة بالخلق.. لم تذع دمعها علي أحد.. احضنوها بدلا مني

ويمكنكم أيضا أن تسألوها.. عن الطريق إلى العتبة.. أرجوكم افعلوا شيئا عاديا.. وستسايركم.. وربما تناديني لأدلكم..

وأنا اشتري الخبز.. كان الريفيون يحملون مرضاهم للأطباء في باب اللوق..

وثوار كفاية صرخاتهم أمام مبني القضاء العالي…

والبنات.. المسرات.. يثبتن كبرياء الأنوثة..

وطوال اللحية.. يضعون أسماء دينية علي مول الكمبيوتر..

لما رجعت لامي قلت: ما الحرية؟؟؟

لما كنت في الحادية عشر.. ردت: قمح الريفيين وأكبادهم

ويصدر قريبا للشاعر كتابه “نساء الثورة المصرية”.. كما ستصدر الترجمة الإسبانية لكتابه “جبال وأرواح”.

وبوصف العنوان عتبةً للنص، فهو يحمل مسوغات عبور الديوان للقارئ وصرفه عنه في آن. “جيكا”، هذا العنوان المجمِل، والكاشف، للوهلة الأولى، عن متن إيديولوجي/ ثوري بالطبع، حافز لكثيرين على مسح قصائد الديوان لأكثر من مرة، تتبعاً لجولات ما بعد الثورة، أو منطقة الالتباس الثوري، كما أسماها الكاتب محمد حربي، في قراءته للديوان. لكن آخرين كثر، قد لا يعرفون شعر خالد، ويؤمنون بإفساد الإيديولوجيا للشعر، ربما يحفزهم حب الاستطلاع، ليكتشفوا أن الشعر هو موضوع الديوان.

“ترجمت قصيدةً، لبنتٍ في مدرسة الليسيه

وأقنعت الدانماركية بأن كل المصريين شعراء…

ولأفتنها وأدهشها.. جعلتها تتناول مأكولات الناصرية

لم تروها وشعرها الذهبي، يسيل على ضحكتي

وأمي تنهرني على عبث الصغار، كنت دون الخامسة عشر وقتها

ولم تروني وقاتلي يحمل نعشي

كنت دون السابعة عشر

وأنا لا أستطيع أن أساعد أمي على حزنها” (6)

فالديوان كما تقول عزة حسين حالة تأمل ممتدة، تتماهى عبرها الفلسفة والشعر، ويلوح التصوف كتأويلٍ أقرب، وزاوية رؤية للثورة ومآلاتها، بإضاءة العلاقات بين لا عبيها الرئيسيين من ثوار ومنتفعين، وشهداء، ووسطاء، دون مداراةٍ لانحيازاته، ولاتهاماته أيضاً(7):

وأنا أشتري الخبز،

كان الريفيون يحملون مرضاهم للأطباء في باب اللوق..

و”ثوار كفاية”.. صرخاتهم أمام مبنى القضاء العالي…

والبنات.. المسرات.. يثبتن كبرياء الأنوثة..

وطوال اللحية، يضعون أسماء دينية على مول الكمبيوتر..

لما رجعت لأمي: قلت مالحرية؟

لما كنت في الحادية عشر، ردت قمح الريفيين وأكبادهم”.

وعبر واحدٍ وعشرين قصيدةٍ، تتوسل الحكي والبنى السردي، أغلبها لأسماء آخرين أو صفات تدل عليهم، ك: “جيكا، مريم فكرى، والحسيني أبو ضيف، أو المختبئ، الفتاة الإنجيلية التي يكرهها الكهان الأربعة، ورجل الحشائش الضارة”، حضرت الذات الشاعرة أغلب القصائد، إلى حد التماهي واختفاء الحدود بين حركتها وكلامها، وحركة المسرود عنهم أو الساردين. حيث تعامل الشاعر مع قصائده ليس فقط بمنطق الراوي العليم في السرد، ولكن أيضاً بمنطق المتجادل، المعري لكهنة الزيف في الكونجرس الأمريكي، أو على المنابر، حيث السخرية من ثورات الفقراء، وتحريم الحرية “حتى يتم قطع يد السارق”. وتمتد حالة التعرية لتشمل مع خدام الأفكار القبيحة للدكتاتوريين، والمتثورين الحنجوريين الذين تفرغوا لمقاومة الآخر، تعرية الذات إلى حد الجلد، خصوصاً مع ذوبان هذه الذات في من مررتهم القصائد:

منذ ذلك الوقت.. منذ ثلاثين عاماً وروحي تنزف

قطّعتها.. وأنا أتمرس على النصل والكتابة..

أنا خادم الأفكار القبيحة… استخدمت الحبر والذهب لمحو الأرواح..

وأبهرني تاريخ السفاحين..

فلا تصدقيني حين أقول: أحبك..

فأنا أبحث عن حبٍ بعيد

لأن مصر صارت بعيدة عني

مذ أسس الديكتاتور.. نظام الكتابة

الكتابة التي حرمتني حتى من الندم..”

نهاية الديوان تتوالى قصائد بأسماء الشهداء: جيكا، عماد عفت، والحسيني أبو ضيف، وكأن هذا الجزء من الديوان تعليق ومراجعة لفكرة الثورة، وفكرة الشاعر ذاته عن هذه الثورة بعدما صارت ماضِ قريب، تعرى من كامل شحنته الغنائية، ومن سمة المفاجأة إلى وقع الصدمة. ومع حضور تيمة كالتأريخ، خاصة عندما يتولى هؤلاء الثلاثة الحكي، كلٌ بلسانه، تحضر القصيدة بوصفها وثيقة، سواء استطالت هذه الحوارية الممهورة بالدم، كما في قصيدة “عماد عفت”، أم تكثفت إلى حد التقطير علي لسان الحسيني أبو ضيف:

“ثقبوا دماغي

ثقبوا عدسة الكاميرا

فذهبت لأتقط صورة الله..”

هذه القصائد وغيرها تقرب الديوان من وصفه مرثية، أو سجل مراثٍ ليس فقط لوجوه الشهداء، ولا لثورةٍ ضلت الطريق، بل لشاعرٍ أيضاً

“يرقب نهايتي التافهة

كاستدلال النساك على الله”.

أما السمة التي لم يقدر على نفيها حضور الثورة، ورموزها، كحدثٍ يؤطره مكانٌ وأوان، فهي الكونية التي اتسمت بها أجواء القصائد/ الديوان، ومردها القريب، تلك النزعة الوجودية التي يؤول بها أحمد خالد العالم، والثورة، كتفكيك لقطبي الحياة والموت، عبر شواهد، كالزمن والأفكار، والإنسان:

ماذا يكون المرء

إذا صنع من قبلةٍ عابرة..

نفسه

شاهد أيضاً

طريق طويل.. ل -حيدر محمود-

-حيدر محمود-   أنا وأنت ِ والطريق يحاول تقبيلك بين الخطوة وألاخرى والاشجار التي في …