الرئيسية / سينما و تلفزيون / الدراما المغربية تهجر الاستوديوات المغلقة

الدراما المغربية تهجر الاستوديوات المغلقة

مبارك حسني

التراكم هو وحده الكفيل بالتبدل الكيفي أو النوعي. تصح هذه المقولة في كل مرة. في أي نشاط إبداعي وفني يظهر تجسيدها بارزاً للعيان. ومع تعدد الإنتاجات الدرامية في القنوات المغربية تتعدد المواضيع والثيمات، كما تكثر المقاربات من شتى الأنواع والمداخل. لكن الأجمل والأكثر إثارة للانتباه هو حين تأخذ الدراما على عاتقها أن توحّد بلداً ما من خلال التنويع الذي قد تختاره من حيث الفضاءات المنتقاة لتفعيل وقائع حكاياتها.
نعم، هو توحيد عندما تجد ساكنة ما لمنطقة ما أو جهة جغرافيتها الحياتية والطبيعية وقد صارت مكان تصوير، ووصلت إلى المشاهد عبر الصورة. قد لا يعتمد منتجو السلسلات الحكائية الجماهيرية وكاتبوها هذا التنويع في حد ذاته كاختيار مفكر فيه، لكنهم يساهمون على رغم ذلك في انخراط عملهم في الهم العام. فليس أكثر زيادة في اللحمة الاجتماعية من الاهتمام بالكل من دون تمييز. وينعكس الأمر في تغيير الفضاءات المنقولة تلفزيونياً مما يعجل تحقيقها.
مناسبة كلامنا هذا هو اختيار الإنتاج الدرامي المغربي المتزايد لمواقع تصوير خارجية غير مألوفة في السنوات الأخيرة. لقد خرجت من الاستوديوات المغلقة على ديكوراتها الداخلية، كما أنها لم تعد تفضل الاقتصار على مدن معروفة فقط، أو الأبرز حضوراً، أي العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، أكبر حاضرة بالبلد. الأمر الذي يعتبر تطوراً نوعياً وتغييراً مهمًا. فالمغاربة يتذكرون تلك السلسلات القليلة التي كانت تعرض لهم طيلة عقود سالفة من دون أن تنقل إلا صور مدن قليلة ووفق لغة كلام دارج ومفتعل، لا علاقة لها بالواقع.
وهنا تتبدى لنا للوهلة الأولى أعمال المخرجة فاطمة بوبكدي التراثية التي راودت عوالم الجبل والبادية في مناطق لم ترتدها عدسات الكاميرا إلا لماماً، ونادراً ما شاهدها المغاربة إلا عبر الخبر العابر. هذه الأخيرة جعلت من هذه الفضاءات علامةً لمسارها الإخراجي الدرامي وتميزت به عن غيرها، خالقة بذلك نوعاً خاصاً. وبالتالي جعلتها أمراً عادياً لدى المتفرج، وهو ما عرّف بها وبما تتميز به أكثر أحياناً مما قد يقوم به فيلم وثائقي تعليمي تعريفي.
كما تحضر دراما شفيق السحيمي «وجع التراب» التي باقتدار فني كبير جعلت من بطاح وسهول الشاوية المعطاء شخصيةً درامية تؤثر في الأحداث وتساهم في التشويق. وذلك من خلال التقاط جزئياتها الدالة وغناها الثقافي بالمعنى الإثنولوجي.
هذان المثالان المعبران، على سبيل التذكير، فتحا الباب في شكل واسع لاختراق الجغرافيا المغربية المختلفة وفق مميزاتها الطبيعية من طرف التخييل التلفزيوني، ما يشكل توثيقاً موازياً إلى جانب المعطى التعريفي. مع ملاحظة غياب اللغة الأمازيغية التي من المفترض أنها من خصائص جزء كبير من الجبال المغربية، إلا أن جهد الدبلجة في ما بعد تدارك هذا النقص، وهي من الأمور المحمودة من دون شك.
وفي الإطار ذاته، تحضر مدينة شفشاون الجميلة في الشمال الجبلي المغربي التي عرفت تصوير وقائع المسلسل الشهير «بنات لالة منانة»، وهو ما حولها إلى مزار. وسلسلة «لوبيرج» المسلية التي ارتحلت بعتادها وناسها إلى منطقة أزيلال في جبال الأطلس الكبير بشلالاته المائية وأحواضه وغابته الخلابة.
هي علامات عن قوة الدراما حين تكون مبرمجة في شكل متواتر، أي عندما لا تصير مجرد نشاط موسمي، بل مشروعاً فنياً متكاملاً يربح فيه الكل. البلد والمنتجون والفنانون، بغض النظر عن قيمة هذه الدراما، ما دام لها جمهورها المتتبع، ومن دون حساب القيمة الثقافية من جهة ما هو فن خالص يجب أن يستوفي شروط تجسيده. ففي الحالة المغربية، الكم مهم في هذه المرحلة، وبعدها سيحل لا محالة مجال الغربلة للغث من السمين. الضرورة للصورة الحية على الشاشة الصغيرة التي لا تستثني منطقة ولا تنوعاً. طبعاً، قد يقول قائل بأن الجغرافيا التي اختارتها هذه الأعمال فيها بعض الغرائبية، بما أنها تتوجه للجبل والسهل البعيدين المفارقين للمدينة. نعم، هو كذلك، لكن المهم مرة أخرى هو الإنتاج واستمراريته. بعدها كل شيء ممكن

(الحياة)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …